تحقيق إخباري

نمذجة الجائحة

عملياتُ محاكاة توجِّه استجابة العالَم لمرض «كوفيد-19».

ديفيد آدم
  • Published online:
العاملون في مصنع لتصنيع السيارات في مدينة ووهان الصينية يلتزمون بتدابير التباعد الاجتماعي أثناء استراحة الغداء.

العاملون في مصنع لتصنيع السيارات في مدينة ووهان الصينية يلتزمون بتدابير التباعد الاجتماعي أثناء استراحة الغداء.

AFP/Getty

عندما زار نيل فيرجسون مقرَّ الحكومة البريطانية في شارع داوننج ستريت بلندن، كان أقرب بكثير لجائحة «كوفيد-19» COVID-19 مما تَصوَّر. كان فيرجسون –اختصاصي النمذجة الرياضية للأوبئة في جامعة إمبريال كوليدج في لندن– قد أطلَع المسؤولين في منتصف شهر مارس الماضي على موجز لأحدث النتائج التي توصَّل إليها فريقه باستخدام النماذج الحاسوبية التي تحاكي الانتشار السريع لفيروس كورونا الجديد «سارس-كوف-2» SARS-CoV-2 بين سكان المملكة المتحدة. وما هي إلا 36 ساعة، أو أقلّ، حتى أعلن فيرجسون -في "تغريدة"  له على موقع «تويتر» Twitter- أنه يعاني من الحُمى، والسعال، قبل أن تُؤَكَّد إصابته بالفيروس. لم يكن يدري -وهو العالِم الذي يتتبَّع بيانات المرض- أنه سيندرج في عِداد تلك البيانات التي يتناولها بالبحث. 

ويُعَدّ فيرجسون أحدَ أبرز العلماء الذين يسعون إلى استخدام النماذج الرياضية في التنبؤ بانتشار الفيروس، وكذلك توضيح مدى تأثير الإجراءات الحكومية على مسار التفشي. وقد واصل فيرجسون عمله طوال فترة ظهور الأعراض الخفيفة نسبيًّا لمرض «كوفيد-19» عليه، ويقول: "لقد كانت شهورًا مليئة بالعمل المُضني والمكثف للغاية"، مضيفًا: "لم أحظَ حقًّا بيوم عطلة واحد منذ منتصف شهر يناير". 

قلَّما يحظى البحث العلمي بمثل هذا الاهتمام في الأوساط السياسية. فعندما أشارت البيانات المُحدَّثة في نموذج فريق جامعة إمبريال كوليدج1 إلى أن الجهاز الصحيَّ بالمملكة المتحدة في طريقه إلى التعرُّض لطوفانٍ من حالات الإصابة الشديدة بمرض «كوفيد-19»، وأنَّ بريطانيا قد تشهد أكثر من 500 ألف حالة وفاة إذا لم تتخذ الحكومة أيّة إجراءات لصدِّ الجائحة، سارع رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، بإعلان قيودٍ صارمة جديدة على حركة الأشخاص. وحسب النموذج نفسه، فما لم تَتخذ الولايات المتحدة أيّة تدابير، فربما تصل حصيلة الوفيات فيها من جرَّاء انتشار المرض إلى 2.2 مليون حالة وفاة. وقد جرت مشاركة نتائج النموذج مع البيت الأبيض، فما كان من الإدارة الأمريكية إلا أن سارعت هي الأخرى بإصدار توجيهاتٍ جديدة بشأن التباعد الاجتماعي. 

