تحقيق إخباري

نورا فولكو.. عالمة تحارب أزمة الإدمان

ترأس نورا فولكو أكبر جهةٍ ممولة لأبحاث الإدمان في العالم، وتواجه حاليًّا الاختبار الأصعب في أزمة إدمان المواد الأفيونية.

إيميليانو رودريجيز ميجا

  • Published online:
فولكو في البيت الذي قضت فيه طفولتها بمدينة مكسيكو سيتي.

فولكو في البيت الذي قضت فيه طفولتها بمدينة مكسيكو سيتي.

Alejandra Rajal for Nature

في ليلة جمعة باردة من شهر فبراير عام 1995، استقلت باحثة الإدمان نورا فولكو وزوجها سيارتهما، بعد قضاء يومٍ طويل في مختبر بروكهايفن الوطني بمدينة أبتون في ولاية نيويورك الأمريكية. كان الجليد قد غطى الأشجار والطرق، وهو ما أضفى عليها بريقًا لامعًا. وأثناء سيرهما بالسيارة إلى أسفل منحدرٍ ما، بدأت الإطارات في الانزلاق، وخرجت السيارة عن السيطرة. وقبل أن تصطدم بالباب المجاور لفولكو سيارةٌ كانت قادمة باتجاههما، انحنت لتحمي نفسها.انغرست في جسدها قطعةٌ من المعدن، وكانت تشعر بآلامٍ مبرحة مستمرة، لكن رجال الإطفاء وصلوا أخيرًا لإخراجها من السيارة، ثم هرعت بها سيارة إسعاف إلى أقرب قسمٍ للطوارئ بمستشفى، حيث أعطاها طبيبٌ عقار «ديميرول» Demerol، وهو مسكّن أفيوني قوي شبيه بالمورفين، يتسم بقدرةٍ كبيرة على التسبب في الإدمان، ويُعرف أيضًا باسم «البيثيدين» Pethidine.

ورغم أنَّ فولكو كانت قد قضت ساعاتٍ لا تُحصى في التحدث مع المدمنين، وقرأت مئات الأوراق البحثية عن آليات سوء استخدام العقاقير، إلا أنّ كل ذلك لم يهيئها لما كان ينتظرها.

تقول فولكو عن تجربة تلَقِّي العقار: "كان الأمر مذهلًا، وقد انتابني شعور رائع"، إذ مرت بلحظاتٍ من النشوة، لا يمكن تشبيهها -على حد تعبيرها- إلا بمتعةٍ جنسية طويلة الأجل، وقد طغت تلك النشوة على جميع المشاعر الأخرى. وظلت فولكو تتناول هذا الدواء لبضعة أيامٍ أخرى، وعادت إلى منزلها ومعها كميةٌ منه، لكنَّها قررت ألا تتناوله مجددًا، إذ تخوفت من ذلك، لعلمها أنّ عديدًا من مرضاها لم يتمكنوا من التوقف عن تعاطي مثل هذه الأدوية، وقررت تحمُّل الألم، دون مساعدة أي عقاقير.

وفي تلك الليلة، عمَّ جسدها شعورٌ بعدم الارتياح، لم تختبره من قبل. وكانت في حالةٍ من التململ والهياج، وترغب بشدة في تعاطي العقار، فتناولت مسَكّنًا للألم، وسرعان ما تلاشى ذلك الشعور، كما لو كان شبحًا. وتقول عن ذلك: "حينئذٍ، أدركتُ السرعة التي يعتاد بها الجسم تعاطي دواءٍ ما. وجعلني هذا أيضًا أدرك أنَّني أخشى المواد الأفيونية بشدة".

وبعد خمسةٍ وعشرين عامًا، لمع اسم فولكو على نطاقٍ واسع في مجال علاج الإدمان، وخارجه. وبوصفها عالمة أعصاب، تدير منذ عام 2003 المعهد الوطني الأمريكي لأبحاث تعاطي المخدرات (NIDA)، الواقع في مدينة روكفيل بولاية ميريلاند الأمريكية، دعَّمت فكرة التعامل مع الإدمان كمرضٍ دماغي، وليس نقيصةٍ أخلاقية. وخلال إدارتها، جعل المعهدُ على رأس أولوياته الأبحاث المتعلقة بالأسس البيولوجية للإدمان، وتصدى لإساءة معاملة المدمنين في كلٍّ من المنظومة الطبية، ومنظومة العدالة الجنائية.

