كتب وفنون

من بويضة إلى حيوان: المراحل الأولى في حياة الجنين

باحثةٌ رائدة متخصصة في البيولوجيا النمائية تتأمّل الرحلة الملحمية لنمو الأجنة، في كتابٍ تعرضه سارة فرانكلين.

سارة فرانكلين

  • Published online:
صورة ملتقطة بالمجهر الإلكتروني الماسح لجنينٍ بشري في المراحل الأولى من انقسام الخلية.

صورة ملتقطة بالمجهر الإلكتروني الماسح لجنينٍ بشري في المراحل الأولى من انقسام الخلية.

تتطلب دراسة المراحل المبكرة لنمو البشر وغيرهم من الثدييات الأخرى قدرًا هائلًا من البراعة والجَلَد، إذ إنَّ أجنة الثدييات لا تكون جليّة للعيان، بعكس أجنة قنفذ البحر الشفافة، على سبيل المثال. وثمة سببٌ آخر يجعل دراسة نمو تلك الأجنة عمليةً صعبة، وهو التوقيت والتسلسل الدقيقَين لمراحل نموها، التي تَنْتُج عنها كائناتٌ شديدة التعقيد. لذا.. فقصة نجاح محاولات العلماء المبتكرة في فك شفرة كثيرٍ من الآليات الأساسية لنمو تلك الأجنة على مدار القرن الماضي، كثيرًا ما تكون مثيرةً بقدر إثارة ما اكتشفوه في أبحاثهم.

وإحدى الشخصيات الأهمّ في تلك القصة هي الباحثة ماجدالينا زيرنيكا جوتز، إذ كانت من رواد علمَي البيولوجيا النمائية، والخلايا الجذعية لعقود من الزمن، واستطاعت في أبحاثها تحديد الإيقاع الزمني الذي يحسم  مصير الخلايا في المرحلة المبكرة لنمو أجنة الثدييات. ومن بين اكتشافاتٍ أخرى، نجح مختبرها في تطوير نظامٍ متقن لزراعة الخلايا، يمكنه تمديد فترة نمو الجنين البشري في المختبر (M. N. Shahbazi et al. Nature Cell Biol. 18, 700–708; 2016)، وهو ما وفر نموذجًا فعالًا لإجراء البحوث الأساسية على الأجنة، قد تُحسِّن فهْمنا لمشكلة فقدان الحمل. وكتابها «رقصة الحياة» The Dance Of Life، الذي شاركها في تأليفه الصحفي العلمي روجر هايفيلد، هو وصفٌ تفصيلي مَبْنٍ على تجربتها الشخصية للتغيرات التقنية المذهلة، والاكتشافات التي شهدها مجالها. وهو أيضًا روايةٌ شخصية عن رحلةٍ علمية مستمرة طويلة، مليئة بالفشل، والإرهاق، والمثابرة، بقدر ما تحويه من رؤى جديدة مثيرة.

بالدرجة الأولى، يسرد الكتاب –الذي استغرق إعداد نسخته الأولية 15 عامًا– العملية المذهلة التي تتحول فيها بويضةٌ ثديية كروية مفردة إلى أنبوب، يحتوي على جميع أنواع الخلايا الجذعية اللازمة لبناء مخطط الجسم بأكمله، وذلك خلال بضعة أيامٍ فقط (انظر: go.nature.com/2vgrjpw).

ومن الجدير بالذكر أنه حتى أوائل العقد الأول من القرن الحالي، كان يُعتقَد أنَّ هذا التنوع في الخلايا ينشأ من خلايا تتسم بالتطابق في البداية. وعلى سبيل المثال.. كان يُفترض أنَّ جميع الخلايا في مرحلة الخلايا الأربع قادرةٌ بالدرجة نفسها على إنشاء جميع أنواع الخلايا، في حالة تُعرَف باسم "التماثل كُلِّيّ القدرة"، لكنْ اتضح أنَّها ليست كذلك، إذ كانت قد طُرحت فرضيةٌ أخرى، تُعرف باسم فرضية «القطبية»، على يد مجموعة عالِم الأجنة مارتن جونسون، التي كانت تعمل في جامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة في أواخر السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي. وتشير تلك الفرضية إلى أنَّ الاختلافات التي تنشأ في كل خلية من خلايا الجنين في مراحله المبكرة يمكنها أن تصبح أساسًا لمجموعات خلايا مختلفة، أو ما يُعرف بسلالات الخلايا. وبالتالي، سعت زيرنيكا جوتز لفهم أهمية انعدام التماثل في تحديد أي الخلايا ستتحول إلى أنواعٍ بعينها، وتوقيت تلك العملية، وسببها، وكيفيتها.