كبر الصورة

المصدر: المرجع رقم 1

تستند الحكومات حول العالم إلى التوقعات التي تخرج بها النماذج الرياضية، للمساعدة في توجيه قراراتها الرامية إلى التصدِّي للجائحة. وحسبما يشير فيرجسون، فإن المحاكاة الحاسوبية لا تمثل سوى جانبٍ واحد من تحليلات البيانات التي أجرتها فرق تصميم النماذج لهذه الأزمة، غير أنه صار يحظى بأهمية متنامية في عملية وضع السياسات، إلا أنَّ فيرجسون -وغيره من واضعي هذه النماذج- يُنبهون إلى أن قسطًا لا بأس به من المعلومات عن كيفية انتشار فيروس كورونا «سارس-كوف-2» لا يزال مجهولًا، ومن ثم يكون اللجوء إلى تقدير تلك المعلومات، أو افتراضها؛ الأمر الذي يحدّ من دقة التوقعات. فعلى سبيل المثال.. قدَّرت نسخة سابقة من نموذج جامعة إمبريال كوليدج أنَّ فيروس «سارس-كوف-2» سيكون مساويًا في الحِدَّة لفيروس الإنفلونزا من حيث الحاجة إلى تلقّي الرعاية الطبية في المستشفيات؛ وهو التقدير الذي تبيَّن فيما بعدُ أنه غير صحيح. 

قد لا يتسنَّى الحُكم على أداء النماذج المُعدَّة لمحاكاة هذه الجائحة، إلا بعد انقضاء شهور أو سنوات من الآن. ومع ذلك.. فمن أجل فهْم قيمة نماذج «كوفيد-19»، يلزم التعرُّف على آلية وضع هذه النماذج، والافتراضات التي بُنيت على أساسها. يقول فيرجسون: "إننا نبني صورًا مبسطة للواقع، فالنماذج ليست بلوراتٍ سحرية". 

نماذج فيروس كورونا: الأساسيات 

عند النظر إلى النماذج المُحاكية لطرق انتشار الأمراض، نجد أنها كثيرًا ما تختلف باختلاف الفِرَق الأكاديمية التي تعكف على تطويرها لسنوات، بيدَ أنَّها، على ما بينها من اختلاف، تتشابه في المبادئ الرياضية التي تقوم عليها؛ فهي تستند إلى محاولة فهم كيفية انتقال الأفراد بين ثلاث حالات رئيسة، ورصد السرعة التي يتمّ بها الانتقال بين هذه الحالات.. فالأفراد، على هذا الأساس، إما مُعرَّضون للإصابة بالعدوى الفيروسية (ويُرمز إليهم بالحرف S)، أو مصابون بالعدوى (ويُرمز إليهم بالحرف I)، ثم يتبع ذلك إمَّا التعافي من العدوى (ويُرمز إلى هذه المجموعة بالحرف R)، أو الوفاة. يُفترض أن تكتسب مجموعة المتعافين (R) مناعةً ضد الإصابة بالفيروس مرةً أخرى، ومن ثم تنتفي القدرة على نقل العدوى. وتضمُّ هذه المجموعة أيضًا الأشخاص الذين يتمتعون بمناعة طبيعية ضدّ الإصابة بالعدوى، فإذا نظرنا إلى هذه النماذج التصنيفية للعدوى (بفئاتها الثلاث: القابلية، والإصابة، والتعافي)، وتُعرف اختصارًا بنماذج (SIR)، لوجدنا أن أبسط هذه النماذج ينطلق من مجموعة افتراضات أساسية، مثل افتراض أن جميع الأشخاص يملكون حظوظًا متساوية في التقاط العدوى من الشخص المصاب، على اعتبار أنَّ السكان جميعهم مختلطون ببعضهم اختلاطًا تامًّا، وبالدرجة نفسها. أما النماذج الأكثر تقدمًا، فتزوِّد صانعي السياسات بالتنبؤات الكمّية التي يحتاجون إليها لمواجهة جائحةٍ ناشئة، إذ تقسّم الأشخاص إلى فئاتٍ أصغر، حسب العمر، والجنس، والحالة الصحية، والوضع الوظيفي، وعدد المخالطين، وما إلى ذلك؛ لمعرفة مَن يلتقي بمَن، ومتى، وفي أي مكان. 

