أخبار

كيف تكافح الدول الأفقر للحَدّ من تداعيات انتشار فيروس كورونا؟

لمحاتٌ من أربع دول تكافح لتقليص عدد الوفيات على نحوٍ أسرع من الولايات المتحدة والدول الغنية الأخرى.

إيمي ماكسمِن

  • Published online:
مفوض شرطة في لاجوس بنيجيريا يتحدث إلى ركاب إحدى الحافلات حول انتشار مرض «كوفيد-19»، قبل تعزيز صرامة الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لمواجهة المرض.

مفوض شرطة في لاجوس بنيجيريا يتحدث إلى ركاب إحدى الحافلات حول انتشار مرض «كوفيد-19»، قبل تعزيز صرامة الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لمواجهة المرض.

Pius Utomi Ekpei/AFP/Getty

في شهر فبراير الماضي، قاد عالِم الوبائيات تشيكوي إيكويزو سيارةً عبر الشوارع الخالية بمدينة ووهان الصينية، متفقدًا المدينة بينما تخوض حربًا ضد فيروس كورونا الجديد. وعن جولته تلك يقول إيكويزو، الذي يشغل منصب المدير العام لمركز نيجيريا لمكافحة الأمراض (NCDC) بمدينة أبوجا: "كانت تجربة مذهلةً. فقد بدت هذه المدينة الضخمة خاوية، لكنْ وراء كل نافذة كانت هناك عائلاتٌ مزوَّدة بالغذاء والدواء، وكل ما تحتاجه للبقاء".

وقادته هذه الخاطرة إلى التفكير في لاجوس، المدينة النيجيرية الفوضوية، التي يعيش حوالي ثلثي سكانها -البالغ عددهم 21 مليونًا- في مآوٍ عشوائية، دون كهرباء، أو خدمات مياه. وأضاف قائلًا: "سنواجه هنا صعوبةً أكبر بكثيرٍ لتعليق أنشطة المجتمع، وتقييد حركة المواطنين، مقارنةً بالصين، أو أوروبا، أو الولايات المتحدة"، لكنَّ السلطات تحاول حاليًّا مواجهة هذه المشكلة. ففي الثلاثين من مارس، حظرت الدولة السفر المحلي الجوي والبري من بعض الولايات وإليها، وأغلقت الأعمال التجارية.

ومثل كثيرٍ من البلدان منخفضة الدخل ومتوسطته، التي تشهد حاليًّا وصول جائحة «كوفيد-19» إليها، ستضطر نيجيريا إلى اتخاذ قراراتٍ شديدة الصرامة.. فأنظمتها الصحية أضعف بكثير من أنْ تواجِه أي زيادةٍ كبيرة ومفاجئة في حالات الإصابة بالمرض الذي يسببه فيروس كورونا الجديد «سارس-كوف-2» SARS-CoV-2، إذ احتاجت مدينة ووهان في ذروة الجائحة إلى 2.6 سرير في وحدات العناية المركزة لكل 10 آلاف شخص بالغ، في حين أنَّ هناك بلدانًا منخفضة الدخل تحتوي وحداتُ العناية المركزة بها على سرير واحد فقط لكل مليون شخص. ودون توفُّر أَسِرّة العناية المركزة، قد يفتك المرض بعددٍ أكبر بكثير مما فتك به من الأشخاص في المناطق الأكثر تأثرًا بالجائحة حتى الآن.

وفي ظل افتقار نيجيريا، وغيرها من البلدان منخفضة الدخل ومتوسطته لأنظمةٍ صحية ممولة تمويلًا كافيًا في المستشفيات، شرعت تلك الدول في تكثيف الإجراءات للحدّ من انتشار المرض، فور تأكدها من ظهور أولى حالات الإصابة لديها، وحتى قبل ذلك في بعض الحالات. وتتضمن تلك الإجراءات تعليق معظم الأنشطة، وتهديد المخالفين بالاعتقال، وإتاحة الفحوص سريعًا؛ لرصد التسلسلات الجينية للفيروس، والاستعداد لطرح أدوات فحص سريعة سهلة الاستعمال، حتى وإنْ لم تكن بدقة اختبار تفاعل البلمرة المتسلسل (PCR)، الذي يكشف التسلسلات الجينية، وهو ما يتطلب توفر إمكاناتٍ أكبر لدى المختبرات، غير أنَّ هذه الدول تواجه قيودًا أكثر بكثير من الدول الأغنى فيما يتعلق بالإمكانات المتاحة لها، والتمويل المتوفر لها، وبنيتها التحتية. ولا يمكنها -ببساطة- اتباع الاستراتيجيات ذاتها التي طبّقتها دولتا كوريا الجنوبية، وسنغافورة، والتي كبحت تفشي المرض فيهما سريعًا.

