افتتاحيات

واجبات المستشارين العلميين لمواجهة "كوفيد-19"

يجب العمل بتوصيات منظمة الصحة العالمية، والتوقف عن سياسات التكتم في صناعة القرارات، والتعاون على المستوى العالمي.

  • Published online:
يجب أن يدافع المستشار العلمي للولايات المتحدة أنتوني فاوتشي (في يسار الصورة) عن التعاون الدولي.

يجب أن يدافع المستشار العلمي للولايات المتحدة أنتوني فاوتشي (في يسار الصورة) عن التعاون الدولي.

Andrew Harrer/Bloomberg/Getty

"إن بعضًا من أهم القرارات المرتبطة بالصحة البدنية لأفراد الأمم، يكون اتخاذها من عدمه في أيدي حفنة من الأشخاص، على نحو لا نعرف عنه شيئَا".

 قبل ما يقرب من ستين عامًا، كَشَفَ تشارلز بيرسي سنو –الكيميائي، والكاتب، والموظف الحكومي- في كتابه «العلم والحكومات» Science and Government عن أن المشورة العلمية المقدَّمة إلى الحكومات خلال فترة الحرب العالمية الثانية كانت تفتقر -بدرجة صادمة- إلى الأدلة التي تبرر توصياتها. وفي الوقت الذي يهدد فيه العالم خطر الوقوع في براثن واحدة من أسوأ كوارث تفشي الأمراض المعدية التي شهدها القرن الحالي، تبقى ملاحظات سنو مهمة بقدر ما كانت بالأمس. 

ففي جميع أنحاء العالم، تستجيب الدول لجائحة فيروس كورونا الجديد بإجراءات لم يسبق اتخاذها، إلا في أوقات الحرب. فالحدود تُغلَق، وتُوضَع مجتمعات تحت الحجر الصحي؛ وتُلغَى التجمعات؛ وتُغلَق المطاعم. أما المصانع، وغُرَف الفنادق، فتُصادر. 

ومع ذلك.. ففي العديد من البلدان –من بينها الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة– تتخذ الحكومات قرارات حاسمة سرًّا، وتصدر البيانات قبل أن تنشر الأدلة التي تستند إليها قراراتها. وهذه ليست الطريقة التي يجب أن تعمل بها الحكومات، إذ يجب أن تنتهي حالة التكتم هذه. 

وفي الوقت الذي تتحول فيه أوروبا إلى بؤرة تفشٍ جديدة لمرض «كوفيد-19»، ويستمر تزايُد حالات الإصابة في كل بلد تقريبًا من البلدان التي ضربها هذا المرض، يجب اتخاذ ثلاثة تدابير على وجه السرعة. 

أولًا: اتباع توصيات منظمة الصحة العالمية

لم تعلن الولايات المتحدة الأمريكية، ولا المملكة المتحدة سبب عدم التزامهما بتوصيات منظمة الصحة العالمية، التي تنص على إجراء فحوص مكثفة، وواسعة النطاق، وتتبُّع أكبر عدد ممكن من حالات الإصابة بـ«كوفيد 19»، فضلًا عن عزل هذه الحالات. وتعلل كلتا الدولتين لذلك بأنهما تتلقيان المشورة من مجموعة من أفضل علماء الفيروسات وعلماء الأوبئة في العالم. وهذا صحيح، لكنْ في الوقت نفسه، لا يمكن لأي حكومة أن تصل إلى مستوى خبرة منظمة الصحة العالمية التراكمية والمكتسَبة من تجارب فعلية. وبالإضافة إلى أن المنظمة قد تعلمت دروسًا فيما يتعلق بالتعامل مع حالات تفشي الأمراض، بداية من «المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة»، (سارس) SARS، إلى مرض الإيبولا. وقد شددت المنظمة على أن التدابير الدارجة تحت مسمَّى «احتواء المرض» ضرورية، إلى جانب إجراءات بعينها، مثل المباعَدة الاجتماعية، والرعاية الإكلينيكية السريعة في المناطق التي تنتشر فيها عدوى المرض على نحو مستمر. 

