صندوق الأدوات

الكتابة التعاوُنية: ما بعد «مستندات جوجل»

مجموعة أدوات بسيطة، وإنْ كانت متنامية الانتشار، تسمح للباحثين بتأليف المستندات العلمية وتحريرها كفريق، من دون الاضطرار لاستخدام البريد الإلكتروني.

جيفري إم. بيركل

  • Published online:

Illustration by The Project Twins

عادةً ما تكون مسودات مخطوطات الأوراق العلمية سريّة. ولذا.. فعندما طُلِب من إلانا فيرتيج إلقاء نظرة على ورقة علمية قيد التطوير تُناقِش استراتيجية عملية لتحديد مواقع الجينات، وجميع مناطق الترميز الجيني، توقعت إلانا تسلّم الملف في رسالة بريد إلكتروني خاصة، لكنّ ما وصلها كان إعلانًا عامًّا عبر موقع «تويتر» Twitter.

كانت الورقة البحثية من تأليف أولجا بوتفينِك، عالمة البيولوجيا الحاسوبية في مركز «تشان زوكربيرج بيوهاب» Chan Zuckerberg Biohub في سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا. وبوتفينِك هي من مناصري حركة عالمية تنادي بتسهيل الوصول إلى الأبحاث العلمية. من هنا، في نوفمبر من عام 2019، حينما كانت بوتفينِك تُعِدّ بحثها، قررت أن تجرب بنفسها هذه الروح الداعية إلى العلوم المفتوحة. وفي هذا الصدد.. قالت: "أردتُ أن أطبق ما أنادي به بشأن العلوم المفتوحة".

تعاملت بوتفينِك مع ورقتها البحثية كما لو كانت برمجية مفتوحة المصدر. فقد كتبتها في محرر نصوص بسيط، ووضعت على موقع «جيت هاب» GitHub -وهو موقع لتشارُك الأكواد- الملفات النصية ومجموعات البيانات التي استندت إليها، والكود الذي استخدمته لعمل الأشكال التوضيحية. كما دعت زملاءها الأربعة المشاركين في تأليف البحث إلى تقديم تعديلاتهم باستخدام برمجية «جيت» Git، وهي برمجية ترصد بشكل دقيق التغييرات التي تُجرى على الملفات، وتوقيت هذه التغييرات. كما استخدمت أداة متخصصة تسمى «مانوبوت» Manubot، لتحوّل هذا المُستند إلى مخطوطة سهلة الاستخدام، نشرتها بعد ذلك على الإنترنت، ثم شاركتها مع العالم عبر موقع «تويتر».

وتقول  فيرتيج -عالمة البيولوجيا الحاسوبية في كلية الطب التابعة لجامعة جونز هوبكنز في مدينة بالتيمور بولاية ميريلاند- إن استلام بحث غير منشور، عن طريق تغريدة على موقع «تويتر»، كان "تجربة غريبة". وتضيف قائلة: "هذه الطريقة لكتابة الأوراق البحثية تختلف اختلافًا كبيرًا عن الطريقة الأكاديمية العلمية التقليدية التي تتجنب عرض المُنتج العلمي قبل اكتماله بشكل نهائي".

كانت مخطوطة بوتفينِك مجرد هيكل أولي في تلك المرحلة؛ فاثنان من الأشكال التوضيحية في البحث كانا على صورة عناصر نائبة، وكان قسم المنهجيات في الورقة البحثية يحمل العنوان: "قمنا بإلإجراءات التالية"، لكنّ إتاحة مسودة البحث للجميع -حسب قولها- جعلت من السهل طلب إفادات بالرأي من المؤلفين المشاركين في البحث، وكذلك من المجتمع الأوسع. وقد أضافت بوتفينِك قائلة: "لا شك أنه كان من المفيد لأبعد الحدود أن تتاح لنا إمكانية عرض الورقة البحثية على شخص ما، وأن نقول له: هذا ما نفكر فيه حتى الآن. هذه بعض الأشكال التوضيحية، وبعض النصوص، فما رأيك؟"

عندما يُستخدم مصطلح «الكتابة التعاونية»، يرجح أن تَرِد بأذهان معظم الباحثين «مستندات جوجل» Google Docs، وهو معالج الكلمات واسع الانتشار، الذي يسمح لعدة مؤلفين بالمشاركة في تحرير المستندات عبر شبكة الإنترنت آنيًّا، لكنّ معالج «مستندات جوجل» يفتقر إلى خصائص يحتاجها بعض العلماء، مثل إدارة المَراجع، ودعم الأكواد والبيانات، والقدرة على إرسال المقالات إلى الدوريات وخوادم ما قبل النشر بشكل مباشر.