وقد أصبح سعي فولكو أكثر إلحاحًا في الوقت الحالي، إذ تواجه الولايات المتحدة تغيراتٍ في الوضع القانوني لمادة القنب، وتوسعًا في سوق السجائر الإلكترونية، وعودةً مفاجئةً لانتشار الكوكايين، والميثامفيتامين، وتفشيًا لتعاطي المواد الأفيونية مستمر منذ عقدين، دمَّر مناطق كثيرة في البلاد، إذ أودت الجرعات الزائدة من تلك المواد الأفيونية بحياة قرابة نصف مليون نسمة في الولايات المتحدة (انظر: «التصدي لوباء المواد الأفيونية»). واستجابةً لذلك.. دشّن المعهد مشروعاتٍ لمتابعة استخدام المرضى للعقاقير، وضخ استثماراتٍ كبيرة لإنتاج الأدوية التي يمكنها الحدّ من توق المدمنين للعقاقير، والنشوة الناتجة عن تعاطيها.

كبر الصورة

Sources: Death counts: F. B. Ahmad et al./US Natl Center for Health Statistics. Budget and activity: NIDA.

حاجج منتقدو فولكو -لفترةٍ طويلة- بأنَّ تركيزها على العوامل الدماغية يقلل من دور العوامل الاجتماعية والاقتصادية في جعل الأشخاص عرضةً للإدمان. لذا.. ففي العام الماضي، بدأت فولكو تقر بأنَّ هناك عوامل، مثل التشرد، والبطالة، والعزلة، قد تجعل الأشخاص أكثر عرضةً لتعاطي المخدرات، وتقلل من إمكانية تعافيهم من الإدمان. غير أن بعض الباحثين يزعمون أنَّ قرارات المعهد فيما يتعلق بالتمويلات شابها البطء في عكس هذا التغير في التوجه الفكري. ويرون أنَّ تركيز المعهد على العوامل الدماغية غير متناسب مع تأثيرها، وأبدوا تخوفهم من النفوذ الواسع الذي يتمتع به المعهد فيما يتعلق بوضع سياسات مواجهة تعاطي المخدرات والإدمان. وفي هذا.. تقول إنجريد ووكر، باحثة الدراسات الثقافية في جامعة واشنطن بمدينة تاكوما: "يتمتع المعهد بنفوذٍ هائل؛ والناس يتبعون قيادته".

إنّ هوس فولكو بفهم الآثار البيولوجية للإفراط في تعاطي العقاقير -الذي يُقَوِّيه جزئيًّا ماضي عائلتها- لم يحطم فحسب معتقداتٍ راسخة في علم الأعصاب، بل أسهم أيضًا في الحد من الوصمة التي كانت تلحق بالمدمنين.

وعن ذلك.. تقول بيرثا مادراس، المتخصصة في علم النفس البيولوجي بكلية الطب في جامعة هارفارد، التي تعمل في مستشفى ماكلين بمدينة بلمونت في ولاية ماساتشوستس الأمريكية: "كانت مهمّتها -على مدى حياتها- هي تسخير قوة العِلم، لتغيير حياة الملايين من الناس. وقد نجحت في ذلك".

إرثٌ ثوري

نشأت فولكو وأخواتها الثلاث في مدينة مكسيكو سيتي، ضمن أسرةٍ مهاجرة من أصولٍ سوفييتية وإسبانية، إذ إنَّ أُمّهن، مصممة الأزياء النسائية الراقية التي كانت تعيش في مدينة مدريد الإسبانية، لجأت إلى المكسيك، هربًا من ديكتاتورية الجنرال الإسباني فرانسيسكو فرانكو. أمّا والدهن الكيميائي، فكان لاجئًا أيضًا، قَدِم إلى مكسيكو سيتي حين كان عمره 13 عامًا في عام 1939، ليعيش مع جده، الزعيم الثوري السوفييتي المنفِيّ ليون تروتسكي، الذي كان الفرد الوحيد الباقي على قيد الحياة من أقاربه.

وفي سن المراهقة، كانت فولكو مفتونةً بالدماغ البشري. ومن ثم، درست الطب في جامعة المكسيك الوطنية المستقلة بمدينة مكسيكو سيتي، ولاقت تشجيعًا غير محدود من والدها. وتقول عن ذلك: "كان والدي يوافق على أي شيء أطلبه يكون مرتبطًا بالعلم"، حتى إنَّها سألته ذات مرة عما إذا كان بإمكانها إحضار جثةٍ إلى المنزل، وتشريحها، فوافق، لكنّ والدتها وأخواتها هَدَّدن بمغادرة المنزل، وانتهى بها الأمر بإحضار بعض العظام لفحصها. وقالت عن نفسها: "حين يثير اهتمامي أمرٌ ما، فإنني لا أنصرف عنه، حتى ألِمّ به".

