كتب وفنون

ماري كوري على شاشة السينما

الفيلم الذي يروي سيرة رائدة حقل النشاط الإشعاعي يفشل في جذب المشاهدين.

جورجينا فيري
  • Published online:
روزاموند بايك تلعب دور ماري كوري في فيلم «مُشع» Radioactive.

روزاموند بايك تلعب دور ماري كوري في فيلم «مُشع» Radioactive.

StudioCanal and Amazon Content Services

فيلم «مُشع»

المخرجة: مارجان ساترابي

إنتاج شركات: «شوبوكس»، و«وركينج تايتل»، و«ستوديو كنال»، (2019)

السطوح في فيلم «مُشعّ» Radioactive تخطف الأنظار.. فالتفاصيل كلها تلتقطها الكاميرات بحرص، ويُسلَّط عليها الضوء بعناية، مثل: الأرصفة الباريسية المُعَبَّدة بالحصى، والمغسولة بمياه المطر، وكذلك السُّبّورات السوداء، والأواني الزجاجية المختبرية، والمنسوجات من الكتان والصوف، بل أيضًا –وهو المفاجئ– الجلد البشري العاري، بيد أن موضوع الفيلم الأساسي يدور عمّا يعتمل في داخل الأشياء: في الذرات، بطبيعة الحال، وكذلك في عقل امرأة استثنائية، وفي قلبها. يدور الفيلم عمّن كانت ماري كوري، وكيف أصبحت الشخص الوحيد الذي فاز بجائزة نوبل في فرعين مختلفين من العلوم. وفيلم «مُشع» يعطينا جزءًا من الإجابة فحسب.

تبدأ الأحداث في تسعينات القرن التاسع عشر مع عالمة الفيزياء البولندية الشابة ماري سكودوفسكا، التي تلعب دورها الممثلة روزاموند بايك (التي تلقَّت دروسًا خاصة في مجالَي الكيمياء، والفيزياء على يد إليزابيث جيبني، كبيرة المراسلين في دورية Nature).  أقامت ماري في باريس، وعملت باحثة مستقلة هناك، حيث قاومت -دون جدوى- تعنتًا في مَنْحها موارد التمويل اللازمة لمواصلة بحثها حول خواص الصُّلب، مِن قِبَل البروفيسور جابريال ليبمان (الذي جسّد دوره بسهولةٍ الممثل الملتحي سيمون راسيل بيل). أمّا الأحداث التي أدت بها إلى ترك مدينة وارسو متوجهة إلى باريس، وما ألهم شغفها بالعِلْم، فهي مسائل متروكة لخيال المشاهد.

بعد ذلك.. تتكشف الأحداث في الفيلم، وتتوالى اللحظات المهمة في مسيرة كوري المهنية، إذ تصطدم ماري -بمعنى الكلمة- ببيير كوري (يلعب دوره سام رايلي) أثناء سيرها في الشارع! وترفض ماري -في البداية- عرضه بتوفير مساحة لها في مختبره، ثم تقبل هذا العرض! ويعطي ببير لماري جهاز قياس فرق الجهد الكهربائي، وتُوَافِق على التعاون معه في دراسة خصائص اليورانيوم! فيقعان في الحب، ويسبحان عاريَين! وعندئذ، بدا الأمر وكأنني أشاهد رواية مصّورة. وفي وقت لاحق فحسب، تذكرتُ أن المخرجة الإيرانية الفرنسية مارجان ساترابي حققت شهرتها -في الأساس- من سلسلة الروايات المصوّرة «بيرسِبوليس» Persepolis، التي نُشرت بين عامي 2000، و2003.  

التصرّف في الحقائق

تتفاوت الدقة التاريخية لهذه اللقطات المصوّرة. وعلى الرغم من أن التصرّف الدرامي مشروع، إلا أن هناك حدودًا لذلك؛ وأحد الأمثلة الصارخة -على وجه التحديد- هو المشهد الذي يعود فيه بيير من ستكهولم، بعد إلقاء خطاب فوزه بجائزة نوبل، ليصطدم بغضب ماري وهي تلتقط ألعاب أبنائها من الأرض، وتوبخه على تعامله معها وكأنها "مجرد زوجة". وفي حقيقة الأمر، رفض ببير قبول جائزة نوبل في الفيزياء عام 1903، ما لم تشمل الجائزة زوجته، بوصفها شريكًا مساويًا له. ولم يحضر أي منهما مراسم منح الجائزة في ذلك العام، وعاد كلاهما إلى استكهولم بعد ذلك بعامين، عندما ألقى بيير المحاضرة بالفعل.

كان الفيلم أكثر نجاحًا في إعادة تشكيل عناصر هذه الحقبة الزمنية، حيث صَوَّر سقيفة التخزين الخالية من الأثاث، التي أحالتها ماري وزوجها إلى مختبر لإجراء معظم تجاربهما المهمة، وكذلك الثياب قاتمة السواد والزرقة، التي كانت تفضِّلها ماري كوري، لأنها كانت تخفي ظروف عملها شديدة القذارة، وهي تسحق أطنانًا من اليورانينيت داخل حوض استحمام، بغرض استخراج العناصر المشعّة منه، وتحليلها.

بذلت روزاموند بايك قصارى جهدها لإضفاء بعض الجوانب الخفية النفسية على سيناريو لا يبدو تلقائيًّا، ويحشو المعلومات حشوًا. على سبيل المثال.. وجود ضيف على درجة كافية من الجهل يتيح الفرصة لمقدمة عن علوم الفيزياء الذرية، أثناء وجود الجميع على طاولة العشاء (وللتيسير على المشاهد، يصاحب الحديث أيضًا عرض مصوّر). وبايك لا تسنح لها إلا فرص قليلة للخروج من عباءة عاطفتي الغضب والإحباط. من بين هذه الفرص -على سبيل المثال- تلك اللحظة المؤثرة بصدق، التي تُظْهِر ماري وحدها وقد رضخت لمشاعر الحزن لوفاة بيير المفاجئة في عام 1906 في حادث سير.