واستنادًا إلى معلوماتٍ تفصيلية عن حجم الفئات السكانية، وكثافتها، والفئات العُمرية، وخطوط المواصلات، وحجم الشبكات الاجتماعية، وتوافر الرعاية الصحية، يُنشئ واضعو النماذج نسخة افتراضية من مدينة، أو منطقة، أو دولة بأكملها، وذلك باستخدام معادلاتٍ تفاضلية، بغرض ضبط تحركات الفئات السكانية وتفاعلاتها على المستويين؛ المكاني، والزماني، ثم إنهم يُعرِّضون هذا العالم الافتراضيَّ للعدوى، ويراقبون النتائج.  

وهذا يتطلَّب -بدوره- معلوماتٍ لا يمكن الحصول عليها في بدايات الوباء، إلا في صورة تقديرات تقريبيَّةٍ فضفاضة، مثل نسبة الوفيات من المصابين، وعدد التكاثر الأساسي (R0)؛ وهو متوسط عدد الأشخاص الذين يلتقطون العدوى من مصابٍ واحد. فعلى سبيل المثال.. قدّر واضعو النماذج في إمبريال كوليدج -في تقرير1 صادر بتاريخ السادس عشر من مارس الماضي- أنَّ نسبة الوفيات من مرضى «كوفيد-19»  تبلغ 0.9% (احتُسبت هذه النسبة وفقًا للتركيبة الديموجرافية للمملكة المتحدة)، وأنَّ عدد التكاثر الأساسي يتراوح بين 2 و 2.6. أمَّا فترة حضانة الفيروس داخل جسم الشخص المصاب، فقدَّروا أنها تبلغ 5.1 يوم. اعتمدت هذه الأرقام على أنواع أخرى من النمذجة؛ وهي تقديرات تقريبية وضعها علماء الوبائيات في محاولةٍ لتكوين تصوُّر عن الخصائص الأساسية للفيروس، بناءً على معلومات غير مكتملة، أمكن الحصول عليها من بلدان مختلفة، إبَّان المراحل المبكرة من تفشِّي الجائحة. 

 إن الباحثين لا يجدون بُدًّا -أحيانًا- من الاعتماد على الافتراض اعتمادًا تامًّا لدى تحديد بعض المعايير والمعطيات. فعلى سبيل المثال.. لجأ فريق إمبريال كوليدج إلى الحدس بعدم وجود مناعةٍ طبيعية ضد مرض «كوفيد-19». ومن ثمَّ، ينطلق النموذج من فرضيةٍ مؤدَّاها أن السكان على جُملتهم مُعرَّضون للإصابة بالعدوى. هذه واحدة، والثانية أن المتعافين من المرض يكتسبون مناعة تقيهم من الإصابة بالعدوى مرة أخرى على المدى القصير، فإذا ما اقتُصر على هذه المقدمات في إجراء عملية المحاكاة، فسوف تكون النتائج متطابقةً في كل مرَّة، غير أنَّ نوعًا من نماذج المحاكاة -يُطلق عليها «نماذج ستوكاستك» (أو النماذج العشوائية)- تضيف إلى هذه المقدمات عنصرًا آخر، هو عنصر العشوائية: فيصير الأمرُ أشبهَ ما يكون بإلقاء حجر نَرْد، لمعرفة احتمالات انتقال العدوى من شخصٍ مصاب (I) إلى شخصٍ مُعرضٍ للإصابة (S) عندما يلتقيان، فتكون النتيجة جُملةً من الاحتمالات، يُطالعنا بها النموذج لدى تشغيله عدةَ مرات. 

ليس هذا فحسب؛ إذ يعمدُ واضعو النماذج كذلك إلى محاكاة أنشطة الناس بأشكال مختلفة. ففي النماذج «القائمة على المعادلات» equation-based، يَجري تصنيف الأفراد في فئاتٍ سُكانية. ومع تقسيم هذه الفئات إلى فئاتٍ اجتماعية فرعية أصغر، لتكون أصدقَ تمثيلًا للواقع، تزداد النماذج تعقيدًا. وثمة طريقة بديلة، تتمثل في استخدام نهجٍ «قائم على الفرد» agent-based؛ يتيح لكل فردٍ أن يتحرَّك ويتصرف وفقًا لقواعده ومعطياته الخاصة، فيكون أقرب إلى شخصيات المحاكاة في سلسلة ألعاب الفيديو المُسمَّاة «ذا سيمز» The Sims. 

