رؤية كونية

نقص المعلومات وزيفها وجهان لعملةٍ واحدة

 أنْ تَحجِب الحكوماتُ الرسائل المتعلقة بمرض «كوفيد-19»، فهي بذلك تبدد مصداقيتها.

هايدي جيه. لارسون
  • Published online:

PATRICK DOWSE

عندما تَحجِب الحكوماتُ -أو قادتها- معلوماتٍ خاصة بالجائحة الحالية، أملًا في تهدئة الجماهير القلقة، أو تنشر عمدًا معلوماتٍ مضللة، ظنًّا منها أنَّها ستطمئنهم، فإنَّها تُخَاطِر بتقويض مصداقيتها، وقدرتها على مساعدة الناس على مواجهة التهديدات الحقيقية لصِحّتهم.

والأمثلة على ذلك كثيرة في جميع أنحاء العالم، فعلى سبيل المثال.. ادعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنَّه سيتوفر اختبار تشخيصي لـ"أي شخصٍ يحتاج إلى الاختبار". وهناك أيضًا إيران، التي كانت معروفةً يومًا ما بقوة نظامها الصحي، فإذ بها تعاني بشدة من مرض «كوفيد-19». وكان الإيرانيون يتملكهم الغضب بالفعل تجاه حكومتهم، وتنعدم ثقتهم فيها، عقب إسقاطها طائرة ركاب بطريق الخطأ في شهر يناير الماضي، ناهيك عن مظالم أخرى يتعرضون لها. ووسط هذه الأجواء من انعدام الثقة، ظهرت موجةٌ جديدة من الغضب مع شعور العامة بأنَّ الحكومة لم تكن تبذل ما في وسعها لإبطاء تفشي المرض. وحاول وزير الخارجية محمد جواد ظريف من جانبه توجيه هذا الغضب تجاه طرفٍ آخر، فألقى باللوم على الولايات المتحدة. لا شك في أنَّ العقوبات الأمريكية قد أضرّت بالفعل بالحياة اليومية في إيران، وربما أضعفت من قدرتها على التصدي لتفشي مرض «كوفيد-19»، غير أن الحكومة الإيرانية أيضًا حاولت -عن عمدٍ- إخفاء معلوماتٍ عن حالة التفشي، إذ حذرت السلطات الإيرانية أفراد الأطقم الطبية من مشاركة أي معلوماتٍ عن المصابين أو الموارد المحدودة المتاحة لهم، مما أدى إلى تقويض قدرة البلاد على التصدي لتفشي المرض.

وأفادت هيئة الإذاعة الكندية -في الثامن عشر من مارس- بأنَّ الأطباء في روسيا يخشون احتمالية وجود "المئات" من الوفيات، رغم تأكيدات الرئيس فلاديمير بوتين بأنَّ الوضع بأكمله تحت السيطرة. ويقول بعض الأطباء هناك إنَّهم يُحْجِمون عن إبلاغ السلطات الصحية عن الحالات المشتبه في إصابتها بالمرض، لأنَّهم قلقون بشأن حالة مَرافق الحجر الصحي التي سيُرسَل مرضاهم إليها، ويخشون كذلك أن تغلق الحكومة عياداتهم الخاصة. وكشفت وكالة أنباء «رويترز» أنَّ البيت الأبيض أبقى الاجتماعات المهمة الخاصة بمرض «كوفيد-19» سريةً، حتى لو ترتب على ذلك إخفاء المعلومات عن الخبراء المعنيين الذين يُستشارون عادةً في مثل تلك الظروف، فيما راح الرئيس يُردِّد عبارات من قبيل "الوضع بأكمله تحت السيطرة"، إلى أن فرض الواقع تغييرًا جذريًّا سريعًا.