تُعَد أداة «مانوبوت» إحدى عدة أدوات صغيرة -لكن متزايدة الانتشار- مصممة خصيصًا للكتابة التعاونية، بما فيها أدوات مثل: «أوفرليف» Overleaf، و«أوثوريا» Authorea، و«فيدوس رايتر» Fidus Writer، و«مانيوسكريبتس دوت آي أو» Manuscripts.io. وهذه الأدوات لا تلبي فقط الحاجة إلى خصائص مهمة، بل تتيح كذلك إلقاء لمحة على المساحة التي يمكن لتوصيل العلوم أن يخطو خطوته التالية فيها.

 

شركاء في عملية التحرير

يتيح معظم أدوات الكتابة التعاونية للباحثين أداء مجموعة مفيدة من الوظائف. ويمكن لأفراد الفِرَق البحثية الحفاظ على خصوصية المستندات فيما بينهم، أو مشاركتها مع جهات متعاونة محددة، وكذلك تتبُّع التغييرات، والتعليق على النصوص، وتحرير المستندات في الوقت نفسه، أو بشكل غير متزامن مع مَن يسهمون في الورقة البحثية.

وإضافة إلى ذلك.. فإن البرامج التي تضع العلوم في مركز اهتمامها تدعم الأدوات ذات الخصائص الموجهة إلى مجتمع البحث العلمي، مثل خاصية الإدارة المدمجة للاستشهادات (يمكن دمج بعض أدوات إدارة الاستشهادات مع «مستندات جوجل» باستخدام برامج مساعِدة، مثل: «زوتيرو» Zotero، و«بيبر بايل» Paper Pile). ويمكن للمستخدمين -بشكل عام- استيراد مكتبات من أدوات إدارة المراجع، مثل «زوتيرو»، أو «ميندلاي» Mendeley، أو الاستعلام عن قواعد بيانات خارجية بشكل مباشر. وعلى سبيل المثال.. فإن زر «الاستشهادات» في أداة «أوثوريا» يسمح للمستخدمين بالبحث في محركات بحثٍ مثل: «بَبْ مِد» PubMed، أو «كروس رِف» CrossRef، أو سَحْب مقالات باستخدام «معرِّف الغرض الرقمي» DOI، أو «محدد موقع الموارد الموحّد» URL. وفي «فيدوس رايتر»، يمكن إضافة المَراجع من «زوتيرو» باستخدام تقنية السَّحب والإفلات ببساطة.

وتتضمن أداة «مانوبوت» خاصية الاستشهاد من خلال المعرِّف، التي تَبني قائمة مراجع باستخدام معرّف الغرض الرقمي، أو مُعرّف «بَبْ مِد»، أو «أركايف» arXiv، أو محدد موقع الموارد الموحد، من دون الحاجة إلى أداة إدارة المراجع. وعلى سبيل المثال.. فإن إدخال: "@doi: 10.1371/journal.pcbi.1007128" في مقال داخل «مانوبوت»، يوجه الأداة إلى البحث عن أحد المَراجع، وإدراجه داخل الورقة البحثية ذاتها.

وترى بوتفينِك أن هذا النهج «يشبه السحر إلى حد كبير»، لأنه يوفّر حلًّا لمشكلة استخدام الباحثين للمكتبات وأدوات إدارة المراجع المختلفة، ومحاولتهم المزامنة فيما بينها. تقول: "تروقني فكرة أن بإمكاني استخدام مُعرِّف الغرض الرقمي لأداء المهمة مباشرة، وأن هذا يفي بالغرض، فالكل يعرف أن معرِّف الغرض الرقمي هو مصدر الحقيقة الأوحد فيما يتعلق بالاقتباسات".

وتدعم أداتا «أوثوريا»، و«أوفرليف» لغة «لايتكس» LaTeX، وهي لغة تنضيد حروف يُفضّلها الفيزيائيون، وعلماء الرياضيات، وعلماء الحاسوب. وعلى سبيل المثال.. في عام 2017، في المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية «سيرن» CERN، اعتمد المختبر الأوروبي لفيزياء الجسيمات، الواقع بالقرب من جنيف بسويسرا، أداة «أوفرليف» بوصفها المنصة المُفضّلة له فيما يتعلق بالكتابة التعاونية للأبحاث، بحصيلة مشتركين بلغت 4800 مستخدم، حسبما يقول مهندس الحاسبات في «سيرن»، نيكوس كاسيوميس. ورغم ذلك.. تشكِّل لغة «لاتيكس» نظامًا متقدمًا إلى حد كبير، وبالتالي ربما يكون كل من الأداتين «أوثوريا»، و«مانوبوت» خيارًا أفضل، إذا دعت الحاجة إلى استخدام صيغة ملفات أبسط، إذ يستخدم كلاهما لغة النص البسيط «مارك داون» Markdown.

