أنباء وآراء

التنكُّس العصبي: "بوَّابةٌ بروتينية" ينفُذ منها بروتين الخَرَف إلى داخل الخلية العصبية

في كثيرٍ من الأمراض التنكُّسية العصبية، يُعزى تطوُّر المرض إلى انتشار تكتلاتٍ بروتينية في المخ. وقد توصَّل العلماء إلى رصد جزيءٍ مستقبِل، يلعبُ دورًا في امتصاص الخلايا العصبية لواحدٍ من تلك البروتينات الضارة.

كاترين داينهارت
  • Published online:

تشترك أمراضٌ تنكُّسية عصبية عدَّة في سمةٍ أساسية، هي حدوث تراكمٍ بطيءٍ لتكتلاتٍ بروتينية معيبة الطيِّ في الخلايا العصبية بالمخ. ويُعدّ بروتين «تاو» tau -على وجه الخصوص- أحد تلك البروتينات التي يرتبط تراكمُها وانتشارها بظهور أشكالٍ عدَّة للخرف؛ أكثرُها شيوعًا مرض ألزهايمر، وكذلك مرض الاعتلال الدماغي الرضحي المزمن، الذي يرتبط بإصابات الرأس المتكررة. وفي بحثٍ نُشر مؤخرًا بدورية Nature، تقود جينيفر راوش1 فريقًا بحثيًّا إلى الكشف عن كيفية انتشار هذا البروتين الضار؛ إذ رصدوا مستقبِلًا موجودًا على سطح الخلايا العصبية، يُمَكِّن هذا البروتين من التنقُّل فيما بينها.

ففي أمراض الخرف المرتبطة بهذا البروتين، التي يُطلَق عليها «أمراض تاو»، يرتبط تطور المرض بانتشار طبقاتٍ متراكمة من البروتين في أنحاء المخ. ويُعتَقد أنَّ ذلك إنما يرجع إلى دخول النوع معيب الطيّ (المَرَضي) من البروتين إلى داخل الخلايا العصبية السليمة، حيث إنّ هذا النوع يتفاعل مع النوع العادي (الفسيولوجي) منه، الذي يوجد بالفعل داخل الخلية، ومن ثمَّ يعمل كقالبٍ لعملية الطيّ المَعيب للنوع الفسيولوجي، وهو ما يؤدي بدوره إلى نشر الخصائص المَرضية المرتبطة بالبروتين عبر شبكات الخلايا العصبية. ومن هذا المنطلق.. يولي العلماء اهتمامًا كبيرًا للكشف عن الآليات التي تُتيح للنوع المَرَضِي من البروتين بأن يخرج من خليةٍ عصبية، ويدخل إلى أخرى. 

تجدُرُ الإشارة إلى أنَّ تفشِّي البروتينات المَرضية في مختلف أنحاء المخ يجري عبر عملية انتشارٍ نشط؛ فهو ليس مجرد نتيجةٍ تلقائية لتناثر محتويات الخلايا المُصابة (أو انتشارها انتشارًا سلبيًّا) إثر موتها وتحلُّلها2. فلِكَي يتمكن النوع معيب الطيّ من بروتين «تاو» من التفاعل مع النوع الفسيولوجي في سيتوبلازم الخلية العصبية المُستقبِلة للبروتين (شكل 1أ)، لا بد للغشاء الخارجي لتلك الخلية أن يتداخل تداخلًا نشطًا مع الغشاء الخارجي للخلية المُصدِّرة له. وقد سَعَت راوش وزملاؤها إلى معرفة ما إذا كان أحد أفراد عائلة المستقبلات البروتينية الدهنية منخفضة الكثافة (LDLR) -التي توجد على سطوح الخلايا العصبية- هو البروتين المسؤول عن إدخال بروتين «تاو» إلى الخلايا، أم لا. 

شكل 1. مستقبِلٌ سطحي يُسهِّل امتصاص بروتين «تاو».

تستطيع الأنواع معيبة الطيّ من بروتين «تاو» أن تنتشر داخل الخلايا العصبية في الأمراض التنكسية العصبية. الشكل أ: اكتشفت راوش وزملاؤها1 أنَّ بروتين LRP1المنتشر على غشاء الخلية يعمل كمستقبِلٍ لبروتين «تاو» بنوعيه؛ المَرضي، والفسيولوجي، والأجزاء الليفية القصيرة (قليلة المونومرات) من النوع معيب الطيّ. ويؤدي الارتباط بين بروتيني LRP1 و«تاو» إلى امتصاص الخلايا العصبية للبروتين الأخير، وانتشاره بعدها خلال شبكات الخلايا العصبية المتصلة. وبمجرد دخوله في الخلايا، يستقر بروتين «تاو» في حجيراتٍ محاطة بأغشية تُسمى الحويصلات الداخلية. أما كيفية خروجه من أغشية تلك الحويصلات ونفاذه إلى السيتوبلازم، فما زالت مجهولة. الشكل ب: توضح راوش وزملاؤها أنَّ غياب المستقبِل LRP1 يمنع انتقال بروتين «تاو» عبر المخ في الفئران الحية، وهو ما قد يترتَّب عليه تثبيط انتشار المرض. (نظرًا إلى أن النوع الفسيولوجي من بروتين «تاو» يُنتَج في جميع الخلايا العصبية، فإنه منتشرٌ في جميع أنحاء الشبكات العصبية، وذلك على الرغم من عدم انتقاله).

