موجزات مهنية

التدريس الجامعي في زمن كورونا

بينما يُحْكِم فيروس كورونا قبضتَه على الجامعات.. إليك خمسَ نصائح للانتقال إلى التدريس عبر الإنترنت. 

فيرجينيا جيوين
  • Published online:
يبحث الأكاديميون عن بدائل.. بينما تخلو القاعات الجامعية من الطلاب إبان جائحة فيروس كورونا

يبحث الأكاديميون عن بدائل.. بينما تخلو القاعات الجامعية من الطلاب إبان جائحة فيروس كورونا

Matteo Corner/EPA-EFE/Shutterstock

في مطلع شهر فبراير، كان أمام ليوناردو رولّا أسبوعان لاستكشاف طريقة للبدء في التدريس عبر شبكة الإنترنت. رولّا عالِم رياضيات بالمجلس الوطني للبحوث العلمية والتقنية في العاصمة الأرجنتينية بيونس آيريس، كما يُدرِّس مادة الرياضيات لفصلين دراسيين كلَّ عام بجامعة نيويورك (NYU) في شنجهاي بالصين. وعندما أَجْبَر تفشِّي فيروس كورونا -المُسبِّب لمرض «كوفيد-19» COVID-19- جامعاتِ الصين على غلق أبوابها، كان في زيارة لعائلته بالأرجنتين، فلم تتسنَّ له العودة إلى شنجهاي.

لم يسبق لرولّا تدريس المقررات الجامعية عبر الإنترنت، فتطلَّبت تلك النقلة منه ساعاتٍ طويلةً من العمل، والكثير من الصبر. كان عليه أن يتعرَّف على الوسائل التقنية اللازمة، ويحدد أفضل الأساليب الممكنة لتدريس مادة الجبر الخَطِّي المتقدِّم لطلابه، البالغ عددهم 33 طالبًا. وكان فَرْق التوقيت من بين المشكلات التي كان عليه التعامل معها؛ نظرًا إلى وجود طلابه في منطقة زمنية تسبقه بفارق إحدى عشرة ساعة.

"إنني بمثابة مُخرج الفيلم، لكننا جميعًا مشاركون فيه".

غير أنه بفضل المساعدة التقنية التي تلقَّاها من زملائه بجامعة نيويورك، تمكَّن من وضع استراتيجية للتدريس عن بُعد، من مكانه الذي يقع على الجانب الآخَر من العالَم. فباستخدام برنامج «فويس ثريد» VoiceThread، كان يسجل كل يوم عدة مقاطع فيديو قصيرة، يشرح فيها المفاهيم الرياضية، تتراوح مدتها مجمَّعةً ما بين 15 و30 دقيقة. ويشاهد الطلاب تلك المقاطع عبر أحد المواقع الإلكترونية خلال اليوم، ثم يرفعون بدورهم مقاطع أخرى تتضمن إثباتات للنظريات المطلوبة منهم على سبيل المثال. وقد تتضمَّن كذلك سؤالًا بشأن الإثبات المقدَّم من أحد الزملاء، أو تعقيبًا عليه، أو نقدًا له. وبذا.. نجح رولّا وطلابه في خلق بيئةٍ تفاعلية للمحاضرات، وإنْ كان هذا التفاعل تفاعلًا غير متزامن.

عملٌ مشترك

يقدم رولّا نصيحة بالغة الأهمية، تتمثل في تشجيع الطلاب على الإدلاء بما لديهم من تعليقات وملاحظات بشكل مستمر، موضحًا: "إنني بمثابة مخرج الفيلم، لكننا جميعًا مشاركون فيه". ومن هذا المنطلق، يطرح على طلابه أسئلة محددة، من شأنها أن تكشف عن درجة استيعابهم للمفاهيم الجديدة، وكيف يضيف كل مفهوم إلى قاعدة معارفهم الحالية. كما يَحُثهم على إبداء الرأي في المقرَّر الدراسي، واقتراح ما يرون لتحسينه. فعندما طلب منه الطلاب مزيدًا من الأمثلة الملموسة على نظرياتٍ تتسم بدرجةٍ عالية من التعقيد والتجريد، للتحقق من استيعابهم لمفاهيم هذه النظريات، استجاب لطلبهم على الفور. وعن ذلك.. يقول: "أكثرُ ما يخشاه المُحاضر، أنْ يتحوَّل إلى مجرد مُتحدِّث يشرح أمورًا لا يستوعبها الطلاب، وعندئذٍ ينصرفون عن المتابعة، ويتظاهرون بالفهم". وقد لاقى أسلوبه القائم على تقنية الفيديو استحسانًا كبيرًا من طلابه وزملائه.