وباستخدام أداتَي «أوثوريا»، و«مانيوسكريبتس دوت آي أو»، يمكن لمؤلفي الأبحاث تضمين أكواد برمجية في مقالاتهم، واستخدامها، ودمج الأشكال التوضيحية مع البيانات المستخدَمة في تصميمها. ومثل هذه الخصائص تدعم إمكانية تكرار النتائج حاسوبيًّا. يقول ماتياس بيباري، مؤسس «مانيوسكريبتس دوت آي أو»، التي تمتلكها الآن دار نشر «وايلي» Wiley (التي تملك أيضًا أداة «أوثوريا»): "الهدف هو إتاحة القدرة على خلق تمثيلات ديناميكية لعمل الباحثين، تتضمن الأكواد، والبيانات، والأشكال التوضيحية، والشروح، وإتاحة إمكانية تخزين أكثر من نسخة منها جميعًا".

وبالنسبة إلى أولئك الذين يفضلون «مستندات جوجل»، فإن شركة «ستينسيلا» Stencila، التي يقع مقرها في نيوزلندا، تطوِّر برنامجًا مساعِدًا يسمح للمؤلفين بدعم المستندات من خلال استخدام مجموعات أكواد قابلة للتنفيذ، وجداول بيانات، ومعادلات. واعتمادًا على تقنية المواراة، وهي حيلة من علم التشفير، تُرمّز فيها البيانات في هيئة صور، فإن البرنامج المساعد الذي تطوره شركة «ستينسيلا» يعمل على "سد الفجوة بين المبرمجين والمستخدمين"، حسبما يقول نوكومي بينتلي، مؤسس الشركة، الذي يقول مُضيفًا: "إن هذا البرنامج يضع الكود في البيئة التي اعتادها المستخدمون".

سير عمل المبرمِج

في المقابل من ذلك.. تجتذب أداة «مانوبوت» في العادة المبرمجين. طُورت الأداة في مختبر كايسي جرين، العالِم المتخصص في نُظُم المعلومات البيولوجية في جامعة بنسلفانيا بولاية فيلادلفيا. وقد صُممت بغرض إدارة عملية كتابة مقال مراجعة حول التعلّم العميق، والتنسيق بين مؤلفيه الذين يبلغ عددهم 36 كاتبًا. كان التحدي هو تسجيل مشارَكة كل مَن يسهمون في نص البحث، سطرًا بسطر. وعن ذلك.. يقول جرين: "توقعنا اشتراك عدد كبير من المؤلفين، وأردنا أن نكون قادرين على رؤية أدق التغييرات التي يجريها شخص واحد، وكذلك رؤية مجموعات التغييرات التي تُجرى". وهذا يعني أنه بدلًا من التعامل مع فوضى متداخلة من التغييرات المرصودة، أراد جرين أن يكون قادرًا على مراجعة كل تغيير على حدة، وإبقاء المسودة المتصلة بالإنترنت محدَّثة بصورة تلقائية.

تحلّ أداة «مانوبوت» هذه المشكلات عن طريق الجمع بين أدوات متنوعة مفتوحة المصدر، حسبما يقول دانييل هيميلستاين، باحث ما بعد الدكتوراة في مختبر جرين، الذي أسهم في تطوير «مانوبوت». ومن بين تلك الأدوات أداة «باندوك» Pandoc، التي تتيح خاصية تحويل الملفات، و«جيت هَب أكشنز» GitHub Actions التي تنفِّذ أوتوماتيكيًّا وظائف معينة، مثل إنشاء المستندات. ولإعداد مشروع باستخدام «مانوبوت»، ينسخ المستخدمون أحد مستودعات «جيت هَب» المتخصصة إلى أجهزة الحاسوب الخاصة بهم، ويعدِّلونه باستخدام محرر نصوص برمجي تقليدي، مثل «إيماكس» Emacs، أو «سابلايم تكست» SublimeText، ثم يتم نقل هذه التغييرات إلى «جيت هَب»، الذي يسجلها، ويعيد إنشاء المستند في صيغة «إتش تي إم إل» HTML، أو «وورد» Word، أو «بي دي إف» PDF. ويمكن للمشاركين في البحث تعديل المخطوطة من خلال تقديم التغييرات على هيئة طلب إجراء تغيير في «جيت هَب»، (استكشف مثال مشروع «مانوبوت» الخاص بنا من خلال go.nature.com/39eqosg). والنتيجة رائعة، لكنها معقدة.

يمكن أن تتطلّب كل هذه الوظائف الإضافية مهارات برمجة متقدمة. وعلى سبيل المثال.. كتبت فيرتيج طلبات للحصول على مِنَح باستخدام أداة «مانوبوت»، ويناسبها استخدام مستودع «جيت هَب»، لكنها لن تستخدم «مانوبوت» في كتابة تعاونية لأوراق بحثية، لأن مستوى البرمجة المطلوب لهذا يتجاوز عادةً قدرات المؤلفين الإكلينيكيين المشاركين. وعن ذلك.. تقول هي: "مُحَال أن يملك هؤلاء الصبر والجَلَد اللازمَين للإلمام بـ«مانوبوت»".

