افتتاحيات

فلنَقْضِ فورًا على وصمة فيروس كورونا

تُسهِم الجائحة في إزكاء العنصرية البغيضة، خاصةً ضد الآسيويين. أما تداعياتُ ذلك، فسوف تَطُولُ التعليمَ، والبحثَ العلمي أيضًا.

  • Published online:
الحي الصيني في مدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا الأمريكية، أثناء تفشي جائحة «كوفيد-19».

الحي الصيني في مدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا الأمريكية، أثناء تفشي جائحة «كوفيد-19».

Jeff Chiu/AP/Shutterstock

عندما أعلنت منظمة الصحة العالمية -في شهر فبراير الماضي- إطلاق اسم «كوفيد-19» COVID-19 على المرض الناجم عن الإصابة بفيروس كورونا الجديد، سرعان ما تَبَنَّته الجهاتُ المعنية بنشر معلومات الصحة العامة. وفضلًا عن تسمية المرض، اشتمل إعلان المنظمة على رسالةٍ ضمنية، نَبَّهت بها المؤسسات الصحفية والإعلامية التي سقطت في فخِّ الربط بين الفيروس، ومدينة ووهان خاصةً، والصين بصفةٍ عامة، في تغطياتها الإخبارية. والحقُّ أننا في Nature قد وقعنا في هذا الخطأ، وإذ نتحمَّل مسئوليته، نودُّ الاعتذار عنه.

على مدى سنوات، جَرَت العادة على الربط بين الأمراض الفيروسية، والأماكن أو المناطق التي شهدت أول تفشٍّ لها، كما حدث في حالة متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (ميرس)، أو فيروس زيكا، المُسمَّى باسم غابةٍ في أوغندا. غير أنه في عام 2015، وضعت منظمة الصحة العالمية إرشاداتٍ لوقف تلك الممارسة، سعيًا إلى الحد من الوصمة الناتجة عن تسمية الأمراض بتلك الطريقة، وما يترتَّب عليها من آثار سلبية، مثل مشاعر الخوف، أو الغضب التي قد توجَّه نحو هذه المناطق، أو سكانها. وشددت تلك الإرشادات على أنَّ الفيروسات تصيب البشر جميعًا؛ فعندما يتفشى فيروس، يصبح الناس كلُّهم معرَّضين لخطر الإصابة، بغض النظر عن هوِيّاتهم، أو البلاد التي نشأوا فيها.

ومع ذلك.. بينما تكافح دول العالم للحدِّ من انتشار فيروس كورونا الجديد، نجدُ أن قِلَّة من السياسيين لا زالوا متمسِّكين بتلك الممارسة التي عفا عليها الزمن. فقد ربط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرارًا بين الفيروس، والصين، كما وصفه إدواردو بولسونارو -النائب بالبرلمان البرازيلي، ونجل الرئيس جايير بولسونارو- بأنَّه "خطأ الصين". وعلى هذا النحو.. يذهب سياسيون في دولٍ أخرى، مثل المملكة المتحدة، إلى قولهم إنّ الصين تتحمل مسؤولية انتشاره.

إنّ الاستمرار في ربط الفيروسات -وما يَنتُج عنها من أمراض- بمكانٍ محدد لهُو تصرُّف غيرُ مسؤول، ولا بد أن يتوقف. فكما يذكِّرنا آدم كوخارسكي -عالِم الوبائيات المتخصص في الأمراض المعدية- في كتابه الذي صدر في لحظةٍ مواتية، في شهر فبراير الماضي، تحت عنوان «قواعد العدوى» The Rules of Contagion، يُخبرنا التاريخ أنّ الجوائح تؤدي إلى وَصْم المجتمعات. ولهذا.. فعلينا أن نُولِيَ تلك المسألة عنايةً أكبر. ومَن يلتبس عليه الأمر، فليطلب النصيحة، وليستند دائمًا إلى الأدلة التي تحظى بالإجماع.

