أنباء وآراء

الفيزياء النووية: انكسارُ التناظر المرآتي النووي

في دراسة حديثة، نُشرت مؤخرًا بدورية Nature، اكتشف فريق من الباحثين أن نظرية التناظر المرآتي، التي تقول إنّ البِنْية النووية لا تتغير بإحلال النيوترونات محل البروتونات، والعكس، لا تنطبق على زوجٍ من النوى المتناظرة في الحالة القاعية.

برترام بلانك

  • Published online:

إنّ الطبيعة مغرمةٌ بالتناظر. والأمثلة على ذلك تتَّسع لتشمل العوالم على اختلاف أحجامها، بدءًا من العالَم المرئي (الماكروسكوبي)، كشِباك العنكبوت، وأقراص عسل النحل، انتهاءً إلى العالَم غير المرئي (الميكروسكوبي) بما فيه من نسق منتظم يميز الذرات في الجزيئات، أو الإلكترونات حول النواة الذرية. وهذا التناظر متحقِّقٌ أيضًا على مستوى النوى، غير أن الباحث هوف وزملاءه1 -في دراستهم المنشورة مؤخرًا بدورية Nature- يفيدون بإمكانية انكسار هذا التناظر.

تتكون نوى الذرات من نوعين مختلفين من الجسيمات: البروتونات، والنيوترونات. وهما –بصرف النظر عن شحنة البروتون– جسيمان متشابهان، إلى حدِّ أنهما -في كثير من الأحيان- يعامَلان على أنهما جسيمٌ واحد، يُعرف بالنيوكلون. ومن ثم، فإن أزواج النوى المتناظرة مرآتيًّا –التي تُستبدَل فيها أعداد النيوترونات بالبروتونات، والعكس– تحتفظ بخصائص متماثلة.

ولمزيد من التحديد.. فإن ترتيب مستويات الطاقة المرتبط بالحالات النووية لنواتين متناظرتين يُفترض أن يكون متماثلًا في النواتين، بدءًا من الحالة القاعيَّة التي تكون فيها النيوكليونات عند أدنى مستويات الطاقة الممكنة، وانتهاءً إلى حالات الاستثارة الناجمة عن الزيادة في مستويات الطاقة2. ورُغم ذلك.. فقد رُصد في السابق حدوث تغيُّر في ذلك الترتيب بين نواتين متناظرتين لدى تعرُّضهما لحالات الاستثارة3. وها هو هوف وفريقه يقولون بإمكان كَسْر هذا التناظر المرآتي في الحالات القاعية المُقيًّدة للنواة (شكل 1)، إذ ذكر الباحثون أنه لدى دراسة نواتَي نظير البروم-73، ونظير السترونتيوم-73، وهما زوجان متناظران، في الحالة القاعية لهما، لوحظ أن كلًّا منهما لا تمثل -ببساطة- "صورةً مرآتية" للأخرى، جرت فيها مبادلة بين البروتونات بالنيوترونات، أو العكس، وإنما رُصد كذلك أنهما مختلفتان من حيث تشكيلة البروتونات والنيوترونات بهما.

شكل 1 | انكسار التناظر المرآتي لنواتين. )أ(في زوجٍ من النوى المتناظرة مرآتيًّا، يكون عدد البروتونات في إحدى النواتين مساويًا لعدد النيوترونات في النواة الأخرى، والعكس بالعكس. وفي التناظر المرآتي المثالي، تكون البنية النووية، وكذلك مستويات الطاقة في الحالة القاعية والمُثارة (الممثلة بالشكل على هيئة الخطوط المتقطعة الواصلة بين الحالات المتكافئة) متماثلة بشكلٍ جوهري عند تبديل عدد البروتونات والنيوترونات، باستثناء تغيُّر إجمالي طفيف ناجمٍ عن تنافر البروتونات في النواة التي تضمُّ عددًا أكبر من البروتونات. (ب) أفاد هوف وفريقه1 بأن تشكيلة البروتونات والنيوترونات لنواتين تكوِّنان زوجًا متناظرًا مرآتيًّا قد تختلف في كل منهما عن الأخرى، وذلك في الحالة القاعية (حالة الطاقة الدنيا). وتشير الخطوط الحمراء المتقطعة بالشكل إلى أن مستويات الطاقة الدنيا في إحدى النواتين قد تبدَّلت، بخلاف ما يحدث في حالة التناظر المثالي (أ). ويوضح الشكل مثالًا بسيطًا على التناظر المرآتي في النوى الذرية، والكيفية التي قد ينكسر بها.