وفيما يلي، نستعرض لمحاتٍ من الإجراءات التي اتخذتها أربع دول، لنلقي نظرةً على المرحلة القادمة من الجائحة الحالية، مع وصول التفشي إلى البلدان منخفضة الدخل ومتوسطته. ويقول إيكويزو عن ذلك: "علينا أن نبذل قصارى جهدنا. وأشعر حاليًّا بإرهاقٍ لم أعهده من قبل".

نيجيريا

كان فريق إيكويزو يواجه تفشي حُمّى لاسا القاتلة عندما وقعت الزيادة الهائلة والمفاجئة في عدد حالات «كوفيد-19» بالصين. ولإدراكه إمكانية انتشار عدوى الفيروس في بلده، طلب من فريقه الحصول على أدوات الفحص المستخدَمة في تشخيص المرض. وفي يوم الثالث من فبراير الماضي، تسلَّم مختبره الإمدادات اللازمة لإجراء اختبارات تفاعل البلمرة المتسلسل (PCR) من منظمة الصحة العالمية (WHO).

وسافر الباحث بعد ذلك بفترةٍ وجيزة إلى الصين في إطار بعثةٍ للمنظمة. وفي السابع والعشرين من فبراير، حين أكدت نيجيريا ظهور أول حالة إصابة بالمرض، كان هو قيد الحجر الصحي في أبوجا عقب عودته. آنذاك، أرسل أحد المختبرات التي تتعاون مع مركز نيجيريا لمكافحة الأمراض في لاجوس جزءًا من العينة المأخوذة من الحالة عبر مسافةٍ طويلة، لتصل إلى مختبر كريستيان هابي، الباحث المتخصص في البيولوجيا الدقيقة بجامعة ريديمر، الواقعة في مدينة إدي النيجيرية. حدد فريق هابي التسلسل الجينومي للفيروس خلال ثلاثة أيام، ثم أتاحه على الإنترنت. وكان ذلك أول جينوم لفيروس «سارس-كوف-2» يُحدَّد تسلسله في القارة السمراء.

وعندما ارتفع عدد الإصابات في نيجيريا إلى ثماني حالات في يوم الثامن عشر من مارس، حظرت السلطات وفود المسافرين من الدول التي يزيد فيها عدد الحالات على ألف حالة، ومنها: الصين، وإيطاليا، والولايات المتحدة. وبعدها بثلاثة أيام، حظرت السلطات النيجيرية التجمّعات التي تشمل أكثر من 20 شخصًا في مدينتَي لاجوس، وأبوجا، وطالبت المشروعات التجارية غير الحيوية بتعليق أعمالها. وفي التاسع والعشرين من مارس، مع اقتراب عدد حالات الإصابة المكتشَفة من 100 حالة، أعلن الرئيس النيجيري محمدو بُهاري تعليق الرحلات الجوية المحلية، وإقامة نقاط تفتيش على الطرق؛ لمنع تنقلات المواطنين بين الولايات، سوى للضرورة. وبهذا.. فرضت نيجيريا قيودًا على السفر، قبل الولايات المتحدة، وأوروبا بوقتٍ طويل.

ورغم فرض إجراءات التباعد الاجتماعي، وإجراء الفحوص مبكرًا، تتكدس العينات حاليًّا لدى مركز نيجيريا لمكافحة الأمراض، نظرًا إلى افتقار المختبرات إلى الإمكانات الكافية. وفي أحد المختبرات الوطنية بمدينة لاجوس، تسعى داماري نايدو -المسؤولة الفنية التابعة لمنظمة الصحة العالمية- إلى توفير مزيدٍ من أدوات الفحص لنيجيريا، غير أنَّ حظر السفر المطبَّق في أنحاء أفريقيا أدّى إلى ندرة الرحلات الجوية، وهو ما يتسبب في إبطاء تسليم الشحنات الطبية، وشحنات المختبرات. وإضافةً إلى ذلك.. شَحَّ بعض المكونات اللازمة لاختبارات تفاعل البلمرة المتسلسل (PCR) المستخدَمة حاليًّا.