فولكو وهي شابة في أواخر السبعينيات.

فولكو وهي شابة في أواخر السبعينيات.

Esteban Volkov

وكان هذا الفضول والإصرار هما بُوصْلتها في مسيرتها المهنية بعد ذلك، فبعد تخرُّجها في المرتبة الأولى على دفعتها، قُبِلَت لدراسة علم النفس في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بمدينة كامبريدج، لكنْ تغيَّرت خططها بعد أن قرأت مقالًا نُشر في مجلة «ساينتيفيك أميريكان» Scientific American في عام 1980.

تناول المقال كيف يتمكن متخصصو تصوير الدماغ والجهاز العصبي من فحص الأدمغة الحية، ومشاهدة أنماط نشاطها، عبر تقنيةٍ جديدة تُسمَّى التصوير المقطعي بالإشعاع البوزيتروني (PET). وقد أسرها ذلك على الفور.

وبعد فترةٍ وجيزة من قراءة المقال، حصلت فولكو على وظيفةٍ بحثية في مختبر الطبيب النفسي جوناثان برودي، فيما كان آنذاك المركز الطبي بجامعة نيويورك (NYU) في مدينة نيويورك، الذي تضمَّن برنامجًا نشطًا، يستخدم تقنية التصوير المقطعي بالإشعاع البوزيتروني في تصوير الدماغ والجهاز العصبي. وكان برودي قد بدأ حينها في تصوير الأدمغة باستخدام تلك التقنية، بهدف دراسة عديد من اضطرابات الدماغ المختلفة لدى البشر.

يقول برودي واصفًا فولكو: "كانت براعتها جليةً منذ البداية، وحماسها لم يكن يعرف الحدود". وسرعان ما انخرطت فولكو في جميع المشروعات، بدايةً بتلك المعنية باكتشاف واسماتٍ حيوية للأورام الدماغية1، ووصولًا إلى تلك الهادفة إلى رصد الاختلافات في نشاط الدماغ بين المصابين بالفصام2، وغير المصابين به. وبدأ يذيع صيتها كعالمةٍ متمردة، لكنْ عبقرية. ويضيف برودي: "كانت نورا على يقينٍ من أنَّها دائمًا على حق، وكانت محقةً بالفعل في بعض الأحيان، بل ربما في أغلبها". 

مسح الأدمغة.. بحثًا عن المعلومات

بحلول منتصف الثمانينيات، كانت فولكو قد أنهت تدريبًا للعمل كطبيبةٍ نفسية في جامعة نيويورك، وانتقلت إلى مركز علوم الصحة بجامعة تكساس في مدينة هيوستن، للعمل في منشأة التصوير الشُعاعي بالمركز. وكانت تعتزم دراسة مرض الفصام، لكنَّ موجة الهوس بالكوكايين التي سادت وقتها صاحبتها زيادةٌ كبيرة في عدد المدمنين.

وفي صورةٍ بعد أخرى التقطتها فولكو بتقنية التصوير المقطعي بالإشعاع البوزيتروني، لاحظت اختلافاتٍ غير معتادة في أدمغة هؤلاء المدمنين. وقالت عن ذلك: "ترى في تلك الصور فجواتٍ وثغرات في مواضع من المفترض أن تجد تدفقًا للدم بها". وافترضت أنَّ الكوكايين يسد الأوعية الدموية، إلى درجة يعوق معها تدفق الدم في دورته كما ينبغي3، على نحو يشبه ما يحدث في السكتات الدماغية الطفيفة. وقد تعارضت النتائج التي توصلت إليها مع اعتقادٍ كان شائعًا حينها بأنَّ الكوكايين هو مادة آمنة نسبيًّا، وتغيَّر هذا المعتقَد نتيجة وفاة اثنين من أشهر الرياضيين الأمريكيين في عام 1986، وهما لاعب كرة السلة لين بياس، ولاعب كرة القدم الأمريكية دون روجرز.

وفي عام 1987، انتقلت فولكو إلى مختبر بروكهايفن الوطني، حيث استمرت على مدار الأعوام الستة عشر التالية في دراسة آثار المخدرات على الدماغ. واستخدمت هناك النظائر المشعة لوسم الكوكايين، لتتبع مدى سرعة تحفيزه للناقل العصبي المعروف باسم «الدوبامين» في الدماغ، وسرعة تبدده أيضًا، إذ حاججت بأنَّ سرعة تأثيره ربما تفسر سبب قدرته الكبيرة على التسبب في الإدمان.

