كتب وفنون

إثبات النسبية

بيتر كولز يُثني على ثلاثة كتب عن بعثتي رصد كسوف الشمس عام 1919 اللتين أثبتتا صحة نظرية أينشتاين.

بيتر كولز

  • Published online:

ILLUSTRATIONS BY ANA KOVA

"دون أدنى شك: كسوف عام 1919 الذي أثبت صحة نظرية النسبية لأينشتاين"

دانيال كينفيك

دار نشر جامعة برينستون(2019)

"قرن الجاذبية": من كسوف أينشتاين إلى صور الثقوب السوداء"

رون كوين

دار نشر جامعة هارفارد (2019)

"حرب أينشتاين: كيف غزت النسبية العالم"

ماثيو ستانلي

داتون (2019)

في عام 1916، نشر ألبرت أينشتاين نظريته عن النسبية العامة مفصلة تفصيلًا رياضيًا كاملًا. وقد مهّد هذا السبيل لإطار جديد كليًّا لتناول الفيزياء، فأبطل أفكارًا راسخةً عن المكان والزمان وحلّ محل صياغة قوانين نيوتن للجاذبية. وكان من المفترض أن تؤدي ثورة أينشتاين إلى تغيير مسار العلم، بيْد أنه في السنوات التي أعقبت نشر النظرية مباشرةً لم تكن هناك أدلة أكيدة مبنية على الملاحظة تفيد بصحتها.

ظهر بعد ذلك آرثر ستانلي إدينجتون، وهو عالم فلك مهتم بنظرية أينشتاين بسبب مضامينها واسعة النطاق المتعلقة بالفيزياء الفلكية وعلم الكونيات. اضطلع إدينجتون بمهمة إثبات تلك النظرية، وبالاستفادة من حادث كسوف كلّي للشمس، ذهب إلى أنه يمكن قياس انحراف أو انحناء الضوء بفعل جاذبية الشمس. كان هذا اختبارًا حاسمًا لأن نظرية أينشتاين تنبأت بانحراف يعادل تحديدًا ضعف القيمة المستنتجة باستخدام قانون الجاذبية العامة لنيوتن. حدث هذا الكسوف المنشود قبل 100 عام، تحديدًا عام 1919. وارتبط اسم إدينجتون إلى الأبد ببعثتين لرصد هذا الكسوف: إحداهما في سوبرال شمال البرازيل والأخرى في جزيرة برينسيبي قُبالة ساحل غرب إفريقيا. وتُشكِّل هاتان المغامرتان بالغتا الأهمية النواة الأساسية لثلاثة كتب تحيي ذكرى اليوبيل المئوي لهذا الحدث، هي: "دون أدنى شك" No Shadow of a Doubt بقلم عالم الفيزياء دانيال كينفيك، و"قرن الجاذبية" Gravity’s Century بقلم الصحفي العلمي رون كوين، و"حرب أينشتاين" Einstein’s War بقلم المؤرخ العلمي ماثيو ستانلي.

انبثقت نظرية أينشتاين، التي اختمرت لمدة ثماني سنوات، من رؤى كان قد توصَّل إليها بعدما نشر نظريته عن النسبية الخاصة عام 1905. ومن بين التأثيرات التي تنبأت بها النظرية الجديدة أن أشعة الضوء التي تمر قرب جسم ضخم، كنجم مثلًا، ينبغي أن تنحني بفعل مجال جاذبيته. جرى التنبؤ بهذا التأثير كيفيًا باستخدام نظرية نيوتن للجاذبية. ومن المثير للدهشة أن نيوتن نفسه كان قد كتب في مؤلفه "البصريات" Opticks عام 1704: "ألا تؤثر الأجسام في الضوء من مسافة بعيدة وتؤدي بحركتها إلى انحناء أشعته؟" لكن لا تتوافر أدلة على أنه سعى إلى حساب حجم هذا التأثير (نشر عالم الرياضيات الألماني يوهان جورج فون سولدنر أول حساب كامل له عام 1804).

بطبيعة الحال، لم تذهب نظرية نيوتن للجاذبية إلى اعتبار الجاذبية نتيجة من نتائج انحناء الفضاء. فهذا هو ما اكتشفه أينشتاين. وعندما أجرى حسابًا لهذا التأثير، أكَّد أن الضوء ينحرف (وهو ما تذهب إليه نظرية نيوتن)، ولكن عبر انحناء الفضاء. وهذا الانحناء هو ما يُضاعف الانحراف.