وفي ذلك.. تقول إليزابيث هانتر، المتخصصة في نماذج انتقال العدوى بجامعة دبلن التكنولوجية: "بضعةُ أسطرٍ من الأكواد البرمجيَّة كفيلة بأن تُحدِّد سلوك كل فرد، والطريقة التي يقضي بها يومه". 

إنَّ العوالم الافتراضية التي تُنشئها النماذج القائمة على الفرد هي العوالم ذاتها التي تُنشئها النماذج القائمة على المعادلات؛ بيد أنَّ الأولى تسمح لكل شخص أن يأتي سلوكًا مختلفًا عن السلوك الذي يأتيه غيره في اليوم نفسه، أو حيال الموقف نفسه. وفي وصف تلك النماذج، تقول كاثلين أوريلي، اختصاصية الوبائيات في مدرسة لندن لحفظ الصحة وطب المناطق الحارة 5(LSHTM): "إنها نماذجُ شديدة الخصوصية، وتمتاز بنهمها الشديد للبيانات". وتضيف قائلة: "نحن بحاجةٍ إلى جمع معلومات عن الأسر المعيشية، وكيفية انتقال الأفراد إلى أعمالهم، والأنشطة التي يزاولونها في العطلة الأسبوعية". 

أيَّ النماذج نختار؟

استعان فريق إمبريال كوليدج -إزاء هذه الجائحة- بالنموذجين كليهما: القائم على الفرد، والقائم على المعادلات. فعملياتُ المحاكاة التي كشف عنها الفريق في السادس عشر من مارس، بُغيةَ تقديم المشورة إلى حكومة المملكة المتحدة، وتوجيه استجابتها لتفشِّي مرض «كوفيد-19»، استخدمت نموذجًا قائمًا على الفرد، سبق أن صمَّمه الباحثون في عام 2005، بغرض التكهُّن بما قد تَشهَده تايلاند إذا ما تحوَّر فيروس H5N1، المسبب لإنفلونزا الطيور، بما يمكِّنه من الانتشار بسهولة بين الناس2. وقد أخبر فيرجسون دورية Nature -في ذلك الحين- أن جمع بيانات تفصيلية عن سكان تايلاند كان أصعب من كتابة كود البرمجة الخاص بالنموذج. وأفاد أنَّ هذا الكود لم يُفصَح عنه لدى إعلان الفريق لأوَّل مرة عن توقعاته بشأن جائحة فيروس كورونا، غير أنَّ الفريق ينسّق حاليًّا مع شركة «ميكروسوفت» Microsoft من أجل تنقيح الكود، وإتاحته للجميع. 

نيل فيرجسون، اختصاصي الوبائيات في المملكة المتحدة.

نيل فيرجسون، اختصاصي الوبائيات في المملكة المتحدة.  

Imperial College London

وفي السادس والعشرين من مارس، كشف فريق فيرجسون النقاب عن توقعاتٍ عالمية بشأن بتأثير مرض «كوفيد-19»، اعتمدوا في إنتاجها النهج الأبسط، القائم على المعادلات3. يُقسِّم هذا النهج الأشخاص إلى أربع فئات، هي: S، وE، وI، وR؛ حيث يشير الرمز E إلى الأشخاص الذين تعرضوا للإصابة بالفيروس، ولكنهم لم يتحوَّلوا بعدُ إلى مصدرٍ للعدوى. وترى أزرا غاني -اختصاصية الوبائيات، والعضوة في فريق إمبريال كوليدج- أنَّ "هذه النماذج تعطي أرقامًا إجمالية متشابهة إلى حدٍّ كبير". فعلى سبيل المثال، تشير التوقعات العالمية إلى أنَّه ما لم تتخذ الولايات المتحدة أي إجراء لمواجهة التفشِّي الفيروسي، فسوف تُمنَى بحصيلة وفياتٍ تبلغ 2.18 مليون حالة وفاة. وكانت المحاكاة السابقة -التي أُجريت اعتمادًا على المنهجية القائمة على الفرد، وتبنَّت الافتراضات نفسها حول معدل الوفيات وعدد التكاثر– قد قدَّرت عدد الوفيات في الولايات المتحدة بنحو 2.2 مليون حالة وفاة1