تستطيع الأنواع معيبة الطيّ من بروتين «تاو» أن تنتشر داخل الخلايا العصبية في الأمراض التنكسية العصبية. الشكل أ: اكتشفت راوش وزملاؤها1 أنَّ بروتين LRP1المنتشر على غشاء الخلية يعمل كمستقبِلٍ لبروتين «تاو» بنوعيه؛ المَرضي، والفسيولوجي، والأجزاء الليفية القصيرة (قليلة المونومرات) من النوع معيب الطيّ. ويؤدي الارتباط بين بروتيني LRP1 و«تاو» إلى امتصاص الخلايا العصبية للبروتين الأخير، وانتشاره بعدها خلال شبكات الخلايا العصبية المتصلة. وبمجرد دخوله في الخلايا، يستقر بروتين «تاو» في حجيراتٍ محاطة بأغشية تُسمى الحويصلات الداخلية. أما كيفية خروجه من أغشية تلك الحويصلات ونفاذه إلى السيتوبلازم، فما زالت مجهولة. الشكل ب: توضح راوش وزملاؤها أنَّ غياب المستقبِل LRP1 يمنع انتقال بروتين «تاو» عبر المخ في الفئران الحية، وهو ما قد يترتَّب عليه تثبيط انتشار المرض. (نظرًا إلى أن النوع الفسيولوجي من بروتين «تاو» يُنتَج في جميع الخلايا العصبية، فإنه منتشرٌ في جميع أنحاء الشبكات العصبية، وذلك على الرغم من عدم انتقاله).

كبر الصورة

ومن هُنا، عَمَد الباحثون إلى نزع جميع أفراد هذه العائلة البروتينية، واحدًا تلو الآخر، من خلايا عصبية مزروعةٍ في مزرعةٍ خلوية. وكشفوا عن أنَّ إزالة البروتين الدُّهني منخفض الكثافة (LRP1) -على وجه التحديد- قد نَتَجَ عنها انخفاض في معدَّلات دخول بروتين «تاو» في الخلايا العصبية. وممَّا يسترعي الانتباه أنَّ غياب هذا البروتين لم يحدّ من دخول بروتين «تاو» المَرَضي فحسب، وإنما حدَّ كذلك من دخول جميع الأنواع الفسيولوجية القابلة للذوبان فيه، وكذلك التكتلات الصغيرة (الأوليجومرات، أو البوليمرات قليلة المونومرات) من النوع المَرضي. ويشير ذلك إلى احتمالِ أن يكون بروتين LRP1 هو البروتين الذي يقف وراء تنظيم عملية انتقال بروتين «تاو»، بنوعَيْه؛ الفسيولوجي، والمَرضي. (وقد وصفت أبحاثٌ سابقة عملية انتقال النوع الفسيولوجي من البروتين عبر شبكات الخلايا العصبية3، وإنْ كان الدور الذي يؤديه هذا البروتين غير واضحٍ بعد). كما رصد الفريق أنَّ نزع بروتين LRP1 قد ترتَّب عليه منع امتصاص الخلية لنسبةٍ من الشظايا الليفية الأكبر حجمًا من بروتين «تاو»، غير أنَّ هذه الشظايا يمكن امتصاصها أيضًا عبر آليات امتصاص أقلَّ تخصُّصًا، نعرف أنَّها تحدث في الخلايا العصبية4.

وإضافةً إلى ذلك، أوضح الباحثون أنَّ بروتين «تاو» يتنافس على الارتباط ببروتين LRP1 مع مركباتٍ أخرى، من المعروف أنَّها ترتبط به، ومنها البروتين الناقل للدهون (ApoE)، ثم وضعوا بعد ذلك خريطةً للمواضع التي تتفاعل مع بعضها في بروتيني «تاو»، وLRP1، تحدِّد بدقة منطقتين في الجزء الموجود خارج الخلية من بروتين LRP1، إضافةً إلى سلسلةٍ مكشوفة من بقايا حمض اللايسين الأميني في النوع المَرضي من بروتين «تاو». وقد أدى استهداف هذه البقايا البروتينية باستخدام وسائل التثبيط الكيميائي إلى منع الخلايا العصبية من امتصاص البروتين؛ الأمر الذي يُبرِز أهمية الدور الذي تلعبه هذه البقايا.