هجماتٌ عنصرية

لم يَعُد ثمة مجال لتجاهل هذا الأمر، إذ إنّ تجاهُله سوف تكون له تَبِعات. فقد بات جليًّا أنَّه منذ التقارير الأولى عن تفشي المرض، تعرَّض ذوو الأصول الآسيوية حول العالم لهجماتٍ عنصرية، تسببت لهم في أضرارٍ لا حصر لها، طالت صحتهم، وسبل عيشهم، على سبيل المثال، لا الحصر. وبينما تقول أجهزة إنفاذ القانون إنَّها تُولِي أولويةً كبيرة حاليًّا للتحقيق في جرائم الكراهية، نُدرِك أنَّ مثل هذه التحقيقات قد يتأخر إجراؤها بالنسبة إلى البعض، ومن هؤلاء عددٌ غير قليل من الطلاب الصينيين ـبالمرحلة الجامعية والدراسات العُليا- الذين يتلقَّون تعليمهم خارج الصين، ويتجاوز عددهم 700 ألف طالب، يدرس غالبيتهم في جامعات أستراليا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة. وقد سافر كثيرٌ من هؤلاء الطلاب إلى موطنهم، في أعقاب إغلاق الجامعات، ضمن إجراءات تقييد الحركة التي فرضتها تلك الدول، وربما لا يعود الكثيرون منهم لاستكمال دراستهم. والحقُّ أن الطلاب يشعرون بالتردد حيال قرار العودة. وهو تردُّدٌ يرجع -في جانبٍ منه- إلى الخوف من استمرار الممارسات العنصرية ضدهم، إلى جانب الغموض المحيط بمستقبَل دراستهم، وجهلهم بالتوقيت الذي سيُرفع فيه الحظر عن الرحلات الدولية.

ومن ثم، فسوف تتعطل دراسة هؤلاء الشباب، وسوف تضيع عليهم الفرص، وسيخسرون تلك الصلات الجديدة التي بنوها، غير أنَّ خسارة المؤسسات الأكاديمية لطلاب الصين، وغيرها من الدول الآسيوية، سوف تكون لها تداعياتٌ مقلقة وممتدَّة على تلك المؤسسات كذلك؛ حيث إنّ الجامعات في البلدان المتأثرة بتلك المشكلة ستصبح أقل تنوعًا، وهو أمرٌ لم نشهده منذ أجيال.

خسارةٌ للجميع

على مدى عقود، سعت الجامعات إلى تعزيز التنوع، وسَنَّت الدول سياساتٍ لتشجيع الحراك الأكاديمي الدولي. وهذا التنوع مفيدٌ للغاية في حد ذاته، إذ يشجع التفاهم والحوار بين الثقافات، فضلًا عن تبادُل وجهات النظر، وأساليب الحياة. وقد كان دائمًا وقودًا للبحث والابتكار.وإضافةً إلى ذلك.. هناك حاجة إلى تحقيق التنوع في الحرم الجامعي؛ من أجل تحسين السياسات والنظم الجامعية الخليقة بجعل الجامعات -وأنشطة النشر العلمي بها- أكثر ترحيبًا بجميع الفئات، بيد أنَّ عقباتٍ كثيرة لا تزال تعوق هذا التنوع: ففي تقريرٍ نُشر في عدد شهر إبريل من دورية «نيتشر ريفيوز فيزيكس» Nature Reviews Physics، على سبيل المثال، ضَرَبَ باحثون، وآخرون يعملون في حقل الكتابة العلمية، من دول الصين، والهند، واليابان، وكوريا الجنوبية، أمثلةً على ممارساتٍ تمييزية، وعوامل أخرى، تَحُول بينهم وبين المشارَكة في الدوريات العلمية الدولية (S. Hanasoge et al. Nature Rev. Phys. 2, 178–180; 2020).

والحقُّ أنَّ عددًا غير قليل من زعماء الدول بحاجة إلى الاستماع إلى النصائح العلمية المبنية على آراء الخبراء، والتصرف بناءً عليها؛ من أجل التصدي لهذه الجائحة، وإنقاذ أرواح مواطنيهم. وعندما يتعلَّق الأمر باللغة والمفردات، فالنصيحة واضحة، لا لَبس فيها، وهي: علينا جميعًا أن نفعل كل ما بوسعنا لنَبذ الوصمة المرتبطة بمرض «كوفيد-19»، والحدّ منها، وأن نتجنَّب الربط بين المرض، ومناطق أو مجموعاتٍ بعينها من البشر. وعلينا كذلك أن نؤكد على أنَّ الفيروسات لا تُميِّز بيننا، فنحن جميعًا في خطر.

سيكون من المؤسف حقًّا أن تتسبب تلك الوصمة التي يُغَذِّيها فيروس كورونا في انسحاب الشباب الآسيوي من الجامعات الدولية، وهو ما سيؤدي بهم إلى عدم استكمال دراساتهم، ويقلل فرصهم وفرص الآخرين، وينتهي بالبحث العلمي إلى حالٍ أسوأ، في الوقت الذي يَعتمِد عليه العالَم للعثور على مَخرج من هذه الأزمة. لا بد أن تنتهي وصمة فيروس كورونا.. الآن.