وترى فيتوريا كوليزا -وهي مصممة نماذج بمعهد بيير لويس لعلم الأوبئة والصحة العامة في باريس، وتقدم المشورة للحكومة الفرنسية خلال الأزمة الحالية- أنَّ كل نوع من أنواع النماذج المختلفة يملك أوجُه قوةٍ وأوجه ضعف. وتضيف أنَّه إذا ما أمكن ترجمة فئةٍ بعينها إلى متغيِّر مُحدَّد داخل النموذج القائم على المعادلات، فمن شأن ذلك أن يجعل الإجراءات أبسط، ومن ثمَّ أسرع؛ حيث إنَّ النموذج لا يستلزم ذلك المستوى من الدقة، الذي يقضي بالتعامل مع الأفراد، كلٍّ على حِدة. فعندما قصدَتْ كوليزا وفريقها إلى اختبار الآثار المترتبة على إجبار قطاعات كبيرة من السكان في فرنسا على العمل من المنزل، على سبيل المثال، وتأثير ذلك على معدلات الإصابة، اختارت نموذجًا قائمًا على المعادلات. وفي تفسير ذلك تقول: "لم نكن بحاجة إلى تتبُّع كل فرد على حدة، لمعرفة ما إذا كان يقضي بعض الوقت في العمل، أم المدرسة". 

وعلى الرغم من أنَّ توقعات النماذج المختلفة قد لا تتباين فيما بينها تبايُنًا واسعًا، يحقُّ لنا أن نتساءل عن مدى موثوقية هذه النماذج. وما يدعو للأسف أنَّ من الصعوبة بمكان الحصول على بعض البيانات –مثل معدلات الإصابة بالعدوى– أثناء فترة الجائحة، لتقييم توقعات كل نموذج. 

يُعقِّب جون إدموندز -مصمم النماذج بمدرسة لندن لحفظ الصحة وطب المناطق الحارة- قائلًا: "بإمكانك أن تخرج بتوقعاتٍ لما سيحدث في المستقبل، لترى بعد ذلك إنْ كان الواقع سيُصدِّق عليها، أم لا. إن المشكلة تكمُن في أنَّ أنظمة الرصد عندنا في حالٍ يُرثى لها"، ثم يُردف قائلًا: "لدينا عدد إجماليٌّ للحالات المُسجَّلة، فهل هو دقيق؟ كلّا. وهل هو دقيق في أي مكان؟ كلا". 

وفي ورقةٍ بحثية4 لتقييم أداء توقعات تفشي مرض الإيبولا في عامي 2014-2015 في سيراليون، نُشرت خلال العامَ الماضي، أشار إدموندز إلى أنه «نادرًا ما يجري تقييم دقة التوقعات التي يضعها العلماء أثناء وقوع الحدث نفسه، أو في الفترة التالية له مباشرة. والحقُّ أنَّ المتخصصين في مجال التوقعات لم يشرعوا في إتاحة النتائج، والأكواد، والنماذج، والبيانات، إلا مؤخرًا، لتخضع للتحليل بأثرٍ رجعيّ». اكتشف إدموندز وفريقه أنَّ المدى الزمنيّ للتنبُّؤات المستقبلية الموثوقة حول مسار الوباء لا يزيد على أسبوع، أو أسبوعين. 