ومع ذلك.. كان الثنائي الأكثر إمتاعًا في هذا الفيلم هو ماري وابنتها إيرين (لعبت دورها آنيا تايلور جوي) التي تبلغ من العمر 17 عامًا، عندما أسستا وحدات تصوير إشعاعي متحركة أثناء الحرب العالمية الأولى، وجلبتاها إلى ميدان القتال لفحص الجنود الجرحى بالأشعة السينية، ومنع عمليات البتر غير الضرورية التي كان يجريها الجرّاحون العسكريون المتحمسون للبتر دون تدقيق. ويعرض لنا الفيلم كذلك فخر ماري بأبحاث ابنتها حول النشاط الإشعاعي الاصطناعي، تلك الأبحاث التي ستكفل للابنة -مع زوجها فيردريك جوليو- الفوزَ بجائزة نوبل الخاصة بهما، بعد عام واحد فقط من وفاة ماري.

هذا.. ولكن ما مدى قوة إقناع هذه الصورة المرسومة عن الحياة العلمية؟ يقع فيلم المخرجة ساترابي، مباشرة، في مصيدة «الأبطال المنفردين»، مصوِّرًا ماري كمحارِبة وحيدة في المعركة، حيث لا يوجد في صفها سوى زوجها المخلص وبناتها (إلى جانب بعض طلابها). وقبيل ظهور أسماء المشاركين في الفيلم، تظهر صورة تاريخية أصلية لماري كوري في مؤتمر سولفاي ببروكسل لعام 1927، وبصحبتها ألبرت أينشتاين، ونيلز بور، وإرفين شرودنجر، وجميع الشخصيات الأخرى اللامعة في مجال الفيزياء في بدايات القرن العشرين. وبعيدًا عن تلك الصورة.. فالفيلم لا يقدم أيّ فكرة عن كون ماري كوري عضوًا مرموقًا، على قدم المساواة بنظرائها في هذا المجتمع الدولي. وبالتالي، فالفيلم يشوّه مركزها، بوصفها امرأه عالمة، ويُحَرِّف الحقيقة التي تطورت بها العلوم.

إرث ممتد

كان في استطاعة المخرجة ساترابي أن تسمح للقصة بالتطوّر بوتيرة أكثر هدوءًا، لو أنها استغرقت وقتًا أقل في التأكيد المتكرر على الإرث الذي خلّفته عائلة كوري في دراسة العناصر المشعة. فعندما اتخذ الحوار بين الزوجين توجهًا نحو الاستخدامات العلاجية المحتملة، انتقلنا إلى عيادة علاج سرطان في الولايات المتحدة الأمريكية في منتصف القرن العشرين، حيث يوشك طفل صغير واسع العينين على تلقِّي علاج إشعاعي لعلاج ورم مصاب به. وتتوالى لقطات مستقبلية مماثلة، تُظْهِر الهجوم النووي على هيروشيما في عام 1945، واختبارات القنابل الذرية في صحراء نيفادا في ستينات القرن العشرين، وانصهار المفاعل النووي في تشرنوبل في عام 1986. استند فيلم «مُشع» إلى كتاب سيرة مُحْكَم المصادر، وجميل التفاصيل، حمل اسم الفيلم نفسه، عن حياة كوري، للمؤلفة والفنانة لورين ريدنيس، وأعدّه للسينما كاتب السيناريو جاك ثورن. وفي الكتاب تلميحات مماثلة عن إرث كوري، لكنْ بالنسبة لي، لم تكن هذه المَشاهد مناسِبة في سياق الفيلم.

تساءل بيير كوري في كلمته عقب حصوله على جائزة نوبل -التي يعرضها الفيلم بدقة- "عما إذا كانت البشرية ستستفيد من معرفة أسرار الطبيعة، أم لا، وما إذا كانت مستعدة لتحقيق مكاسب منها، أم أن تلك المعرفة ستضرها". ولم يكن له أو لماري القدرة على استشراف الضرر الذي يمكن أن تتسبب فيه الأنشطة الإشعاعية، ولا القدرة على استشراف الفوائد كذلك. يدرك رواد السينما في عام 2020 قدرة تلك الأنشطة الإشعاعية تمام الإدراك، إلا أن المخرجة لم تثق في قدرة الجمهور على الربط بين ما يكتشفه العلماء، واستخدام المجتمع لتلك الاكتشافات.

في منظور الكثيرين.. تمثِّل ماري كوري ما هو أكثر من مجرد اسم عالمة رائدة في مجالها،ارتبطتسيرتها بالنشاط الإشعاعي على نحو ما (وهو المصطلح الذي صاغته كوري بنفسها). ويُغطي فيلم «مُشع» كثيرًا من تفاصيل حياتها الشخصية والعلمية، ويستحق المشاهدة، إذا لم تكن بالفعل على دراية بالقصة.وفي الختام، كنت أتمنى أن يثق صناع الفيلم في أن المرأة المُعقدة والشغوفة والطموحة في قلب هذه القصة ستجذب اهتمام المشاهدين، على خلفية رغبتها العميقة في حل ألغاز الطبيعة، لا على الرغم من ذلك.

جورجينا فيري كاتبة علمية، وهي التي قامت بكتابة سِيَر الباحثين: دوروثي كروفوت هودجكين، وماكس بيروتز، وجون سالستون.

البريد الإلكتروني: georgina.ferry@gmail.com