بيرو

أعلنت بيرو فرض إجراءاتٍ صارمة للتباعد الاجتماعي، بعد وقتٍ قصير من تأكيدها ظهور أولى حالات الإصابة الناتجة عن انتشار الفيروس محليًّا. وفي الخامس عشر من مارس، حين وصل عدد حالات الإصابة إلى حوالي 70 حالة، أغلقت الدولة حدودها ومدارسها، وأبلغت السكان بالبقاء في منازلهم، وعدم الخروج، إلا لأداء المهام الضرورية أثناء النهار. وأعلنت السلطات فرض حظر تجوّلٍ على مستوى الدولة، يبدأ من الساعة الثامنة مساءً، ثم تغير ذلك التوقيت في بعض المناطق، ليبدأ الحظر بها في الرابعة مساءً. وعن ذلك.. يقول أليخاندرو ليانوس كوينتاس، العالِم المتخصص في الأمراض المعدية بجامعة كاييتانو هيريديا في مدينة ليما: "هذه الإجراءات مهمة، لأنَّ بيرو دولة يسكنها 32 مليون شخص، وتملك نظامًا صحيًّا ضعيفًا".

"إذا لم تكن هناك قاعدة بيانات لدى الحكومة تستند إليها في توفير الغذاء، فلن يحصل الناس على الطعام، وهذا قد يثير حالةً من الشغب".

وفوق ذلك.. تحرص السلطات البيروفية على التزام المواطنين بتلك الإجراءات، إذ أعلم الرئيس مارتين فيسكارا المراسلين -في بيان صحفي- بأنَّ الشرطة قد اعتقلت بالفعل 21 ألف مواطن، لانتهاكهم تلك القوانين. وتسجل الشرطة أسماء هؤلاء في قاعدة بيانات، ثم تُفْرِج عنهم، وتسمح لهم بالذهاب إلى منازلهم. وبالإضافة إلى ذلك.. تتخذ الحكومة بعض التدابير لدعم مَن فقدوا دخولهم نتيجةَ تلك القيود، كتقديم الإعانات المالية، وتوزيع المواد الغذائية، على سبيل المثال، حسبما أوضح ليانوس كوينتاس.

هذا.. ولكنْ مع زيادة عدد حالات الإصابة، تصبح الحاجة إلى إجراء الفحوص للمواطنين أكثر إلحاحًا من ذي قبل. وهناك مختبران فقط في بيرو يمتلكان الموارد اللازمة لإجراء اختبارات تفاعل البلمرة المتسلسل (PCR)، وكلاهما في ليما. وللتوسع في إجراء الفحوص خارج العاصمة، طلبت الحكومة مليونًا من أدوات الفحص التشخيصية السريعة التي تنتجها الصين وكوريا الجنوبية، حسبما أوضح ليونيد ليكا، مدير فرع بيرو في المنظمة الدولية للرعاية الصحية «شركاء في الصحة» Partners in Health.

ويقول كيه. جيه. سونج -الطبيب التابع للمنظمة في مدينة بوسطن بولاية ماساتشوستس الأمريكية- إنَّ هذه الاختبارات قد تساعد المستشفيات على تحديد عدد العاملين في مجال الصحة، الذين أصابتهم العدوى، وما إذا كانوا محصَّنِين حاليًّا ضد الفيروس، أم لا.

السلفادور

كانت السلفادور واحدةً من أسرع الدول في تطبيق الإجراءات الهادفة إلى الاستجابة لتفشي مرض «كوفيد-19»، حسبما أوضح لويس روميرو بينيدا، نائب منسق المشروعات في منظمة «أطباء بلا حدود» Médicines sans Frontières بالعاصمة سان سلفادور، وهي المنظمة التي تُعرف كذلك باسم Doctors without Borders، أو اختصارًا باسم (MSF). ونظرًا إلى أنَّ الدولة لديها 100 سرير فقط من أَسِرّة وحدات العناية المركزة في جميع أنحائها، فمن المحتمل أن تواجه كارثةً إذا زاد عدد المصابين بالمرض زيادةً كبيرة مفاجئة.

اعتقالاتٌ في السلفادور بسبب انتهاكات حظر التجول.

اعتقالاتٌ في السلفادور بسبب انتهاكات حظر التجول.