وفي محاولة للحدِّ من تأثير البيانات غير المكتملة، والافتراضات غير الصحيحة، يلجأ مصممو النماذج عادةً إلى تشغيل النماذج لمئات المرّات، مع تعديل معايير الإدخال قليلًا في كل مرة. ويسعى هذا التحليل، الذي يُشار إليه بـ«تحليل الحساسية»، إلى منع التفاوُت الشديد في مُخرجات النموذج عند تغيير أحد المُدخلات. ويقول فيرجسون إنه من أجل تجنب الاعتماد الزائد على نموذج واحد، فقد تلقَّت حكومة المملكة المتحدة المشورة من عدد من مجموعات وضْع النماذج، ومنها فِرقَتا جامعة إمبريال كوليدج ومدرسة لندن لحفظ الصحة وطب المناطق الحارة، مضيفًا بقوله: "توصلنا جميعًا إلى استنتاجات متقاربة". 

تحديث النماذج

أشارت تقارير إعلامية إلى أن التحديث الذي أُدخِل على نموذج إمبريال كوليدج في أوائل مارس الماضي كان عاملاً حاسمًا في دفع الحكومة البريطانية إلى تغيير سياستها بشأن الجائحة. فقد قدّر الباحثون في البداية أن 15% من الحالات المحجوزة بالمستشفيات ستحتاج إلى تلقِّي العلاج في وحدات العناية المركزة (ICU)، قبل أن يحدّثوا النسبة فيما بعدُ إلى 30%؛ وهي النسبة التي تضمَّنها أول إعلانٍ عام عن نتائج عملهم في السادس من مارس. وأظهر هذا النموذج أن الجهاز الصحيَّ في المملكة المتحدة، بما يضمُّ من أَسِرّة عناية مركزة يتجاوز عددها الـ4 آلاف بقليل، ستتعرض لضغط كبير يفوق طاقتها الاستيعابية. 

في وقتٍ سابق، روَّج المسؤولون الحكوميون لنظرية تقوم على السماح بانتشار المرض في المجتمع مع توفير الحماية لكبار السن، مبررين ذلك بأن عددًا كبيرًا من المصابين سيتعافون، ومن ثمَّ تتوفر المناعة لبقية أفراد المجتمع، ولكنَّهم ما لبثوا أن غيروا توجُّههم عندما طالعتهم النماذج بالتقديرات الجديدة، وعلى أثر ذلك.. وجَّهوا باتخاذ إجراءات التباعد الاجتماعي. وعندئذٍ، تساءل المنتقدون عن أسباب عدم مناقشة التباعد الاجتماعي قبل ذلك، وعدم التوسُّع في إجراء اختبارات الكشف عن المرض، وكذلك عن الأسس التي اتكأ عليها واضعو النماذج في الخروج بنسبة 15%، لا سيَّما أن ورقة سابقة -صادرة في شهر يناير- قد أظهرت أن نسبة المصابين بالمرض، الذين استدعت حالاتهم تلقِّي العلاج في وحدات العناية المركزة -من بين مجموعة صغيرة من المصابين بالصين- قد تجاوزت 30%6

يعتقد فيرجسون أنَّه ربما كانت هناك مبالغة في تقدير أهمية تحديث النموذج، فحتى قبل إدخال هذا التحديث، كانت النماذج قد أشارت بالفعل إلى أنَّ استفحال مرض «كوفيد-19»، دون أي تدخل للحدِّ من انتشاره والتخفيف من وطأته، سوف يُودي بحياة ما يقرب من نصف مليون مواطن بريطاني خلال العام المقبل، وأن وحدات العناية المركزة ستواجه ضغطًا يفوق طاقتها الاستيعابية. ويواصلُ قائلًا إنَّ الفِرَق الاستشارية كانت قد طرحت سياسة التباعُد الاجتماعي سبيلًا إلى كبح الجائحة، بيدَ أنَّ المسؤولين أعربوا عن مخاوفهم من أنَّ هذا لن يؤدي إلا إلى ظهور تفشٍ آخر، أكبر حجمًا، في وقت لاحق من العام. أمَّا التوسُّع في إجراء الاختبارات -على نحو ما رأينا في كوريا الجنوبية- فلم يكُن مطروحًا على طاولة البحث. ويستدرك فيرجسون قائلًا إنَّ ذلك إنما يرجع -في جانبٍ منه- إلى ما سبق أن نقلَتْه هيئة الصحة البريطانية إلى مستشاري الحكومة، من أنَّها لن تقدر على توسيع نطاق إجراء الاختبارات بسرعة كافية. 