وخلال عملها في مختبر بروكهايفن، استمرت في إثارة الشكوك حول الافتراضات الراسخة منذ مدةٍ طويلة في علم الأعصاب، فمع أنه كان هناك إجماعٌ عام على أنَّ المواد المسببة للإدمان تثبط عمل مراكز المكافأة بالدماغ، وبالتالي تدفع الناس نحو الاستمرار في تعاطيها؛ من أجل الشعور بالسعادة، فإنَّ هذا لم يفسر لماذا أخبرها كثيرٌ من المرضى بأنَّهم يشعرون بالاضطرار لتناول المخدرات، حتى بعد فترةٍ طويلة من زوال هذا الشعور بالسعادة. وبدا كما لو أنَّ هؤلاء المرضى قد فقدوا القدرة على اتخاذ القرار، وأنَّ هذه الاستجابة الأكثر تعقيدًا لا تقتصر فحسب على مناطق الدماغ المسؤولة عن معالجة شعور المكافأة.

بعد ذلك.. تحققت سلسلةٌ من الاكتشافات الكبرى في التسعينيات، إذ لاحظت فولكو أنَّ القشرة أمام الجبهية (تلك المنطقة في الدماغ المسؤولة عن تنظيم عملية اتخاذ القرار والتحكم في النفس) لم تكن تعمل بكامل نشاطها لدى مدمني الكوكايين، وهو خللٌ قد يسبق الإدمان في بعض الأحيان، ويجعل الإنسان أكثر عرضةً له. ورأت فولكو أنَّ هذا الخلل في عمل مناطق اتخاذ القرار هو السبب في شعور مدمني المخدرات بفقدانهم السيطرة على أنفسهم. وبالإضافة إلى ذلك.. توصلت هي وفريقها إلى أنَّ تكرار تعاطي الكوكايين يؤدي إلى إضعاف حساسية الدماغ، عن طريق تدمير مستقبلات الدوبامين، وهو ما يقلل شعور البشر بالمكافأة عند تعاطيه، بينما يعمل المخدر -في الوقت نفسه- على زيادة اعتمادهم عليه4، ثم توصلت فولكو وزملاؤها لاحقًا إلى النتائج نفسها لدى دراسة مسيئي استخدام الكحوليات، أو الهيروين، أو الميثامفيتامين.

ورغم عدم وضوح الصور المقطعية الملتقطة بتقنية الإشعاع البوزيتروني، فإنها كانت تُظْهِر الإدمان بما يكفي؛ لتتمكن فولكو من تمييز الصور الخاصة بالمدمنين من غيرها. وفي هذا الصدد.. تقول عالمة كيمياء المواد المشعة جوانا فاولر، التي تقاعدت في عام 2014، والتي تُعَد من أقرب معاوني فولكو، ومن أعز أصدقائها في مختبر بروكهايفن: "طَرَح هذا تصورًا مختلفًا تمامًا عن المشكلة، إذ نقلنا من فكرة أنَّ الإدمان هو ضَعفٌ أخلاقي، أو نقصٌ في قوة الإرادة إلى كونه مرضًا دماغيًّا".

حققت فولكو بعد ذلك مزيدًا من الاكتشافات. فعلى سبيل المثال.. توصلت إلى أنَّ بعض التغييرات التي يسببها إدمان الكحوليات في الدماغ يمكن علاجها بعد أشهرٍ من الامتناع عن تعاطي هذه المواد5، وأنَّ الدوبامين يؤثر على الدوافع لدى البشر6 في اتخاذ القرار، وهي عمليةٌ تختل في حال إدمان المخدرات.

ويقول عالِم النفس آلان ليشنر، المدير التنفيذي السابق للرابطة الأمريكية للنهوض بالعلوم في العاصمة واشنطن، والمدير السابق للمعهد الوطني لأبحاث تعاطي المخدرات قبل فولكو، إنَّ أفكارها كانت تتعارض مع الافتراضات التقليدية الموروثة، وإنَّ فكرتها بشأن دور مناطق الدماغ المسؤولة عن اتخاذ القرار تتعارض كذلك مع عقودٍ من الأبحاث والدراسات. وأضاف: "أُدرِك أنَّ الناس رأوها غريبة الأطوار".