تسهيل طرح الأدبيات العلمية

على نحو متزايد، يزوِّد المطوّرون هذه الأدوات بخصائص لتجسِّد جوانب العملية العلمية على نحو أفضل. وعلى سبيل المثال.. بعض هذه الأدوات يدعم صيغة «جاتس إكس إم إل» JATS XML، وهي صيغة ملفات يشيع استخدامها في النشر العلمي.

وصيغة «جاتس إكس إم إل» هي صيغة ملفات دلالية منظمة، توفّر الكثير من الوسوم للبيانات الوصفية الخاصة بعناصر المقالات، مثل أسماء المؤلفين، وأقسام المقالة، ومصادر التمويل، وأرقام الولوج إلى قاعدة البيانات. ويشرح جوليانو ماتشوتشي -رئيس قسم المنتجات وتجربة المستخدم في مجلة «إي لايف» eLife مفتوحة المصدر- قائلًا إن هذه الصيغة: "تفصل بين قوام المقالة، وطريقة عرضها"، وهو ما يجعل البحث عن البيانات والوصول إليها ومعالجتها عملية أكثر سهولة.

ويُنشئ المحررون عادةً المستندات من خلال تحويل الملفات التي قدّمها المؤلفون إلى صيغة يمكنهم استخدامها في النشر، حسبما يقول ماتشوتشي، وهي عملية تتطلب الكثير من العمالة، ومعرَّضة لحدوث أخطاء فيها. وللمساعدة في إجراء هذه العملية أوتوماتيكيًّا، فإن مجلة «إي لايف»، تطوِّر أداة تسمى «ليبيرو إيديتور» Libero Editor تأمل في طرحها خلال العام الحالي. وهذه الأداة، القائمة على محرر لتركيب النصوص، ستتيح لطاقم محرري «إي لايف» ومؤلفيها إنشاء المستندات، والعمل عليها بصيغة «جاتس إكس إم إل» من البداية إلى النهاية. ويمكن لأداة «مانيوسكريبتس دوت آي أو» بالفعل استيراد محتوى بصيغة «جاتس»، حسبما يقول بيباري، ويمكنها –إلى جانب «فيدوس رايتر» والبرنامج المساعِد الذي تطوِّره شركة «ستينسيلا»– إصدار المحتوى بتلك الصيغة أيضًا.

ويسمح «أوثوريا» للمؤلفين بتقديم المقالات مباشرة إلى حوالي 41 دورية وأرشيفًا لنسخ ما قبل النشر، حسبما يقول ألبرتو بيبي، مؤسس هذا التطبيق، إلى جانب تضمين أشكال توضيحية تفاعلية، وأكواد، وبيانات قابلة للمعالجة. وقد طُلِبَ من روبرتو بيفيراتي -وهو عالم كيمياء حاسوبية في معهد فلوريدا التقني في ميلبورن- الإسهام في مجلة من هذا النوع، تتبع لدار نشر «وايلي»، وهي «الدورية الدولية للكيمياء الكمّية» International Journal of Quantum Chemistry. وكان غرض هذا الطلب يعود -في جزء منه- إلى الرغبة في اختبار «أوثوريا». ويقول بيفيراتي مُعلقًا على ذلك: "كانت تجربة ممتعة للغاية".

وفي الوقت الذي تلقى فيه أدوات كهذه رواجًا، تصبح المقالات العلمية أكثر ديناميكية من قبل. ففي العشرين من مارس، أسست هالي راندو -باحثة ما بعد الدكتوراة في مختبر جرين- مشروعًا باستخدام «مانوبوت»، في محاولة لفهم العدد المهول المتنامي من الأدبيات العلمية التي صدرت حول مرض «كوفيد-19». وفي غضون أيام، عبّر عشرات من الباحثين عن رغبتهم في المشاركة في المشروع. وتقول راندو عن ذلك: "في التعامل مع مرض سريع الانتشار مثل «كوفيد-19»، نحن بحاجة طارئة إلى توافق الأدلة". وتضيف راندو شارحه: "لكن العديد من أفراد مجتمع البحث العلمي معزولون أكثر من المعتاد". ويخدم «مانوبوت» كمنتدى عام لأولئك الباحثين البعيدين عن بعضهم البعض، ويسمح لهم بالعمل معًا. وتضيف راندو قائلة: "نأمل في تحديثه بشكل سريع بمجرد ظهور معلومات جديدة".

جيفري إم. بيركل يعمل محرر تكنولوجيا في دورية Nature