ظروف الاختبار

أعلن أينشتاين لأول مرة نظرية النسبية العامة للأكاديمية البروسية للعلوم في عام 1915. كانت الحرب العالمية الأولى تدور رحاها وقتذاك بكل فظائعها. ورغم قطع قنوات الاتصال، تمكن إدينجتون وزميله عالم الفلك فرانك واطسون دايسون -كان الأول يشغل حينذاك منصب مدير مرصد كامبريدج، وكان الثاني فلكيًا ملكيًا- من الحصول على الأبحاث التي نشرها أينشتاين. وأدرك دايسون على الفور أن الكسوف الكلي للشمس في عام 1919 سيكون اختبارًا مثاليًا.

فخلال هذا الكسوف تستقر الشمس أمام القلائص، وهي عبارة عن عنقود من النجوم الساطعة في كوكبة الثور. وهكذا، في حالة الكسوف الكلي، يصبح كثير من النجوم مرئيًا قرب القرص المكسوف. (كان هذا الأمر بالغ الأهمية لأن تأثير انحناء الضوء الذي تنبأ به أينشتاين يكون في أشد حالاته للنجوم المرصودة بالقرب من الشمس). فيمكن تسجيل مواقع النجوم بالنسبة إلى الشمس على ألواح فوتوغرافية وقياسها ثم مقارنتها بألواح مرجعية تعرض النجوم عندما لا تكون الشمس في مكان قريب من مجال الرؤية. ويمكن بعد ذلك احتساب أي تحوّلات ظاهرية يتسبب فيها مجال جاذبية الشمس. وكلما أمكن قياس مزيد من النجوم، زادت فرصة تمكّن الراصدين من تصحيح الأخطاء المنهجية وتقليل الأخطاء العشوائية.

اعترض تلك الفكرة كثيرٌ من العوائق العملية العسيرة، من ناحية فنيات إجراء عمليات الرصد وكذلك لوجستيات البعثات. فمسار الكسوف الكلي المار من شمال البرازيل عبر المحيط الأطلنطي وصولًا إلى غرب إفريقيا جعل من المستحيل تنصيب بعثة من بريطانيا حتى تتوقف الأعمال العدائية. وقد أتاحت الهدنة التي اتُفق عليها في نوفمبر عام 1918 وقتًا كافيًا لتفعيل الخطة وحسب. كان دايسون المسؤول العام عن البعثتين وظل في إنجلترا، في حين سافر إدينجتون إلى برينسيبي وسافر أندرو كروملين الذي عمل في مرصد جرينتش الملكي بلندن إلى سوبرال.

تناول كتاب "دون أدنى شك" البعثتين بالتفصيل. فهذا الكتاب الذي يتميز بدقة بحثه وروعة أسلوبه من المؤكد أنه سيصبح المرجع النموذجي لهذا المثال الرائع على "المشاريع العلمية الكبيرة". يكشف كينفيك عن أن إدينجتون عانى من الحظ العاثر، فنظرًا إلى أنه واجه طقسًا سيئًا في جزيرة برينسيبي، فقد أجرى قياسات أقل مما كان يطمح إليه. وما زاد الأمر فداحةً أن إضرابًا مقترحًا من جانب إحدى شركات السفن البخارية كان معناه أنه لم يعد بإمكانه أن يمكث في جزيرة برينسيبي طويلًا بما يكفي لقياس مواقع النجوم على ألواحه الفوتوغرافية بالمكان، ومن ثم، فقد اضطُر عوضًا عن ذلك إلى إجراء تحليله بعد عودته إلى إنجلترا.

أما كروملين فقد صادفته ظروف أفضل كثيرًا في البرازيل. فرغم المشكلات الفنية التي واجهها مع المعدات والأجهزة وأدت إلى تشويش كثير من الألواح بشكل سيّئ، كانت قياساته حاسمة وأقرب على نحو ملحوظ إلى تنبؤات أينشتاين منها إلى تنبؤات نيوتن. وقد أُعلنت جميع النتائج في نوفمبر من ذاك العام في اجتماع مشترك خاص لجمعية لندن الملكية لتحسين المعرفة الطبيعية (الجمعية الملكية) والجمعية الفلكية الملكية في لندن. وتصدَّر هذا الاجتماع عناوين الأخبار حول العالم.

أسئلة وتأكيدات

في وقت لاحق تأكدت هذه النتيجة المبدئية التي توصل إليها دايسون وإدينجتون وكروملين بالتعاون مع فرقهم بفضل كثير من تجارب الكسوف التالية. ومع ذلك، اتّهم بعضهم إدينجتون بسوء التعامل مع قياسات الكسوف. والعنوان الذي يحمله كتاب كينفيك، "دون أدنى شك" تورية، وفي الوقت نفسه إقرار بالعزم على درء كل هذه الشكوك. يتناول كينفيك في كتابه الانتقادات بشيء من التفصيل. ويمكنني أن أُضيف هنا نقطتين موجزتين.