ولو علمت فولكو بهذه الآراء، لَمَا ألْقَتْ بالًا إليها، إذ يوضح ليشنر: "كانت عالمةً شجاعةً للغاية"، مضيفًا أنها فتحت الباب أمام نهجٍ جديد تمامًا لدراسة الدماغ. وفي عام 2003، تولت فولكو إدارة المعهد، الذي أصبح حاليًّا وكالةً تبلغ ميزانيتها 1.3 مليار دولار أمريكي، وتمول عددًا من البحوث العلمية المتعلقة بالإدمان يفوق أي هيئةٍ أخرى على مستوى العالم.

وتُعَد فولكو صاحبة المدة الأطول في منصب مدير المعهد طوال تاريخه. وقد واصلت في فترة ولايتها إجراء أبحاثها الخاصة، إذ جمعت الأدلة عن الأسس البيولوجية لإساءة استخدام الأدوية، ودَعَّم المعهد خلال إدارتها كثيرًا من الأبحاث الأخرى، إذ مَوّل المعهد -على سبيل المثال- دراساتٍ توضح كيف تسبب الماريجوانا الإدمان، لا سيما بين صفوف الشباب، أو مَن يتعاطونها بانتظام، ودعّم أيضًا أبحاثًا تتناول دور العوامل الجينية وفوق الجينية المرتبطة بالإدمان.

ووفر المعهد أيضًا الدعم؛ بهدف علاج اضطرابات إساءة استخدام العقاقير، وللوقاية من هذه الاضطرابات، فأسهَم مثلًا في تطوير أول دواءٍ معتمَد في الولايات المتحدة يخفف من أعراض الانسحاب الجسدية، التي تصيب المدمنين عند التوقف عن تعاطي المواد الأفيونية، وهو دواء «لوفيكسيدين» lofexidine، وموَّل التجارب المبكرة التي اختبرت الأجهزة طويلة المفعول، التي تُزرع تحت الجلد، والتي تُستخدم الآن مع المرضى لتخفيف أعراض الانسحاب المرتبطة بالمواد الأفيونية على مدى أشهر.

وبالإضافة إلى ذلك.. يموّل المعهد البحوث المعنية بتطوير تقنياتٍ تهدف إلى مساعدة المدمنين. ومن هذه التقنيات تطبيقٌ يوصّلهم بمدربين ومدمنين آخرين يخوضون رحلة التعافي، وأداةٌ تستخدم علم البيانات لرصد البيع غير المشروع عبر الإنترنت لمسكنات الألم التي لا تُصرف سوى بوصفاتٍ طبية.

ويتماشى بعض هذه الجهود مع جهودٍ أخرى أسفرت عن اتجاهاتٍ إيجابية في أزمة المواد الأفيونية. فعلى سبيل المثال.. انخفضت نسبة الوفيات الناجمة عن تعاطي جرعاتٍ زائدة من الأدوية في الولايات المتحدة بحوالي 5% في عام 2018، وذلك للمرة الأولى منذ عام 1990. 

وشككت فولكو خلال فترة عملها أيضًا في معايير اعتماد أدوية الإدمان التي وضعتها إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) إلى أن غيرت الإدارة سياساتها تلك في عام 2018، إذ كانت الإدارة قبل ذلك تعتمِد هذه العلاجات فقط إذا أمكن إثبات أنَّها تعزز الامتناع عن تعاطي المواد المخدرة7. وتزعم فولكو، رغم اختلاف بعض نقادها معها في ذلك، أنَّ إعادة تعريف الإدمان بوصفه حالةً مرضية أسهمت -ولو جزئيًّا على الأقل- في سَن تشريعٍ، مثل القانون الأمريكي لمساواة التغطية التأمينية لأمراض الصحة العقلية والإدمان ببقية الأمراض، الصادر في عام 2008، الذي يُلزِم شركات التأمين بمساواة الاضطرابات الناجمة عن تعاطي المخدرات مع غيرها من الأمراض.

وفي ذلك.. تقول مادراس: "أعتقِد أنَّ الولايات المتحدة والعالَم محظوظان للغاية بموافقة نورا على تولي إدارة المعهد".

معركة مورَّثة مع الإدمان

في حديقة البيت الذي ترعرعت فيه فولكو، والذي يقع في حيٍ مرصوف بالحصى في مدينة مكسيكو سيتي، يُطل شاهدُ قبرٍ، منقوشٌ عليه رمز المطرقة والمنجل على رفات جدها الأكبر. وقد شهد هذا المنزل في عام 1940 مقتل تروتسكي بفأسٍ جليدي على يد عميل ستاليني، قبل ولادة فولكو بوقتٍ طويل. ويُخلّد البيت محاولات تروتسكي لتفادي الأذى بنوافذه المسدودة بالطوب، وأبوابه المصفحة، وأبراج المراقبة الثلاثة التي يتضمنها.