شكل 1 | انكسار التناظر المرآتي لنواتين. )أ(في زوجٍ من النوى المتناظرة مرآتيًّا، يكون عدد البروتونات في إحدى النواتين مساويًا لعدد النيوترونات في النواة الأخرى، والعكس بالعكس. وفي التناظر المرآتي المثالي، تكون البنية النووية، وكذلك مستويات الطاقة في الحالة القاعية والمُثارة (الممثلة بالشكل على هيئة الخطوط المتقطعة الواصلة بين الحالات المتكافئة) متماثلة بشكلٍ جوهري عند تبديل عدد البروتونات والنيوترونات، باستثناء تغيُّر إجمالي طفيف ناجمٍ عن تنافر البروتونات في النواة التي تضمُّ عددًا أكبر من البروتونات. (ب) أفاد هوف وفريقه1 بأن تشكيلة البروتونات والنيوترونات لنواتين تكوِّنان زوجًا متناظرًا مرآتيًّا قد تختلف في كل منهما عن الأخرى، وذلك في الحالة القاعية (حالة الطاقة الدنيا). وتشير الخطوط الحمراء المتقطعة بالشكل إلى أن مستويات الطاقة الدنيا في إحدى النواتين قد تبدَّلت، بخلاف ما يحدث في حالة التناظر المثالي (أ). ويوضح الشكل مثالًا بسيطًا على التناظر المرآتي في النوى الذرية، والكيفية التي قد ينكسر بها.

كبر الصورة

إذًا، كيف ينشأ ذلك الاختلاف؟ يُعَدّ الكُوارك (quark) أبسط وحدةٍ بنائية للمادة نعرفها اليوم، ويوجد من الكواركات ستة أنواع. ويتألَّف البروتون والنيوترون كلاهما من ثلاثة كواركات. أما الاختلاف الأهمُّ بينهما، فيكمُن في اختلاف في مجموعات الكواركات في كلٍّ منهما. وهو اختلاف يمنح البروتون شحنة كهربية موجبة (+1)، بينما يبقى النيوترون متعادلًا (بدون شحنة).

ومن الجدير بالذكر أن التفاعل النوويَّ القوي الذي يربط بين النيوكلونات داخل النواة الذرية هو في جوهره التفاعل نفسه بين البروتونات وبعضها، والنيوترونات وبعضها، إلا أنه –في حال البروتونات– يتزايد التنافر الكهربي بين الجسيمات ذات الشحنات المتطابقة. وعند بناء نواتين ذريتين متناظرتين مرآتيًّا، تضمُّ إحداهما عدد Z من البروتونات، وعدد N من النيوترونات، بينما تضمُّ الأخرى عدد N من البروتونات، وعدد Z من النيوترونات، فإن ذلك التنافر يضيف طاقة (كتلة) عامة إضافية إلى النواة التي تشتمل على عدد أكبر من البروتونات، غير أنه لا يُعدِّل ترتيب البروتونات والنيوترونات. ويفسر هذا التناظر التطابق شبه التامِّ بين خصائص عدة في النواتين المتناظرتين: من حيث الشكل، ومن حيث سلوكهما عند الاستثارة (أي إكسابهما طاقة)، وكذلك من حيث خواص عمليات الاضمحلال التي تَفقِد النواةُ غيرُ المستقرة خلالها بعضًا من طاقتها، عبر إطلاق الجسيمات، أو الإشعاع.

ومن أجل تحديد الخواص النووية لنواةٍ بعينها، بما في ذلك مستويات الطاقة الخاصة بها، تُضَخ كمية من الطاقة بهذه النواة (عن طريق مصادمتها بنواة أخرى، على سبيل المثال)، ومن ثم تُرصَد عملية الاضمحلال التي تنبعث خلالها أشعة جاما من النواة المستثارة. ويُذكر أن الاختلاف3 الذي سبق رصدُه في ترتيب مستويات الطاقة لنواتين متناظرتين في حالة استثارة قد حدث بصفةٍ خاصة عند مستويات استثارة عالية، تزداد عندها كثافة الحالات (أي تتقارب حالات الطاقة المتجاورة). ويشير هذا الاختلاف في مستويات الطاقة إلى أن التناظر المرآتي هو تناظُر تقريبي، قابلٌ للكسر تحت ظروفٍ معينة.