يشعُر رولّا بالسعادة لتغلُّبه على التحديات التقنية المتصلة بالتدريس عن بُعد، ولا يُخفي -رغم ذلك- أن ميزةً خاصة لَعِبَت في صالحه: أنه قد سبق له التدريس للمجموعة ذاتِها من الطلاب، وإلا لوجد نفسه مضطرًا إلى ترتيب بضع جلسات مباشرة للتعرّف عليهم. ويقول: "وجهُ الصعوبة الأساسي في هذا الأسلوب أنه يستغرق الكثير من الوقت، إذ لا يقلُّ عن ثلاثة أضعاف الوقت الذي تستغرقه محاضرة تقليدية .. هذا إنْ كنتَ متمرِّسًا على استخدام الأدوات". ويُقَدَّر أنه قد أمضى 35 ساعة أسبوعيًا، منذ شهر فبراير الماضي، في تحضير محتوى المحاضرات التي ألقاها عبر الإنترنت.

نصائح لانتقال سلس

 في الوقت الذي يتَّجه فيه أعضاء هيئات التدريس في الجامعات حول العالم إلى التدريس عبر الإنترنت، يجب عليهم أن يفكروا في كيفية تحقيق أقصى استفادةٍ ممكنة لطلابهم. وفيما يلي، أقدِّم خمس نصائح حول الانتقال إلى التدريس عن بُعد.

لا تحوِّلْ المحاضرة الرقمية إلى نُسخة مصوَّرة من المحاضرة التقليدية. تقول كيونج مي لي، وهي مُحاضِرة في مجال التعليم المُعزَّز تكنولوجيًا بجامعة لانكاستر بالمملكة المتحدة: "لا يرغب الطلاب في الاكتفاء بمشاهدة شرائح العرض، دون معاينة وجه المُحاضِر، أو سماع صوته". وترى لي أنه إذا كانت مدة المحاضرة التقليدية تصل -في العادة- إلى ثلاث ساعات، فإنه يتعيَّن تلخيص محتواها الأساسي في مقطع فيديو، لا تزيد مدته على 30 دقيقة. ويوافقها الرأي جاستن رايخ، الباحث في مجال التعليم الرقمي بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كامبريدج، الذي يُحبِّذ أن يكون الحديث واضحًا ومُوجزًا قدر الاستطاعة، حيث يقول: "قَلِّلْ من أهدافك بشكلٍ استراتيجي". ويجب على المحاضرين تحديد بضعة أمور بعينها ليتعلَّمها الطلاب، وينصَبَّ تركيزهم عليها.

لا تعتمِدْ على بث الفيديو المباشر. تنصح لي بعدم اللجوء إلى اجتماعات الفيديو المباشِرة، ما لم تكن ثمة حاجةٌ حقيقية إليها. فجودة البث ليست مضمونة، خاصة مع وجود مخاوف من احتمالية تعطّل بعض منصّات الاجتماعات عبر الإنترنت، مثل منصة «زووم» Zoom، بسبب التحميل الزائد عليها.