عادت فولكو إلى مدينة مكسيكو سيتي في اليوم التالي لعيد الكريسماس، لزيارة أقاربها، كعادتها كل عام تقريبًا. وبينما أخذ السياح يتجولون في المنزل، الذي أصبح متحفًا مُشبَّعًا بتاريخ عائلتها، وقفت فولكو تحدق في الباب المعدني الصغير الموجود في شاهد القبر، الذي يضم جرّة تحمل رفات جدها، وظلت ساكنةً للحظات، ثم خرجت عن سكونها وتمتمت قائلةً: "كان مروعًا إلى حد ما.. أنْ يكون الموت قريبًا منك إلى هذه الدرجة، إلى حد يمكنك الإحساس به تقريبًا.. فلا أحد ينشأ مع وجود شخص مدفون في حديقته".

هذا.. ولكنَّ تروتسكي، الذي كان واحدًا من قادة ثورة أكتوبر في عام 1917، التي أدت -في نهاية المطاف- إلى إنشاء الاتحاد السوفيتي، كان يحلم ببدء انتفاضةٍ جماعية في ربوع العالم، تضع السلطة في أيدي الفئات الأضعف، وتعزز المساواة.

وتعتنق فولكو مُثُلًا مماثلة، فكثيرًا ما شعرت خلال مسيرتها المهنية بأنَّ النظم الطبية والقضائية الأمريكية تمارس التمييز ضد المدمنين، من خلال تجاهل مشكلة إساءة استخدام الأدوية التي يواجهونها، وبالتالي تحرمهم من الرعاية الطبية، وتودعهم السجون. وتقول إنَّ ذلك "جعلني أدرك فرصة استخدام الأدلة لتغيير هذه الممارسات"، وتوفير طريقةٍ علمية لتفسير الإدمان وعلاجه، لكنَّها في الوقت ذاته لديها دافعٌ يتعلق أكثر بحياتها الشخصية، إذ كانت مشكلة الإدمان مترسخة في جانب عائلتها لأمها، فحين كانت طفلةً، تتذكر وجود حالةٍ من التكتم الشديد كانت تحيط بخالها رافائيل، هذا الرجل الوسيم اللطيف الذي كان يعانى إدمان الكحول. ولم تخبرها والدتها إلا قبل وفاتها -أي بعدها بعشرات السنين- بأنَّ جدها لم يمت بسبب مضاعفاتٍ في القلب كما أخبروا جميع الناس، بل انتحر بعد أن فقد السيطرة على إدمانه للكحول. وقد أصابها هذا الاعتراف بالحسرة الشديدة، فكرَّست حياتها الأكاديمية بأكملها لتوضح أنَّ الإدمان مرضٌ مثل أي مرضٍ آخر، وليس حالةً طبية مخزية.

وقالت عن ذلك: "هذا ما تفعله الوصمة. اضطرت أمي المسكينة للانتظار حتى لحظاتها الأخيرة لتبوح لي بسِرٍّ لم تجرؤ على كشفه من قبل".

وما تزال وصمة الإدمان هذه ذات تأثيرٍ قوي حتى يومنا هذا. وربما يفسر هذا لِمَ لَم يتلقَّ العلاج سوى 17% فقط من بين مَن شُخصت إصابتهم باضطرابات تَعاطي المخدرات في الولايات المتحدة في عام 2018، الذين بلغ عددهم 21.2 مليون شخص. ومع ذلك.. لم تَضِع جهود فولكو هباءً، إذ ساعدت في إعادة تعريف الإدمان في المجتمع، من خلال إلقاء المحاضرات العامة، وتوعية القضاة المحليين والفيدراليين، وتوفير الأدوات التدريبية للأطباء، والضغط لإتاحة المزيد من الأدوية العاكسة لآثار الجرعات الزائدة، والأدوية المضادة لشعور التوق إلى المخدرات، وذلك في كلٍّ من السجون، ومَرافق إعادة التأهيل.