وأكدت الباحثة من خلال عملها أنَّ المرونة الخلوية الشهيرة، التي يتسم بها الجنين في مراحله المبكرة، لا تنشأ من تماثل الخلايا، وإنَّما من اختلافها. وتمكنت الباحثة -من خلال عدة أدوات- من رصد تشكُّل الأنماط النمائية في بداية نمو الجنين. وأحد تلك الأدوات كان البروتين الفلوري الأخضر، وهو جزيء مأخوذ من قنديل البحر، يتوهج تحت ضوء الأشعة فوق البنفسجية، ويمكن استخدامه لوسم الخلايا المفردة، بحيث يستطيع الباحثون وضع خريطة لتحركاتها. وقد مكّنت هذه الأداة فريق الباحثة من تتبُّع المصائر المختلفة للخلايا الجنينية خلال المراحل القليلة الأولى من الانقسام الخلوي. وتُمثِّل جهود تنقيح هذه المنهجية الشاقة -والفعَّالة في الوقت نفسه- عنصرًا رئيسًا في الكتاب.

رقصة الحياة: المستجدات العلمية حول كيفية تحوُّل خليةٍ واحدة إلى إنسان ماجدالينا زيرنيكا جوتز، وروجر هايفيلد  دار نشر بايزك (2020)

رقصة الحياة: المستجدات العلمية حول كيفية تحوُّل خليةٍ واحدة إلى إنسان ماجدالينا زيرنيكا جوتز، وروجر هايفيلد دار نشر بايزك (2020)

أمَّا الأداة الأساسية الأخرى التي ساعدتها، فكانت النموذج النظري لمبدأ انعدام التماثل، بوصفه الأصل الذي تنشأ عنه الأنماط المختلفة، والذي طرحه عالِم الرياضيات ألان تيورِنج. ففي ورقةٍ بحثية ألّفها هذا العالِم قبل وفاته بعامين، ونشرها في عام 1952، تحت عنوان «الأساس الكيميائي للتشكُّل»، وصف كيف يمكن لمادتين كيميائيتين متفاعلتين تتسمان بمعدلَي انتشار مختلفين أن تُنتِجا نمطًا مستقرًّا، وهي عملية عُرِفت فيما بعد باسم «نظرية التفاعل والانتشار»، (A. M. Turing Phil. Trans. R. Soc. B 237, 37–72; 1952).

هل يُحتمل إذَن أن تكون الاختلافات الطفيفة بين الخلايا الجنينية في المراحل المبكرة كافيةً لإنشاء سلالات مختلفة من خلايا الدماغ، والدم، وما إلى ذلك؟ للإجابة على ذلك السؤال، كان على زيرنيكا جوتز أن تقارن بين الخلايا التي تنقسم بطرقٍ مختلفة، وذلك لاختبار ميول هذه الخلايا الموروثة نحو اتباع مسارات نمو محددة.

لذا، في بداية الألفية، ومن خلال ما وصفته الباحثة بمجموعةٍ من التجارب "الشاقة"، أجرت هي وفريقها يدويًا عمليات تجميع وتفكيك وإعادة تجميع لأنسجة غير متماثلة مُرمَّزة بألوانٍ مختلفة، ومكونة من خلايا فئران ذات قطبية معينة، مأخوذة من أجنةٍ مختلفة، وتمر بمرحلة الانقسام الخلوي الأَوّلِى. واستخدم الباحثون هذه النماذج المصنوعة يدويًّا، لتتبع أنماط الانقسام الخلوي اللاحقة، ومقارنتها، وذلك باستخدام الواسمات الفلورية مرةً أخرى. وبحلول عام 2005، كانوا قد تتبعوا مصائر مئاتٍ من الخلايا في الأنسجة غير المتماثلة، وعدة آلافٍ من الخلايا في الأجنة. وأشارت النتائج إلى أنَّ الهويّات الخلوية المختلفة قد أثَّرت على مصير الخلية، بدايةً من انقسام الخلية الأولى إلى خليتين، وانقسام الخليتين إلى أربع. وقوبلت الأوراق البحثية للفريق، واحدةً تلو الأخرى، بالرفض من قِبل المراجعين المتشككين، لكنْ بدأ الرأي المُجْمَع عليه أخيرًا في التغير حين أصبحت الأدلة غير قابلة للدحض.

