أخبار

تجارب الأدوية تتوقف بسبب فيروس كورونا الجديد

عُلِّقت الدراسات مع توقف الأبحاث الإكلينيكية، نتيجة المخاوف من نقص الرعاية الصحية، ومخاطر التعرض للإصابة بفيروس كورونا الجديد. 

هايدي ليدفورد

  • Published online:
تعطلت الأبحاث الإكلينيكية مع تخصيص المستشفيات المزيد من الموارد لرعاية الحالات الحرجة من المصابين بمرض «كوفيد-19».

تعطلت الأبحاث الإكلينيكية مع تخصيص المستشفيات المزيد من الموارد لرعاية الحالات الحرجة من المصابين بمرض «كوفيد-19».

ALBERTO PIZZOLI/AFP/GETTY

مع بداية عام 2020، كانت نينا نِزار وأسرتها يستعدان لجني ثمار عَقْد من العمل الشاق والتضحيات، إذ كان من المقرر أن تبدأ قبل نهاية العام تجربةٌ إكلينيكية تَختبِر علاجًا تجريبيًّا لحالة الاضطراب الجيني النادر، التي يعاني منها ابناها.

وتقول نينا عن ذلك: "لا يمكنني أن أجد الكلمات المناسبة للتعبير عمَّا تمكنَّا من فعله، كي نصل إلى هذه النقطة. سُحبت خزعاتٌ من عظام أولادي، وتَرَكتُ عملي، وانتقلتُ إلى بلد جديد. لقد سعينا إلى هدفنا بلا توقف"، ثم ظهر مرض «كوفيد-19» COVID-19. وتلقَّت نِزار رسالةً من الباحثين بمعاهد الصحة الوطنية الأمريكية، راحت تقرأها وهي تمسح دموعها في منزلها بولاية نبراسكا، إذ أخبرتها الرسالة بتوقف الدراسات الهادفة إلى تقييم سُمِّية العلاج التجريبي في الحيوانات، نظرًا إلى اضطرار المختبرات إلى إيقاف أنشطتها. وتنامَى إلى علم نِزار أنَّ ذلك ربما ينطبق أيضًا على الشركة التي أوكِلَ إليها تصنيع الدواء؛ لاختباره إكلينيكيًّا.

يعاني ابنا نِزار اضطرابًا تنكسيًّا مؤلمًا، يُعرف باسم «متلازمة يانسن»، أعاق قدرة جسميهما على تنظيم نِسبتَي الكالسيوم والفوسفات، وهو ما تسبب لهما في أضرارٍ في الكلى، وتشوهاتٍ في العظام. وقد خضع ابنها الأكبر -الذي يبلغ من العمر 11 عامًا- لعمليةٍ جراحية واحدة -على الأقل- سنويًّا على مدى السنوات الخمس الماضية. وكلما طال انتظاره لتلقي العلاج التجريبي، قلت إمكانية نجاح العلاج.

وتقول نِزار عن شعور أسرتها حاليًّا: "يسألني ابني طوال الوقت: متى سنُجْري هذه التجربة؟ متى سيمكنني خوضها؟ لا أريد أن أشعر بهذا الألم مرةً أخرى". وتضيف قائلة: "أشعر وكأنَّنا كنا على متن قطارٍ بطيء، ثم أسقط أحدهم صخرةً ضخمة عليه".

جديرٌ بالذكر أنَّ العلماء يسارعون حاليًّا لبدء تجارب إكلينيكية تَختبِر لقاحات تجريبية مضادة لفيروس كورونا الجديد «سارس-كوف-2»، وعلاجات للمرض الذي يتسبب فيه مرض «كوفيد-19»، لكنْ في الوقت الذي تستعد فيه المستشفيات لتدفق أعدادٍ هائلة من المرضى ذوي الحالات الحرجة، وتتعطل أعمال المختبرات في جميع أنحاء العالم، اضطر الباحثون إلى إيقاف التجارب الإكلينيكية الخاصة بعلاجات الأمراض الأخرى، إذ يقول تيم داير، الرئيس التنفيذي لشركة «أديكس ثيرابيوتكس» Addex Therapeutics، وهي شركة تقنيات حيوية، مقرها مدينة جنيف السويسرية: "سنشهد توقفًا شبه تام للأبحاث الإكلينيكية". وعلى حد قوله... "ببساطة، سيفوق العبء قدرة أنظمة الرعاية الصحية". ومن ثم، في الثامن عشر من مارس، أعلنت الشركة أنَّها ستؤجل بدء تجربةٍ إكلينيكية تهدف إلى اختبار علاجٍ للحركات اللاإرادية لدى الأشخاص المصابين بمرض «باركنسون».

وفي جامعة ييل بمدينة نيو هايفن في ولاية كونيتيكت الأمريكية، يقول الباحث روي هيربست المتخصص في سرطان الرئة إنَّ التجارب الإكلينيكية الخاصة بمرض السرطان خُفِّضَ عددها إلى "الصفر تقريبًا"، ولم يَعُد يُسمح بإجرائها، إلا إذا اعتُبر المُشارِك في حاجةٍ استثنائية إلى العلاج.

وأضاف هيربست: "لقد توقفت التجارب برمتها حقًّا، وأشعر بالأسى لأنَّ هناك مرضى، كان من المحتمل أن يستفيدوا من تلك التجارب". وأوضح أنَّ تلك الإجراءات ضرورية، لأنّ كثيرًا من المصابين بأورامٍ سرطانية في مراحل متقدمة عرضةٌ للإصابة بالعدوى، وذهاب المرضى إلى العيادات للعلاج والتقييم ربما يفتك بهم في حالة تَعَرُّضهم لفيروس كورونا الجديد.