تحيزٌ للعوامل الدماغية

يَعترِض عددٌ كبير من الباحثين على الطريقة التي يصور بها المعهد الإدمان على أنَّه مرضٌ دماغي، وهو النهج الذي دعمته فولكو أثناء فترة رئاستها للمعهد. ويزعم هؤلاء أنَّ المعهد يستند في رؤيته هذه إلى أبحاثٍ علمية قيّمة، لكنَّها غير مكتملة، وأنَّ تركيزه على علم الأعصاب يطغى على الأبحاث المتعلقة بإساءة استعمال العقاقير، عبر تجاهل النُّهُج العلمية الاقتصادية والاجتماعية للحدّ من الإدمان. ويضيفون قائلين إنّ المعهد لم يطرح سوى قليلٍ من الأدوية الجديدة؛ وإنه يطيل أمد الحرب على المخدرات بصورةٍ غير مباشرة، وربما دون قصد.

وفي عام 2009، بدأ واين هول -عالم الوبائيات المتخصص في دراسات الإدمان بجامعة كوينزلاند في مدينة بريزبِن الأسترالية- في التدقيق في أدلة الإدمان المستندة إلى تصوير الدماغ والجهاز العصبي. وقال بمجرد انتهائه من المشروع: "توصلتُ إلى أنَّ الأدلة العلمية لم تكن واضحةً بالقدر الذي كانت تُعرَض به في أغلب الأحيان".

وتوصّل مع زملائه إلى أنَّ غالبية الدراسات -بما فيها دراسات فولكو- أُجريت على عيناتٍ صغيرة ممن يعانون حالات إدمانٍ حادة، ولم تكشف تلك الدراسات الاختلافات الدماغية التي ربما كانت لدى هؤلاء المدمنين سلفًا8. ولم يَبْدُ أن ثمة بيانات قويةً بما يكفي لتسوغ التركيز على الدماغ كتفسيرٍ للوقوع في الإدمان. وقال هول عن ذلك: "إذا ركزتَ على ما يحدث بين الأذنين فقط، ستميل -في الغالب- إلى تجاهل السياسات الاجتماعية الأوسع، التي نعلم أنَّها قد يكون لها تأثيرٌ كبير على انتشار مشكلات المخدرات".

ويتفق معه آخرون في هذا... إذ يقول ديريك هايم -عالم النفس المتخصص في دراسات الإدمان بجامعة إيدج هيل في مدينة أورمسكِرك بالمملكة المتحدة- إنَّ إفراط المعهد في التركيز على الأسس البيولوجية العصبية للإدمان نزع مشكلة إساءة استخدام العقاقير من سياقها الاجتماعي والاقتصادي، مثل الفقر والعنصرية، وتجاهَل النماذج الأخرى التي ترى الإدمان سلوكًا يُمكن للناس أن يقلعوا عنه9. وأضاف هايم: "المشكلة تتجاوز كونها مجرد خللٍ دماغي".

وفيما ذهب آخرون إلى أنَّ الانتباه الذي يحظى به المعهد في الأروقة السياسية قد تتمخض عنه سياساتٌ ضارة، رأى ديفيد كورترايت -المؤرخ المتخصص في تاريخ الأدوية بجامعة نورث فلوريدا في مدينة جاكسونفيل الأمريكية- أنَّ الترويج لفكرة أنَّ المخدرات تسبب مرضًا دماغيًّا كثيرًا ما يؤدي إلى اتخاذ إجراءاتٍ مفرطة الصرامة، بهدف التحكم في إمدادات الأدوية، مهما كانت الكلفة. وأضاف قائلًا: "أعتقد أنَّ هذا يجعل نورا وغيرها من العاملين بالمعهد منزعجين أحيانًا، لأنَّهم يريدون معالجة المدمنين، بدلًا من سجنهم".

وتحظى فولكو بدعمٍ يثير الدهشة، حتى بين نقادها، إذ يقول كورترايت عنها: "أُقدِّرها بشدة، وأرى أنَّها أدارت المعهد بنجاحٍ شديد". ويقرّ نقادها أيضًا ببعض التطورات المهمة التي تحققت في عهدها.

ففي العام الماضي، على سبيل المثال، دشنت فولكو مشروعًا لمتابعة قرابة 11,900 طفل معافى حتى مرحلة البلوغ المبكرة، باستخدام تقنية تصوير الدماغ والجهاز العصبي، لرصد تأثير العوامل البيولوجية، وعوامل البيئة الاجتماعية التي ينشأ بها الأطفال -بما في ذلك أي مخدرات يتعاطونها- على نمو أدمغتهم. وقد يسهم هذا في توضيح الاختلافات الدماغية التي تسبق الوقوع في الإدمان، وتلك التي من المحتمل أن تتسبب فيه. وستُكمِّل نتائجَ هذا المشروع دراسةٌ أخرى يُخطَّط لها حاليًّا، تهدف إلى تقييم طويل المدى لآثار تعاطي الأم للمخدرات -قبل الولادة وبعدها- على دماغ الطفل.