"لم تُترجم حتى الآن إمكانات حقل التصميم البيولوجي هذا إلى علاجاتٍ إكلينيكية. وما زال المجال يواجه تحدياتٍ اجتماعية وأخلاقية كبيرة". 

ولِكَشْف تفاصيل أكثر عن رقصة الحياة هذه، كانت هناك حاجةٌ إلى طرق رصدٍ أفضل، منها الصور المباشرة. وقد تَحَقَّق ذلك على مدار العقد الماضي، بفضل القدرة على تصوير المراحل الأولى من نمو الجنين في المختبر، وتمديد الفترة الخاضعة للدراسة إلى ما بعد اليوم الحادي عشر، أو الثاني عشر، وحتى الحد القانوني البالغ 14 يومًا، المتعلق بدراسة الأجنة البشرية المزروعة في المختبر، والمُطبَّق في كثيرٍ من البلدان. ففي هذا الوضع، يمكن للباحثين تفحُّص "الصندوق الأسود لعملية الانغراس في المختبر"، على حد تعبير زيرنيكا جوتز.

وهذه التقنيات تُكمِلها المعلومات المتوفرة سريعة الازدياد عن مسارات التأشير الجزيئي الأساسية المرتبطة بنمو الأجنة، بالإضافة إلى استخدام الأنسجة شبه العضية التي تزداد تطورًا، إذ إنَّ هذه البِنَى المزروعة في المختبر، والشبيهة بالأجنة، أصبحت حاليًّا معقدةً لدرجةٍ تتيح حثها على المرور بعملية تَكَوُّن المُعَيْدة، وهي العملية التي تُطوِّر من خلالها الخلايا طبقاتٍ تؤدي -في الواقع- إلى تكوين البِنْية الداخلية للكائن الحي. ومن خلال أدوات التعديل الجيني، مثل «كريسبر»، أدّت القدرة على نمذجة عملية تشكُّل الجنين، وإعادة توجيهها والتحكم فيها إلى بداية عهدٍ جديد في مجال البيولوجيا التخليقية.

لم تُترجم حتى الآن إمكانات حقل التصميم البيولوجي هذا إلى علاجاتٍ إكلينيكية. وما زال المجال يواجه تحدياتٍ اجتماعية وأخلاقية كبيرة. وفي الكتاب، تعبِّر زيرنيكا جوتز بأسلوبٍ جذاب عن تجربتها الخاصة مع حالة حملٍ، شُخِّصَ فيها الجنين بأنَّه عرضةٌ للإصابة بتشوهاتٍ كروموسومية حادة، عبر أخذ عيناتٍ من الزغابات المشيمية (لكنَّ مولودها خرج إلى الدنيا بصحةٍ جيدة).

وأحد الموضوعات الرئيسة التي يتناولها الكتاب هو التأثير القوي لهذه التجربة على رغبتها في فهْم الكيفية التي تصنّف بها الأجنة خلاياها، وتنظمها في المراحل المبكرة من النمو. وتتأمل المؤلفة كذلك في كتابها التحديات التي واجهتها كامرأة تعمل في المجال العلمي، والموازنة بين العمل والحياة الأسرية، فضلًا عن المعارضة التي لاقتها من نظرائها بشأن النتائج التي توصلت إليها.

ولا شك أنَّ وصف زيرنيكا الصادق، الذي ينبئ عن شغف لمدى تعقيد مهنة البحث العلمي، سيروق للكثيرين. فالكتاب بمثابة سرد تأريخي، يصوِّر الإثارة الفكرية التي تنطوي عليها العلوم البحتة، والتشويق المصاحب للسعي وراء المعرفة، وحِدَّة التقلبات الشعورية على طول الطريق المؤدي إلى تلك الاكتشافات، القادرة على إحداث تحولاتٍ كبرى.

سارة فرانكلين رئيسة قسم علم الاجتماع، ومديرة المجموعة البحثية لعلم الاجتماع الإنجابي في جامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة.

البريد الإلكتروني: sbf25@cam.ac.uk