وحيثما يدرك الناس أن مصادر المعلومات الرسمية غير جديرةٍ بالثقة، يصبح المناخ مهيأً لانتشار تكهناتٍ لا أساس لها بسرعة البرق على نطاقٍ واسع، إذ تسبب مرض «كوفيد-19» في إطلاق موجة عارمة من الشائعات، ظهرت في صورة مزيجٍ يتعذر تمييز عناصره المختلفة، يتألف من معلوماتٍ لم تثبت صحتها، ومعلوماتٍ مفيدة، وأخرى مضللة، ومعلوماتٍ زائفة قُصد التلاعب بها عمدًا. ففي الفترة بين الأول من يناير ومنتصف مارس 2020، رصدت جهودنا الخاصة لمتابعة وسائل التواصل الاجتماعي في مشروع «الثقة في اللقاحات» The Vaccine Confidence Project أكثر من 240 مليون رسالة تشير إلى الفيروس الجديد، تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الرقمي على مستوى العالم، بمتوسطٍ قدره 3.08 ملايين رسالة يوميًّا. وعلى موقع «تويتر»، كان هناك 113 مليون مغرد ينشرون كل شيء، بدءًا من رسائل التقارير الإخبارية والتعليقات عن مرض «كوفيد-19»، إلى الآراء حول إجراءات الحجر الصحي، والتكهنات بمصدر الفيروس، وتفاصيل العلاجات المصنوعة في المنزل. تنوعت هذه العلاجات بين علاجاتٍ غير مضِرّة نسبيًّا كتناول الثوم، إلى علاجاتٍ خطيرة للغاية، مثل شرب مُبيِّض الأقمشة. وأوصت رسالةٌ نُسبت كذبًا إلى جامعة ستانفورد في ولاية كاليفورنيا بشرب الماء لقتل الفيروس، أو بحبس الأنفاس لمدة عشر ثوانٍ، لتحديد ما إذا كنت مصابًا بالمرض، أم لا (كلتا الطريقتين فاشلتان).

ومع هرع العلماء لدراسة الفيروس الجديد، بدأت تروج نظريات المؤامرة حول ما إذا كان الفيروس عاملًا ممرِضًا جديدًا تطوَّر بصورةٍ طبيعية، أم أنّ هذا الفيروس انتشر عن غير قصدٍ من مختبرٍ شديد الحراسة في مدينة ووهان بالصين، أم أنه مُخلَّق عمدًا ليُستخدَم كسلاحٍ بيولوجي، وهي الفكرة التي لاقت رواجًا لدى البعض في ظل الوضع الجغرافي السياسي الحالي، والتوترات العميقة بين الولايات المتحدة والصين.

وفي التاسع عشر من فبراير، أصدرت مجموعةٌ من العلماء بيانًا في دورية «ذا لانست» The Lancet، لكبح هذا التسونامي من نظريات المؤامرة. وأكدوا أنَّ الدراسات "خلصت بإجماعٍ شبه تام إلى أنَّ فيروس كورونا الحالي نشأ في البرية". وبين اكتشاف الفيروس الجديد، وتأكيد أصوله، لم يكن هناك دليلٌ متاح لمواجهة تلك الشائعات التي انتشرت كانتشار النار في الهشيم، وما زالت مستمرةً في الانتشار لمن يريدون تصديقها.

يتمثل التحدي الذي يواجهه صناع السياسات والسلطات الصحية في أنَّه بينما يتضح بسهولة زيف بعض المعلومات، بل وضررها، فإنَّ بعضها الآخر يُصَعِّب حسْم مدى صحته، إذ إنَّ منها ما يثير فقط الشكوك، والارتباك، والفكر التآمُرِي، ويقوض الثقة في السلطات الصحية، لكنَّ تلك المعلومات من الصعب تحديدها وتفنيدها. وقد يكون بعض المعلومات الجديدة ذا قيمة، وإنْ لم تثبت صحته بعد، وبالتالي يصبح حذفه مضرًا.

لقد بدأ هذا الوباء بمثالٍ صادم على تلك المشكلة، عُتِّم فيه على معلوماتٍ كان بإمكانها أن تنقذ حياة الكثيرين، وعوملت كإشاعة. ففي الثلاثين من ديسمبر الماضي، نشر لي وين ليانج -طبيب العيون الشاب في ووهان- رسالةً إلى زملائه، حاول فيها لفت انتباههم إلى انتشار مرضٍ شبيه بالمتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة (سارس) في المستشفى الذي يعمل به، وإذ بالحكومة الصينية تحذف منشوره، وتتهمه بترويج الشائعات. وفي السابع من فبراير، مات وين ليانج مصابًا بمرض «كوفيد-19».

يا له من مشهدٌ مروع، لا يتوقف فقط عند مجرد كشف معلومة مضللة، بل يفضح العلاقات بين الجماهير والسياسيين، وغياب الثقة في دوافع السلطات الحاكمة، ومخاوف القادة من أن تثير الحقيقة حالةً من الفوضى والمعارَضة بين العامة. فنصيحة "ابقَ هادئًا، واستمر في حياتك" يمكن أن تتسبب في تأثيرٍ عكسي تمامًا في ظل انتشار فيروسٍ جديد متطور وفتّاك.  

هايدي جيه. لارسون أستاذة في مشروع الثقة في اللقاحات في كلية لندن للصحة وطب المناطق الاستوائية، وتدير المشروع أيضًا، وتعمل كذلك أستاذةً إكلينيكية لعلم مقاييس الصحة بجامعة واشنطن في مدينة سياتل الأمريكية.

البريد الإلكتروني: Heidi.larson@lshtm.ac.uk