Neil Brandvold

لذا.. في الثالث عشر من مارس، وحتى قبل ظهور أي حالات، علَّق المسؤولون الدراسة والفعاليات الرياضية، ومنعوا التجمعات التي تضم أكثر من 20 شخصًا. وبعدها بأربعة أيام، حظروا وفود المسافرين من عديدٍ من الدول التي تفشَّى بها المرض. وفي اليوم التالي، أكدت حكومة البلاد ظهور أول حالة إصابة بـ«كوفيد-19». وأعلنت السلطات بعدها بأيام قليلة أنَّه يجب على جميع المواطنين البقاء داخل منازلهم، وعدم الخروج، إلا لأداء المهام الضرورية. ولتعويض المتضررين، أعلنت الحكومة أنَّها ستوفر 300 دولار شهريًّا للأُسَر التي تعيش تحت خط الفقر، وفرضت أيضًا حظر تجوُّلٍ طُبِّقَ بصرامة.

ومع الزيادة البطيئة في أعداد الحالات في السلفادور وغيرها من البلدان منخفضة الدخل ومتوسطته، بدأت تَظهَر مَواطن الضعف لديها. وعن ذلك.. تقول كاليبسو تشالكيدو، محلِّلة السياسات الصحية بمركز التنمية العالمية في لندن: "قد يخرج الجميع خاسرين من هذا الوضع".

أما في نيجيريا، فيحاول إيكويزوأن يستمر في التحلي بالأمل، إذ يقول: "نحن مَرِنُون، وسنجد وسيلةً للبقاء".

كينيا

منذ فترة، بدأت الصحفية أبيجايل أرونجا -المقيمة في نيروبي- تسمع مروحيات الشرطة وهي تُحَلِّق في السماء. ففي الخامس والعشرين من مارس، مع وصول عدد حالات الإصابة المؤكدة إلى 25 حالة، فرضت كينيا حظر تجوّلٍ يبدأ من الساعة السابعة مساءً، وأعلنت ضرورة عدم مغادرة المواطنين منازلهم، إلا لأداء المهام الضرورية. وتقول أرونجا عن ذلك الحظر: "إنَّ السلطات تنفِّذه بعنفٍ شديد"، إذ مارست الشرطة الكينية العنف، واستخدمت الغاز المسيل للدموع ضد المواطنين، حتى قبل بدء حظر التجول، وهو ما تَسَبَّب في إدانتها من قِبَل منظمة «هيومان رايتس ووتش» Human Rights Watch، وهي منظمة غير هادفة إلى الربح، مقرها مدينة نيويورك. ووفق التقارير الإعلامية، أطلقت الشرطة الرصاص على مراهقٍ في يوم الواحد والثلاثين من مارس، أثناء إنفاذ حظر التجول في الشوارع.

وتشير أرونجا إلى أنَّ هذه الانتهاكات التي ترتكبها الشرطة ليست بالأمر الجديد في كينيا، غير أنَّ تلك الأساليب قد تؤدي إلى نتائج عكسية، إذا احتجَّت ضدها المجتمعات المحلية، خاصًة في حال عجْز الناس عن الحصول على ضروريات الحياة. وأضافت الصحفية: "إذا لم تكن هناك قاعدة بيانات لدى الحكومة تستند إليها في توفير الغذاء، فلن يحصل الناس على الطعام، وهذا قد يثير حالةً من الشغب". أما إيفانز أموكوي، الباحث بمعهد كينيا للبحوث الطبية في نيروبي، والمتخصص في أمراض الرئة لدى الأطفال، فقد عقَّب على ذلك قائلًا: إنَّه من الصعب إقناع العامة بأنْ يأخذوا مرض «كوفيد-19» على محمل الجد، لأنَّ عدد الحالات المؤكدة حتى الآن قليل نسبيًّا. وأضاف أنَّ السلطات قررت فرض قيود التباعد الاجتماعي كوسيلةٍ وقائية، إذ رأى الباحثون الكينيّون أنَّ المناطق التي اتخذت مثل تلك التدابير في مراحل مبكرة من تفشي المرض لديها حققت نتائج أفضل، مثل بكين.

ومِثْل نيجيريا وبيرو، تكافح كينيا لزيادة عدد الفحوص التي تجريها، وتعاني من تأخُّر الشحنات، وتترقب احتمالية استحواذ الولايات المتحدة على المعدّات والكواشف التي تحتاجها، إذ تواجه أمريكا تفشيًا في الوقت الحالي ضِعْف ذلك الذي واجهته الصين.

إيمي ماكسمن

وأَسْهَمَ في التقرير الصحفيان: عبد الله تساني من نيجيريا، ونيل براندفولد من السلفادور.