وأما البيانات الصينية بشأن وحدات العناية المركزة، فقد خضعت للفحص من قِبل العاملين في القطاع الطبي، الذين لاحظوا أن نصف الحالات فقط هي التي كان من الواضح أنها تحتاج إلى أجهزة تنفُّسٍ اصطناعيٍّ تدخُّلية، أما بقيَّة الحالات، فقد كان يكفيها الاعتماد على أسطوانات الأكسجين المضغوط؛ دون حاجةٍ إلى سرير عنايةٍ مركزة. وعلى هذا الأساس، إلى جانب الخبرة في التعامل مع الالتهاب الرئوي الفيروسي، فقد نصح العاملون في القطاع الطبي واضعي النماذج بأن نسبة 15% كانت تمثل افتراضًا أقرب إلى الصواب. 

جاء التحديث الرئيسُ قبل أسبوع من تقديم فيرجسون إفادته للمسؤولين الحكوميين في داوننج ستريت؛ إذ نَما إلى عِلم العاملين في القطاع الطبي، ممَّن تحدثوا إلى أقرانهم المذعورين في إيطاليا، أنَّ الأكسجين المضغوط لم يكن يؤدي الغرض منه، وأن نسبة الحالات الخطيرة في المستشفيات -البالغة 30%- ستحتاج جميعها إلى أجهزة تنفس اصطناعي في وحدات العناية المركزة. 

يقول فيرجسون إنَّ توقعات معدلات الوفيات في النماذج المحدَّثة لم يطرأ عليها تغيُّر كبير؛ إذ المُرجَّح أنَّ نسبةً كبيرة من الوفيَّات المتوقعة ستحدث خارج المستشفيات، إلا أنَّ إدراك مدى عجز الجهاز الصحي عن استيعاب الحالات، فضلًا عن تجربة إيطاليا، قد قادا إلى «تغييرٍ مفاجئ للتوجُّه»، حسب تعبير فيرجسون، تحوَّل معه المسؤولون الحكوميون سريعًا إلى الأخذ بتدابير التباعد الاجتماعي. 

نحتاج إلى مزيدٍ من الاختبارات

كلما توصَّل الباحثون إلى كشف مزيدٍ من المعلومات حول الفيروس، أمكن تحديث العديد من المتغيرات الرئيسة الأخرى. ففي تقرير السادس والعشرين من مارس3 حول التأثير العالمي لـ«كوفيد-19»، أجرى فريق إمبريال كوليدج مراجعة على تقديرات تقرير السادس عشر من الشهر نفسه عن عدد التكاثر الأساسي، وأدخلوا عليه زيادة (بحيث يتراوح ما بين 2.4، و3.3). وفي تقريرٍ لهم صادرٍ بتاريخ الثلاثين من مارس7 حول انتشار الفيروس في إحدى عشرة دولة أوروبية، رفع الباحثون هذا الرقم إلى ما يتراوح بين 3، و4.7، غير أنَّ بعض المعلومات الحاسمة ما زالت غائبة عن واضعي النماذج.. فإجراء اختبار موثوق لتحديد الأشخاص الذين أصيبوا بالعدوى، دون ظهور أعراض عليهم، من شأنه أن يُغيِّر قواعد اللعبة بالنسبة إلى واضعي النماذج، وقد يغير المسار المتوقع للجائحة إلى حدٍّ بعيد. 