وحتى الآن، فإن إجراء فحوص مكثفة وواسعة النطاق على المصابين، وكذلك إخضاع مخالطيهم للحجر الصحي، ليسا من بين السياسات المعلَنة ذات الأولوية في الولايات المتحدة، حيث تتعرقل الجهود المبذولة لمكافحة مرض «كوفيد-19»، نتيجة نقص اختبارات تشخيص المرض، وعدم وجود نظام صحة عامة متماسك. أما المملكة المتحدة، التي تجري فيها إدارة شؤون الصحة العامة  بمركزية أكبر، فقد وَضَعَت في حيز التنفيذ نظام فحوص محدودًا، لكنها تحاول الآن تكثيف جهودها في هذا الاتجاه، مثلما تفعل دولٌ أخرى. وعلى النقيض.. فقد طبّقت الصين وكوريا الجنوبية –وكلتاهما مستمرتان في ذلك– إجراءات احتوائية أقوى بكثير منذ بداية الأزمة، على الرغم من اختلاف الإجراءات التي اتخذها كل بلد منهما في تخفيف حدة الوضع. واليوم، أصبح معدَّل ظهور حالات جديدة يوميًّا في كلا البلدين أقل، مقارنة بالمعدلات التي كانت في ذروة انتشار الفيروس.

ونادرًا ما توجِّه منظمة الصحة العالمية انتقادًا إلى الدول الأعضاء التي تُعتبر من أكبر جهاتها المانحة، لكنّ المدير العام تيدروس أدهانوم جيبريسوس كان قاطعًا عندما قال خلال الأسبوع الثاني من مارس الماضي: "إن فكرة انتقال الدول من احتواء الوباء إلى التخفيف من آثاره، لهي فكرة خاطئة، وخطرة"، مضيفًا: "لا يمكننا محاربة فيروس إذا كنا لا نعرف مناطق انتشاره. وهو ما يعني وجوب تطبيق مراقبة صارمة لتشخيص كل حالة، وعزْلها، وإجراء الاختبارات عليها، ومعالجتها، بهدف كسر سلاسل نقل العدوى".

وخلال الأسبوع الثالث من شهر مارس المنصرم، أكد جيبريسوس على النقطة نفسها مرة أخرى، بقوله: "إن الطريقة الأكثر فعالية للوقاية من العدوى وإنقاذ الأرواح هي كسر سلاسل انتقال العدوى. ولتحقيق ذلك.. يجب إجراء الفحوص، ثم عزل المصابين، إذ لا يمكن للمرء مكافحة حريق وهو معصوب العينين. ولا يمكننا وقْف انتشار هذه الجائحة، إذا كنا لا نعرف مَن هم المُصابون". 

ثانيًا: نشر الأدلة العلمية، وتبنِّي النشر المفتوح للأبحاث

منذ بداية تفشي الجائحة، قاد باحثون من شتى أنحاء العالم جهود تبادُل المعلومات والبيانات. وقد التزمت دورية Nature بجعل جميع البحوث والبيانات المتعلقة بفيروس كورونا مفتوحة الوصول، مُشتَرِكة في ذلك مع غيرها من الزملاء في مجال نشر البحوث العلمية الدولية. فنحن بحاجة ماسة إلى مشاركة البيانات، بدءًا من تسلسل جينات الفيروس، حتى دراسات علم الأوبئة، وذلك لتتبُّع كيفية انتشار الفيروس، ورصد الكيفية التي يمكن بها كبح هذا الانتشار.

يتوجب كذلك على قادة الأبحاث ممن يعملون لدى الحكومات، ويقدمون لها المشورة، أن ينتهجوا الإجراء نفسه.. فإتاحة الوصول المفتوح للأبحاث، ومشاركتها، تُترجَمان إلى أبحاث أفضل، لأنهما تسمحان لمجموعة أوسع من الخبراء بالتحقق من الفرضيات، والتأكد من صحة الحسابات، وتمحيص الاستنتاجات، وتحديد الأخطاء وتفنيدها. ولسوء الحظ، فإن الأدلة التي تستند إليها التوصيات العلمية الموجهة إلى الحكومات لا تُقَدَّم بالدرجة الكافية.