شجِّع الطلبة على المشاركة وإبداء الرأي. يتفق رايخ ولي على أن أفضل المحاضرين الذين يبُثون دروسهم عبر الإنترنت، هم الذين يصممون مقرراتهم الدراسية على نحوٍ يُتيح للطلاب طرح الاستفسارات -كلٌّ حسبَ الوتيرة التي تلائمه- بحيث يبادرون هم إلى استكشاف الموضوع. تقول لي أنه بالإمكان -على سبيل المثال- إعطاء الطلاب مجموعة روابط لمزيد من الاطلاع على الموضوع. وفي أفضل الأحوال، سيكون بإمكانهم اختيار المادة العلمية التي يرغبون في تعلُّمها وفقًا لاهتماماتهم، على أن يجري ذلك وفق خطة واضحة المعالم. يضيف رايخ أنه من المهم كذلك الوقوف على الأشياء التي تسترعي اهتمام الطلاب أكثر من غيرها، موضحًا: "أحد أكثر الأخطاء شيوعًا هو عدم استماع المحاضرين إلى طلابهم". وحسب قوله، فإن سؤال الطلاب عما يتطلَّعون إلى تعَلُّمه من خلال ذلك المساق المقدَّم عبر الإنترنت، وكيف يمكن تقديمه لهم بأفضل طريقة ممكنه، من شأنه أن يُلهِم المُحاضرين أفكارًا لإثراء التدريس، وأن يتيح للطلاب الإمساك بزمام هذه العملية.

تَحَقَّقْ باستمرار من استيعاب الطلاب. تقول لي: "لا يمكن التأكد من استيعاب الطالب للمادة العلمية المقدَّمة إليه، ما دُمتَ غير قادر على رؤية وجهه". عليك، إذَن، أن تضع في الاعتبار استخدام العناصر التفاعلية مثل الاختبارات القصيرة. تقول لي إن الطلاب ربما يفتقدون التفاعل الاجتماعي. ولذا.. فقد تُسهِم تلك العناصر في إتاحة فرصة الحديث مع أقرانهم خلال الجلسات المباشرة. تُقَسِّم لي الطلاب إلى مجموعات، تتألف المجموعة من خمسة طلاب، أو نحو ذلك، بما يسمح بالتعاون فيما بينهم، ودعم بعضهم لبعض. ومَن لديه من الطلاب سؤال بشأن المحتوى، يطرحه على مجموعته أولًا، ولا يلجأون إليها إلا في حالة عجزهم عن التوصل إلى إجابة مُرضية. وتضيف قائلة: "احرص على أن يتبادل الطلاب المساعدة فيما بينهم، ولا تحاول القيام بكل شيء بنفسك".

حدِّد الطلاب الذين يعانون من صعوبات، ووفِّر لهم الدعم. تشير الدراسات إلى أن جميع الطلاب تقريبًا يواجهون صورةً من صور «التأثير السلبي» على أدائهم لدى الانتقال إلى عملية التعلّم عن بُعد، فيحصلون على درجاتٍ أقلَّ مما كان من الممكن أن يحصلوا عليها في ظروف مغايرة، أو يفشلون في إكمال المساق، وإنْ توفَّرت لهذا المساق كلُّ أسباب النجاح، وذلك حسبما ذكر رايخ (C. M. D. Hart et al. Educ. Finance Policy 13, 42–71; 2017). ويضيف قائلًا: "يكون الوضع أسوأ بالنسبة إلى الطلاب الأكثر عرضة للتأثر". وللتعرف على أولئك الطلاب، يمكن للمحاضرين أن يسألوا الطلاب عمّا إذا كانت تتوفر لديهم خدمة «واي فاي» Wi-Fi قوية، أم لا، ويتحققوا من توافر الأجهزة المطلوبة، ويستفسروا عن مدى قلق الطلاب من الانتقال إلى التعلُّم عبر الإنترنت. يقول رايخ إن أفضل المُحاضرين الذين يُلقون محاضراتهم عبر الإنترنت هم مَن يُجْرُون تقييمات بصورة متكررة، ويتواصلون مع كل طالبٍ على حِدة، عبر مكالمة هاتفية، أو رسالة نصية، أو بالبريد الإلكتروني، وبخاصة الطلاب الذين يعانون من صعوبات.

ويضيف رايخ قائلًا: "لا يجب علينا اعتماد أسلوب «العدوّ أمامكم، والبحر خلفكم» في التدريس عبر الإنترنت؛ إذ ليس هذا التعامل هو الأمثل في خضمِّ جائحة".

 

فيرجينيا جوين كاتبة حرة، تقيم في بورتلاند بولاية أوريجون.