كبر الصورة

المصدر: المرجع رقم 1

وممَّا يؤكد على الحاجة إلى مثل هذا الاختبار، أنَّ فريقًا من جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة، تقوده اختصاصية الوبائيات النظرية سونيترا جوبتا، أشار إلى أن نمط الوفيات المسجلة في المملكة المتحدة قد يناسب مجموعة من نماذج SIR آنفة الذِّكر، ومنها نموذج يقوم على افتراض أنَّ هناك ملايين من المصابين بالعدوى بالفعل، إلا أنَّهم لا تظهر عليهم أيّة أعراض8. هذا.. ولن يتسنَّى الوقوف على حقيقة ما يحدث على أرض الواقع، إلا عن طريق اختباراتٍ تكشف عن مثل هذه الحالات. 

يقول فريق إمبريال كوليدج إنه إذا ما أخذَتْ الدول جميعها باستراتيجيات التباعد الاجتماعي الصارم، وتوسَّعت في اختبارات الكشف عن الحالات المصابة، وعزلها قبل أن تصل نسبة الوفيات إلى 0.2 لكل 100 ألف شخص في الأسبوع، فسوف يكون من الممكن خفض إجمالي الوفيات حول العالم من جرَّاء الإصابة بالمرض إلى أقل من 1.9 مليون حالة وفاة بحلول نهاية العام. وفي الخامس والعشرين من مارس، صرَّح فيرجسون بأن الاستجابة البريطانية جعلته "مطمئنًا إلى حدٍّ لا بأس به" إلى إمكانية إبقاء إجمالي الوفيات في المملكة المتحدة دون 20 ألف حالة وفاة. 

ويرى فيرجسون أن إجراءات الغلق وتقييد الحركة المُطبَّقة في جميع أنحاء أوروبا تقود بالفعل إلى الحدِّ من انتشار فيروس «سارس-كوف-2». أمَّا التساؤل عن مدة بقاء سياسات التباعد الاجتماعي قيد التطبيق، فيبقى تساؤلًا مُلحًا، تبحث الدول عن إجابته، بينما تنظر بعين القلق إلى الأوضاع الاقتصادية، فضلًا عن الصحة العقلية والبدنية لمواطنيها المحتجَزين في منازلهم. وقد تنبَّأ نموذج صادر عن إمبريال كوليدج1 بأنَّ التباعد الاجتماعي سيحُدُّ من انتشار الفيروس في الوقت الراهن، وأمَّا رفع هذه الإجراءات، فقد يُسفِر عن اندلاع موجة ثانية من الجائحة في وقت لاحق. 

وأعرب فيرجسون عن أمله في أن تتمكن البلدان -على أرض الواقع- من السير على خُطى كوريا الجنوبية، التي نجحت في تطبيق نسخة أكثر مرونة من التباعد الاجتماعي، تقوم على التوسُّع في إجراء الفحوص، وتتبُّع مخالطي المصابين. ويُذكِّر، أخيرًا، بأنَّ المتابعة الدقيقة للمناطق التي تُرفع فيها إجراءات الغلق وتقييد الحركة، على نحو ما تفعل مقاطعة هوباي الصينية الآن، هو السبيل إلى تزويد واضعي النماذج بالمعلومات اللازمة للتنبؤ بالخسائر الناجمة عن الجائحة على المدى البعيد.

References

  1. Ferguson, N. M. et al. Preprint at Spiral https://doi.org/10.25561/77482 (2020).org/10.25561/77482 (2020)
  2. Ferguson, N. M. et al. Nature437, 209–214 (2005). | article
  3. Walker, P. G. T. et al. Preprint at Spiral https://go.nature.com/2yqz47x (2020).
  4. Funk, S. et al. PLoS Comput. Biol. 15, e1006785 (2019). | article
  5. Prem, K. et al. Lancet Public Health https://doi.org/10.1016/S2468-2667(20)30073-6 (2020). 
  6. Huang, C. et al. Lancet395, 497–506 (2020). | article
  7. Flaxman, S. et al. Preprint at Spiral https://doi.org/10.25561/77731 (2020). | article
  8. Lourenço, J. et al. Preprint at medRxiv https://doi.org/10.1101/2020.03.24.20042291 (2020).

ديفيد آدم صحفي علمي مقيم في لندن. 

تغطية إضافية من ريتشارد فان نوردين.