كما سبق رصد اختلافٍ بنيوي عند الحالات القاعية للنواة4، وذلك في زوجٍ واحدٍ فقط من النوى المتناظرة مرآتيًّا، وهما نظير النيتروجين-16، ونظير الفلور-16، لكنْ في تلك الحالة كانت إحدى النواتين (نواة نظير الفلور-16) حرة؛ بمعنى أن قوة التنافر بين بروتوناتها أكبر من قوة التجاذب بين هذه البروتونات الناتجة عن القوة النووية الشديدة. ومن ثم، يكون اضمحلال هذه النواة سريعًا، عبر تحرير بروتون خلال 10-20 ثانية (انظر المرجع رقم5 ) تقريبًا، وهي مدة زمنية مُقارِبة للزمن الذي يستغرقه نيوكلون للانتقال عبر النواة. أما نظير النيتروجين-16، فهو أكثر استقرارًا، إذ يصل عمره النصفيُّ إلى حوالي 7 ثوانٍ (انظر المرجع رقم6 ). ومن ثم، يمكن إرجاع الاختلاف المرآتي بين هاتين النواتين المتناظرتين إلى الطبيعة الحرة لإحداهما.

 ويشير هوف وفريقه إلى أن الوضع مختلف في حال نظير البروم-73، ونظير السترونتيوم-73، بالنظر إلى أن كليهما طويل العمر، وشبه مستقر. ولكي تكسر الطبيعة التناظر المرآتيَّ بينهما، لجأت إلى هذه الحيلة: جعلت الحالة القاعية لدى كلتا النواتين شديدة القُرب –من حيث مقدار الطاقة بها– من حالة الاستثارة الأولى لكلٍّ منهما. ومن هنا، يتبيَّن أن التناظر المرآتي، لكونه تناظرًا تقريبيًّا فحسب، يمكن كَسْرُه عن طريق التبديل بين الحالة القاعية، وحالة الاستثارة الأولى في إحدى النواتين المتناظرتين.

لقد أفاض علماء الفيزياء النووية في وصف خصائص نظير البروم-73 على مدى 50 عامًا7، أما المعلومات المتوفرة لدينا حول نظير السترونتيوم-73، فلا تزال محدودة، بيد أن لدينا قيمة تقديرية لعمره النصفي8، ونعرف النمط الأقوى لاضمحلاله9. الجديد في دراسة هوف وفريقه هو أنهم لم يدرسوا خصائص نظير السترونتيوم-73 بصورةٍ مباشرة، وإنما من خلال دراسة عمليّتَي الاضمحلال الإشعاعي المتعاقبتين لهذا النظير؛ إذ تحدث عملية الاضمحلال الأولى عن طريق إطلاق جسيمات بيتا، وتَنتُج عنها حالة معينة في النواة الوليدة، وهي نظير الروبيديوم-73، الذي سرعان ما يضمحلُّ بدوره بإطلاق بروتون، فيكون الناتج هو نظير الكريبتون-72. وقد تمكَّن واضعو الدراسة، عن طريق رصد خواص عملية انبعاث البروتون، من استنتاج بِنْية الحالة التي ينبعث منها البروتون في نظير الروبيديوم-73، وأمكنهم من خلال ذلك التعرُّف على بِنْية الحالة القاعية لنظير السترونتيوم-73.

كما أتاحت النتائج التعرُّف على خاصية نووية أخرى لنظير السترونتيوم-73، تُعرف باللف المغزلي، وكشفت أمرًا غير متوقع، إذ تَبيَّن أن مقدار اللف المغزلي للحالة القاعية في نظير السترونتيوم-73 لا يساوي 1/2، كما في الحالة القاعية لنظير البروم-73، وإنما يبلغ 5/2، وبذلك يعادل مقدار حالة الاستثارة الأولى في النواة المناظِرة. ومن هنا، يتضح أن التناظر المرآتي ممكن في الحالة القاعية المقيَّدة لنواتين متناظرتين.