من بين تلك الانتقادات أن إدينجتون اضطُر إلى تبني خطة بديلة عند تحليل بيانات برينسيبي بعد أن أجبره حظه العاثر على ذلك، لكنني أرى أنه لم يفعل شيئًا غير منطقي. فجميع قياسات كسوف عام 1919 مدرجة في جداول  (في F. W. Dyson et al. Philos. Trans. R. Soc. Lond. A 220, 291–333; 1920). ولعلَّ تحليل هذه القياسات باستخدام الطرق الإحصائية الحديثة سيضيف إلى نزاهتها وسيزيد من فائدتها أيضًا. فقد فعلتُ ذلك، واكتشفت أنه لا توجد أدلة على أن إدينجتون "زيَّف الحقائق". وللأسف لم تُكتب النجاة لأي من الألواح الأصلية من كلتا البعثتين، وإلا لتمكّنا من قياسها باستخدام وسائل تقنية أكثر تطوّرًا. فُقدت ألواح إدينجتون عقب وفاته عام 1944، ربما تخلَّصت منها شقيقته عندما أُجبرت على مغادرة البيت الذي كانت تشاركه شقيقها في كامبريدج. أما ألواح كروملين، فاختفت على ما يبدو في خضم عمليات إعادة التنظيم المتعاقبة بالمرصد الملكي.

أما كتاب "قرن الجاذبية"، فيركّز أكثر على التداعيات الأوسع نطاقًا لنظرية أينشتاين على علم الكونيات والفيزياء الفلكية، بما يشمل الثقوب السوداء والموجات الثقالية. وهذا الكتاب الذي ألَّفه كوين في أقل من 200 صفحة إضافة شائقة وممتعة وقيِّمة إلى الأرفف المُكدَّسة بالكتب التي تتناول تلك الموضوعات.

ويذهب كوين في كتابه إلى تجسيد أينشتاين بوصفه أيقونة ثقافية. ففي عام 1905 الذي أُطلق عليه "عام المعجزة"، حين نشر أبحاثه عن الحركة البراونية والتأثير الكهروضوئي، بالإضافة إلى الجاذبية الخاصة، أصبح أينشتاين أحد نجوم عالم الفيزياء. ويرجع الفضل الأكبر إلى بعثتي رصد كسوف عام 1919، إذ إنهما رسّختا سمعته بين علماء الفيزياء وجعلتا منه نجمًا دوليًا لامعًا. ومع ذلك، أعتقد أن جزءًا من أسباب صعود نجمه المفاجئ أن البعثة أعقبت نهاية الحرب مباشرةً، وكانت تجربة بريطانية لاختبار أفكار مُنظِّر ألماني. فبعد أربع سنوات مرعبة من القتل والدمار، ربما وجد الناس في انتصار أينشتاين رمزية لمصالحة من نوع ما.

ويعرض ستانلي وجهة النظر هذه في كتابه "حرب أينشتاين"، الذي يمتاز بفيض تفاصيله وسلاسة أسلوبه، ويُعدّ تتمّة لكتاب "دون أدنى شك" إذ يُسلط الضوء على بعثتي الكسوف وخلفياتهما السياسية. ويكشف كثيرًا عن الجهد العلمي لأينشتاين وحياته الخاصة اللذين أدَّيا إلى أحداث عام 1919 التاريخية، ولا سيَّما فيما يتصل ببيان تأثرها بالحرب العالمية الأولى.

من بين الحقائق المثيرة للاهتمام التي عرضها كتاب ستانلي أن أينشتاين كان قد حاول حساب انحناء الضوء عام 1911، قبل أن يتمكن من صياغة نظريته الكاملة للنسبية العامة. وكانت النتيجة التي توصل إليها هي نفسها تمامًا القيمة التي توصل إليها نيوتن. تساءلتُ ماذا كان سيضير سمعته إذا كانت تلك القياسات قد سُجّلت حينذاك. هل كانت ستصبح انتكاسة لعمله؟ أم أنها كانت ستحفّزه أكثر لصياغة نظريته الكاملة التي أكدت تضاعف قيمة الانحناء؟

بيتر كولز أستاذ الفيزياء النظرية بجامعة ماينوث في أيرلندا.

البريد الإلكتروني: peter.coles@mu.ie