إنّ النتائج التي يخرُجُ بها الباحثون من مزارع الخلايا لا تعبِّر -في كثيرٍ من الأحيان- عمَّا يحدث في الظروف المعقدة داخل أجسام الكائنات الحية. ولذا.. فمن أجل اختبار تلك العلاقة بين بروتين LRP1، وانتقال بروتين «تاو» عبر شبكات الخلايا العصبية بالمخ غير المصاب، أقدمَ الباحثون على تثبيط التعبير عن بروتين LRP1 في أمخاخ الفئران، ثم أتبعوا ذلك بتحفيز التعبير عن بروتين «تاو» البشري الطافر في منطقةٍ معينة من المخ؛ إذ المعروفُ عن هذا النوع الطافر من البروتين أنَّه ينتشر بسرعة عبر أمخاخ الفئران البرية، إلا أنَّه قد تبيَّن للباحثين أنَّ هذا البروتين قد ظلَّ منحصرًا -إلى حدٍّ بعيد- في المنطقة التي عُبِّرَ عنه فيها بأمخاخ الفئران التي نُزع منها بروتين LRP1 (شكل 1ب). 

تكشِفُ هذه النتائج المثيرة عن أنَّ لبروتين LRP1 دورًا في انتقال بروتين «تاو» داخل المخ غير المصاب. ومما تجدُرُ الإشارة إليه، رُغم ذلك، أنَّ الباحثين قد قصروا تحليلهم على رصد بروتين «تاو» البشري معيب الطيّ في مناطق معيَّنة من المخ، تبتعدُ كثيرًا عن الموضع الذي حفزوا فيه التعبير عنه، وأنَّهم أخضعوا الفئران للفحص في مراحل مبكرة من انتشاره. وفضلًا عن ذلك.. ليس ثمَّة ما يشير إلى أنَّ النوع الطافر من البروتين الذي انتشر في أمخاخ الفئران المُستخدَمة للمقارنة غني بصفائح بيتا، التي يكثُر وجودها في الطبقات المتراكمة من بروتين «تاو» في المخ المصاب بتنكُّسٍ عصبيّ. والحقُّ أنه لا دليلَ كذلك على تأثر صحة الخلايا العصبية بالسَّلب في أمخاخ فئران المقارنة من جرَّاء نشر هذا البروتين فيها. وعليه، فإنَّ النتائج التي خلُص إليها الباحثون لا تكفي للقطع بأنَّ لبروتين LRP1 دورًا في انتشار الخصائص المَرضية لبروتين «تاو»، أو أنَّ تثبيطه يمكن أن يمنع تطور المرض.

ورغم ذلك.. فإنَّ اكتشاف مستقبِلٍ يُمكِّن بروتين «تاو» من الدخول إلى الخلايا العصبية يُمثل تقدمًا كبيرًا في فهْمنا لخصائصه البيولوجية، وطريقة انتشاره في المخ. ومن شأن هذا الاكتشاف أن يفتح الباب أمام إجراء تحليل مُفصَّل لعمليات نقل البروتينات وتأشيرها داخل الخلايا، وهي العمليات التي تنطلق عقب دخول بروتين «تاو» فيها، سواءٌ في الظروف الطبيعية، أم المَرضية. وربما يسهم ذلك في الوقوف على طبيعة الدور غير المفهوم جيدًا لانتقال النوع الفسيولوجي من البروتين عبر شبكات الخلايا العصبية. كما أنَّ هذا يصُبُّ مباشرةً في مصلحة الجهود الرامية إلى إيقاف انتشار البروتين باستخدام علاجات الأجسام المضادة؛ حيث إنّ غالبية هذه الأساليب العلاجية لا تُميز بين نوعي البروتين؛ الفسيولوجي، والمَرضي. 

زِد على ذلك.. أنَّ تحديد بروتين LRP1 كبوابةٍ لدخول بروتين «تاو» إلى الخلايا العصبية سوف يتيح إمكانية إخضاع مسارات التأشير الخاصة ببروتين LRP1 للفحص المباشر، فهي مساراتٌ قد تختلف فيما بينها، غير أنَّها تُفعَّل بأنواعٍ معينة من بروتين «تاو». ويُنتظر أن يسهم ذلك في توفير معلوماتٍ مهمة عن التغيُّرات الأولى التي تنتاب الخلايا العصبية السليمة، إثر استقبال النوع المَرضي من بروتين «تاو». وغنِيٌّ عن الذِّكر أنَّ فهم هذه الأحداث المبكرة ضروريٌ للتوصل إلى استراتيجياتٍ لمكافحة الأمراض الفتاكة ذات الصلة ببروتين «تاو»، قبل أن تُحدِث بالدماغ أضرارًا غير قابلة للعلاج.