 وبعد، فهل ينبغي النظر إلى انكسار التناظر المرآتي على أنه كارثة تَنسِفُ فهْمنا لبِنْية النواة الذرية؟ كلا، على الإطلاق، فانحراف النتائج عن التوقعات يَختبِر معرفتنا ببِنْية النواة، ويتيح لعلماء الفيزياء النووية تنقيح نماذجهم على النحو الذي يُنتِج تصورًا أفضل للنوى الذرية. وكما أوضح هوف وفريقه، فقد يكون انكسار التناظر المرآتي الذي رصدوه راجعًا إلى وجود شكلين متعارضين للنواة: شكل مُتطاول (أشبه بكرة الرَّجْبي)، وشكل مفلطح (كالقرص). كلا التكوينين يمنح النواة الطاقة والكتلة نفسيهما تقريبًا، كما يمكن لهذين الشكلين أن يتداخلا. وعليه، فإن انكسار التناظر بين نظير البروم-73، ونظير السترونتيوم-73 قد يكون نابعًا من التباين في درجة التداخل لدى كلتا النواتين.

وسيكون من المثير للاهتمام أن نرى إمكانية اكتشاف حالات أخرى لانكسار التناظر المرآتي عند الحالة القاعية. لا يبدو أن هناك نوى أخرى تضُمُّ عددًا من النيوكلونات مماثلًا لنظير البروم-73، ونظير السترونتيوم-73؛ لأننا لا نعرف نواةً أخرى تقترب حالتها المُثارة الأولى إلى هذا الحدِّ من الحالة القاعية لديها. ومع ذلك.. فإن النوى الأثقل مرشحة لتكرار هذا الانكسار المرآتي؛ لأن وجود عدد أكبر من النيوكلونات يعني إمكانية بناء عددٍ أكبر من مستويات الطاقة النووية، وهو ما من شأنه أن يحقق التقارب بين مستويات الطاقة تلك. وفي مقابل ذلك.. لا يمكن لنواتين أن تشكلا زوجًا متناظرًا مرآتيًّا، إذا كان العدد الكتلي (مجموع البروتونات والنيوترونات) لكلٍّ منهما يزيد على 100 تقريبًا (انظر المرجع رقم10 )؛ نظرًا إلى أن التفاعل النووي في هذه الحالة لن يستطيع التغلب على تَنافُر الشحنات الكهربية المرتبط بالتفاعلات بين البروتونات في النواة "الغنية بالبروتونات". ولا يزال السباق محمومًا، سعيًا إلى التوصُّل إلى حالات أخرى لانكسار التناظر المرآتي للنوى عند الحالات القاعية.

References

  1. Hoff, D. E. M. et al. Nature 580, 52–55 (2020). | article
  2. Boso, A. et al. Acta Phys. Pol. B 48, 313–318 (2017). | article
  3. Bentley, M. A. et al. Phys. Rev. C 73, 024304 (2006). | article
  4. Wu, Z. D. et al. Phys. Rev. C 89, 054315 (2014). | article
  5. Charity, R. J. et al. Phys. Rev. C 97, 054318 (2018). | article
  6.  Dryák, P., Novotný, T., Kovář, P. & Králík, M. Nucl. Instrum. Meth. Phys. Res. A 369, 441–444 (1996). | article
  7. Murray, G., White, W. J. K., Willmott, J. C. & Entwhistle, R. F. Nucl. Phys. A 142, 21-34 (1970). | article
  8. Sinclair, L. et al. Phys. Rev. C 100, 044311 (2019). | article
  9. Batchelder, J. C. et al. Phys. Rev. C 48, 2593–2597 (1993). | article

  10. Möller, P., Myers, W. D., Sagawa, H. & Yoshida, S. Phys. Rev. Lett. 108, 052501 (2012).| article

 بِرترام بلانك باحث بمركز الدراسات النووية في بوردو- جرادينان، 33175 Gradignan Cedex، فرنسا .

البريد الإلكتروني: blank@cenbg.in2p3.fr