وقد اضطر هيربست إلى أن يطلب من ثلاثة أرباع زملائه في قسم الأورام بجامعة ييل ألا يأتوا إلى المستشفى، لتقليل خطر إصابتهم بالعدوى. وبدلًا من ذلك.. ينتظر هؤلاء كطاقمٍ احتياطي، للمساعدة في علاج المصابين بمرض «كوفيد-19»، إذا أصيب الطاقم الأول من الأطباء الإكلينيكيين بالعدوى. وحتى الإجراءات الروتينية، مثل سَحْب الخزعات، التي تُعَد شرطًا في بعض الأحيان للمشاركة في التجارب الإكلينيكية، أصبح من الصعب حاليًّا تحديد مواعيدها، بينما تعاني المستشفيات من نقص الموظفين والمُعِدّات.

كيف تكيفت الوكالات مع الوضع؟

أصدرت الوكالات الحكومية إرشاداتٍ للباحثين الذين يحتاجون إلى تعليق التجارب، أو تعديلها. فعلى سبيل المثال.. أصدرت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية إرشاداتٍ تخصّ التجارب التي قد تُضْطَر إلى التوقف، أو تغيير تصميم خطتها البحثية، أو الاكتفاء بالبيانات المتاحة غير المكتملة، بسبب جائحة «كوفيد-19». وفي ذلك الصدد.. تقول باربرا بيرر -التي تدير المركز متعدد المناطق للتجارب الإكلينيكية، التابع لكلٍ من مستشفى بريجام للنساء، وجامعة هارفارد في مدينة بوسطن بولاية ماساتشوستس- إنَّ لجان الأخلاقيات تعمل وقتًا إضافيًّا؛ للنظر في الطلبات التي يقدمها الباحثون لتغيير خطط تجاربهم الإكلينيكية، بحيث يقل عدد المرات التي يحتاج فيها المشاركون إلى زيارة العيادات.

ويضيف تشارلز بلانك -عالِم الأورام في جامعة أوريجون للصحة والعلوم بمدينة بورتلاند، ومدير شبكة أبحاث السرطان «إس دابليو أو جي» SWOG التي تمولها الحكومة الأمريكية- أنّ مسؤولي الوكالات والممولين -على حد سواء- قد أبدوا مرونةً ملحوظة في التعامل مع الوضع. فعلى سبيل المثال.. أعلن المعهد الوطني الأمريكي للسرطان في الثالث والعشرين من مارس أنَّه سيسمح للباحثين الذين يموِّلهم بتقييم صحة المشاركين في التجارب عن بُعْد، متى أمكن. وسيُتاح لبعض الأطباء إجراء بعض تقييماتهم عبر مكالمات الفيديو، وإتمام بعض عمليات التدقيق في إجراءات التجارب الإكلينيكية عبر الوسائل الإلكترونية، وسيفحص المفتشون المستندات عبر الإنترنت، بدلًا من زيارة العيادات لتقييم معايير التجارب.

ويقول بلانك إنَّ إصدار هذه الإرشادات سريعًا مُطَمْئن للغاية، لأَّن مواقع كثيرة من تلك التي تُجرَى فيها التجارب الإكلينيكية لم تخطط لجائحةٍ مثل «كوفيد-19»، وذلك على الرغم من تحذيرات الخبراء من أنَّ جائحةٍ كهذه ستحدث حتمًا. وأضاف بلانك أنه بعد انتهاء الجائحة، سيصبح الباحثون الإكلينيكيون أفضل استعدادًا، وسيستفيد كلٌّ من الباحثين والمرضى لفترةٍ طويلة من الزيادة الحالية في إمكانية إجراء الزيارات الافتراضية.

هذا.. ولكنَّ التأثيرات طويلة المدى للجائحة على اللوائح المنظِّمة لعمليات تطوير الأدوية لم تتضح بعد. وتقول بيرر: "ستتعطل هذه العمليات بالتأكيد. وغير معروف في الوقت الراهن ما إذا كان هذا التأخير سيسفر عن تأخير الموافقات النهائية، أم لا".

وحالة الارتباك هذه هي ما يؤرق نِزار. وهي قلقة من أنَّ مخاوفها قد تنم على ضرب من الأنانيةً في مواجهة المعاناة العالمية التي يسببها الوباء، لكنَّها تعي أيضًا أنَّ التأخير في التجربة الإكلينيكية الخاصة بابنيها قد يستمر إلى ما بعد انتهاء شهور العزلة الاجتماعية، والإجراءات المقيِّدة للحركة بكثير.

وتقول نِزار إنّ أفضل ما تأمل فيه الآن هو أن تستقي الجهات التنظيمية العبرة من السرعة والعجلة اللتين وصلت بهما اللقاحات الواعدة لمرض «كوفيد-19» إلى مرحلة التجارب الإكلينيكية، دون أن تمر ببعض الاختبارات المعتادة التي تُجرى أولًا على الحيوانات. وتريد نِزار أن تُعامَل تجارب علاجات الأمراض النادرة بالسرعة والعجلة نفسيهما.

وختمت قائلةً: "لقد كنا نعيش دائمًا في حالةٍ من الذعر، وحاليًّا يشهد العالَ-م لمحةً من الواقع الذي نعيشه".