يُذكر أنَّ بروتين LRP1 من المستقبِلات البروتينية التي يُعبَّر عنها في الدماغ بكثافة. وفي الفئران، يسبب فقدان الخلايا العصبية لهذا المستقبِل خللًا في نقل الإشارات العصبية الاستثارية5، وقصورًا في الوظائف الحركية6. وإضافةً إلى ذلك.. أشارت بحوثٌ سابقة إلى أنَّه يُسهم في إزالة تراكمات الببتيد المعروف باسم «أميلويد-بيتا»7 amyloid-b (الذي يرتبط تراكمه بمرض ألزهايمر)، كما أنَّ له دورًا في إصلاح الكساء المياليني، الذي يغلِّف الخلايا العصبية ويعزلها8. لذلك.. ورغم أنَّ نتائج الدراسة الجديدة ربما تشير إلى فوائد محتملة لتثبيط وظيفة بروتين LRP1، فقد لا يكون هذا الإجراء نافعًا بالضرورة من الناحية العلاجية؛ إذ إنَّ التأثير الإيجابي المحتمل لوقف انتشار بروتين «تاو» في المخ قد يقابله قصور في وظائف الشبكة العصبية، وزيادة في تراكم ببتيد «أميلويد-بيتا». 

ومع ذلك.. يبقى أنَّ تحديد المستقبِل الموجود على سطح الخلية، الذي يسمح بدخول بروتين «تاو»، ضروري لدراسة آلية انتقال البروتين داخل الخلية العصبية، فما إنْ ينفُذ البروتين إلى داخل الخلية عبر ذلك المستقبِل، حتى يستقرّ في حجيراتٍ داخلها تُعرف بالحويصلات الداخلية، التي عادةً ما تُفرغ حمولتها (في حجيرةٍ أخرى تُعرف بالجسيمات المُحلِّلة)، أو يعاد إرسالها إلى سطح الخلية. أما كيفية إفلات بروتين «تاو» من الحويصلات الداخلية، ليتفاعل مع النوع الموجود بالخلايا، ويعملَ كقالب لعملية الطيِّ المعيب لذلك النوع في السيتوبلازم، فهو سؤالٌ لم تُعرف إجابته بعد. إنَّ اقترابنا من فهم تلك العملية قد يُمهِّد لإعادة توجيه البروتين الذي يدخل الخلية، بحيث يتحلَّل، أو يُطرد إلى خارجها. 

إنَّ تحديد راوش وزملائها للبقايا المكوَّنة من أحماضٍ أمينية في بروتين «تاو»، التي تُمكِّنه من التفاعل مع بروتين LRP1، جنبًا إلى جنبٍ مع البِنى التي ظهرت حديثًا للتراكيب المختلفة للنوع المَرضي من بروتين «تاو»9-11، ربما يقود الباحثين -في نهاية المطاف- إلى تصميم جزيئاتٍ تستهدف ذلك البروتين؛ للحدِّ من انتشاره. ولعلَّ هذه الدراسة تكون بمثابة خطوةٍ أولى على طريق منع تطوُّر الأمراض المرتبطة ببروتين «تاو». 

References

  1. Rauch, J. N. et al. Nature 580, 381–385 (2020). | article
  2. Hallinan, G. I., Vargas-Caballero, M., West, J. & Deinhardt, K. J. Neurosci. 39, 9623–9632 (2019). | article
  3. Dujardin, S. et al. Acta Neuropathol. Commun. 2, 14 (2014). | article
  4. Bowen, S. et al. Eur. J. Neurosci. 25, 2947–2955 (2007). | article
  5. Nakajima, C. et al. J. Biol. Chem. 288, 21909–21923 (2013). | article
  6. May, P. et al. Mol. Cell. Biol. 24, 8872–8883 (2004). | article
  7. Liu, C. C. et al. J. Neurosci. 37, 4023–4031 (2017). | article
  8. Schäfer, I. et al. Cells 8, 1550 (2019). | article
  9. Falcon, B. et al. Nature 568, 420–423 (2019). | article
  10. Fitzpatrick, A. W. P. et al. Nature 547, 185–190 (2017). | article
  11. Zhang, W. et al. Nature https://doi.org/10.1038/s41586-020-2043-0 (2020). | article

كاترين داينهارت باحثة في كلية العلوم البيئية وعلوم الحياة في جامعة ساوثهامبتون، ساوثهامبتون SO17 1BJ، المملكة المتحدة.

البريد الإلكتروني: k.deinhardt@soton.ac.uk