ويقود المعهد أيضًا مشروعًا يهدف إلى الحد من وفيات تعاطي المواد الأفيونية في المناطق شديدة التأثر بتلك الأزمة. ومن خلال ميزانيةٍ تبلغ 354 مليون دولار أمريكي، يستهدف هذا المشروع الذي انطلق العام الماضي خفض الوفيات بنسبة 40% بحلول عام 2023 في 67 منطقة بولايات أوهايو، ونيويورك، وماساتشوستس، وكنتاكي. وسيختبر الباحثون في المشروع الاستراتيجيات التي يمكن أن تقلل معدلات صرف الأدوية الأفيونية، وتلك التي يمكنها زيادة أعداد من يحصلون على العلاجات الدوائية إلى جانب العلاجات السلوكية، وأيضًا الاستراتيجيات التي توسع نطاق توزيع عقار «النالوكسون» naloxone، وهو عقار مضاد يُستخدم لإنقاذ من تناولوا جرعاتٍ زائدة عبر الحقْن، أو الرش في الأنف.

وقد زارت فولكو في يومٍ حار من شهر أكتوبر في عام 2019 حيّ كينزينجتون بمدينة فيلادلفيا في ولاية بنسلفانيا، حيث خلّفت أزمة المخدرات التي تشهدها الولايات المتحدة أثرًا مميتًا. ووجدت فولكو المحاقن ملقاةً في الشوارع، والناس يحقنون أنفسهم بالمخدرات في وضح النهار، بينما يستلقي آخرون على الأرض، وتبدو عليهم بوضوح أعراض الانسحاب، ورأت رجلًا هزيلًا يشاطر صديقًا يرتجف قطعةً لامعة من الكعك المُحلَّى.

صدمها هذا المشهد.. فرغم ما قضته من عقودٍ في دراسة إدمان المخدرات في المختبرات، وفي تمويل أبحاثٍ أخرى، لم يؤهلها ذلك لما شاهدته. وقالت لنفسها: "هذا هو الواقع". وأدركَتْ أنَّها إذا لم تعالج الواقع الاجتماعي المسبب لإدمان المخدرات، فإنَّها لن تحل مشكلة تفشيها، ولن تمنع تكرارها مستقبلًا.

مرت عدة شهور على زيارة فولكو للحيّ، لكنْ ظلت فكرة تتردد باستمرار في ذهنها منذ ذلك الحين: إذا لم يملك الناس مأوًى ينامون فيه، أو طعامًا يقتاتونه، فلن تكون لديهم فرصةٌ للمقاومة والتحرر من الإدمان، مهما كان عدد الأدوية التي يمول المعهد تطويرها، أو عدد الأدمغة التي تُصَوِّرها هي.

وفي شهر ديسمبر الماضي، خلال زيارتها لمنزلها القديم، الذي صار متحفًا لتروتسكي، توجهت إلى المكتبة الهادئة هناك بعيدًا عن الزحام، وبدأت تستحضر ذكرياتها عن خالها وجدها، وراح ذهنها يموج بالمشاهد التي رأتها في فيلادلفيا. 

وأصبحت تعي الآن أنَّ معاناتهما مع الإدمان كانت لها أبعاد أخرى كثيرة بخلاف إصابتهما بخلل دماغي.

References

  1. Volkow, N. et al. Science 221, 673–675 (1983). | article
  2. Volkow, N. D. et al. J. Cerebr. Blood Flow Metab. 6, 441–446 (1986). | article
  3. Volkow, N. D. et al. Br. J. Psychiatry 152, 641–648 (1988). | article
  4. Volkow, N. D. et al. Synapse 14, 169–177 (1993). | article
  5. Volkow, N. D. et al. Am. J. Psychiatry 151, 178–183 (1994). | article
  6. Volkow, N. D., Fowler, J. S., Wang, G.-J. & Swanson, J. M. Mol. Psychiatry 9, 557–569 (2004). | article
  7. Volkow, N. D. et al. Sci. Transl. Med. 10, eaan2595 (2018). | article
  8. Hall, W., Carter, A. & Forlini, C. Lancet Psychiatry 2, 105–110 (2015). | article
  9. Lewis, M. N. Engl. J. Med. 379, 1551–1560 (2018). | article

إيميليانو رودريجيز ميجا صحفي متخصص في العلوم، يقيم في مدينة مكسيكو سيتي.