تتجلى عواقب عدم نشر هذه الأدلة في قرار المملكة المتحدة المثير للجدل بتأخير الإغلاق الإلزامي للمدارس وأماكن العمل، وهو قرار وضعته دول أخرى في حيز التنفيذ. وجزء من الأسباب الأُولَى التي تُساق تبريرًا لهذا التأخير، حسبما يوضح كبير المستشارين العلميين باتريك فالانس، تدخل فيه فرضيةٌ، مفادها أن إصابة الأصحاء بمرض بسيط من شأنه أن يساعد على تعزيز مناعتهم، وأنه إذا أصبح المزيد من الناس محصَّنِين مناعيًّا، فسوف يقلل ذلك من معدلات انتقال الفيروس. ووفقًا لهذا المنطق، فإن خطوة كهذه ستؤخِّر أيضًا الوصول إلى ذروة العدوى، وتُضْعِف من شدتها، لكنْ لم يُكْشَف عن أدلة وراء هذا النهج. وكما هو متوقَّع... تشكِّك العلماء فيه، ومن بينهم علماء الأوبئة، وغيرهم من المتخصصين في الأمراض المعدية. وتَرَتَّب على ذلك أن هذا النهج لم يَعُد جزءًا من سياسة المملكة المتحدة للتعامل مع الجائحة.

ويتفهم الباحثون أن التغيير المفاجئ في السياسات سيكون ضروريًّا، وسط وَضْع سريع التغيُّر، ينطوي على الكثير مما هو مجهول، إلا أن الحكومات تخاطِر بفقدان الثقة في سياساتها، إذا ما أعلنتها قبل نشر البيانات والنماذج والافتراضات التي تَعتمِد عليها هذه السياسات.

ويبدو كما لو أن الوزراء ومستشاريهم العلميين قد ارتدّوا إلى نموذجٍ ساد في الحرب العالمية الثانية في اتخاذ القرارات، عندما كانت القرارات تُتَّخَذ في مجموعات صغيرة نسبيًّا، ثم في وقت لاحقٍ تُنشَر الأبحاث والبيانات، وتُجرَى المقابلات، وتُكتَب المقالات. ويحتاج السياسيون ومستشاروهم العلميون إلى مواكبة العصر، وتبنِّي سياسة البحث العلمي المفتوح. كما تجب عليهم الاستعانة بمجموع خبرات علماء الفيروسات، والمتخصصين في علوم الأوبئة، وباحثي علوم السلوك، وغيرهم ممن يمكنهم مساعدتهم على التحقق من نماذجهم بشكل أفضل، وبالتالي تحسين قراراتهم. ويمكن في الوقت الحالي الاستفادة من كل هذه الخبرات من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. وهذا بات محتَّمًا الآن، في الوقت الذي يتخذ فيه الوزراء ومستشاروهم قراراتٍ يَعتمِدُ عليها مستقبَل حياة البشر، والنظم الاقتصادية، على حد سواء. 

ثالثًا: التعاون الدولي سينقذ الأرواح

لا شك أنه من الصعب على مستشاري الشؤون العلمية والطبية لدى الحكومات تأييد نهج قائم على المزيد من التعاوُن والشفافية، في الوقت الذي نجد فيه بعض قادتهم –خاصة  الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وإدارته– متشككين في جدوى التعاون الدولي، بل ويستعيضون عنه باتخاذ قرارات من جانب واحد. فعلى سبيل المثال.. اتُّخِذ قرار حظر الرحلات الجوية من الصين، وإيران، ومن الدول الأوروبية لاحقًا، من جانب الولايات المتحدة فقط، دون استشارة غالبية هذه الدول، ودون نشر دليل حول الكيفية التي ستجعل من قرار حظر الطيران طريقةً لإبطاء انتشار فيروس يتفشى بالفعل داخل بلد ما.

ولكنْ يجب على المستشارين أن يثابروا في جهودهم، وعليهم إقناع قادتهم بأنّ العمل الجماعي المنظَّم هو في مصلحة الجميع. وفي حال الاختلاف -على سبيل المثال- مع تحليل منظمة الصحة العالمية للوضع، ينبغي لهم توضيح السبب. فلهزيمة جائحة في عالَمٍ متشابِك مثل عالمنا، يجب على الدول تقديم أدلة كاملة تنبئ عن شفافيةٍ لدعم قراراتها، وأن تكون على استعداد لتبادل هذه الأدلة؛ حتى تتمكن من هزيمة الفيروس معًا.