أنباء وآراء

تكنولوجيا الحاسوب: بوابة منطقية مغناطيسية تعمل بالكهرباء

يمكن تشفير البِتّات في بوابة منطقية، عن طريق مناطق ذات مجالات مغناطيسية مختلفة. وقد طُوِّرَت طريقة للتلاعب بالجدران بين تلك المجالات كهربيًّا، لا مغناطيسيًّا، من أجل صنع بوابة منطقية. 

سي هان يانج

  • Published online:

مِن المتوقع أن تصل العمليات المنطقية الحاسوبية القائمة على المكونات الكهربائية التقليدية إلى أقصى حدود سرعتها وقدرتها عن قريب. ومن أجل التغلب على الإشكالية المترتبة على ذلك، أُنتجَت أجهزة منطقية تقوم على مكونات مغناطيسية، وليست كهربائية، بيد أن تلك الأجهزة تتطلب عادةً وجود حقول مغناطيسية خارجية، وهو ما يحدّ من استخداماتها. ولم يُبرهَن بعد على إمكانية وجود بوابة منطقية ذات مكونات مغناطيسية، تعمل كلها بالكهرباء، دون الحاجة إلى حقل مغناطيسي خارجي1. ومع ذلك.. ففي بحث نُشر مؤخرًا في دورية Nature، أفاد زاوتشو لو وزملاؤه2 بأنهم استطاعوا التحكم في اللاانطباقية الخاص بإحدى المنظومات؛ لعكس اتجاه تمغنط المجالات في سلك من الكوبالت، وذلك باستخدام التيار الكهربائي فقط. ويعمل الجهاز العاكس الناتج كعاكس منطقي (بوابة NOT)، وقد استخدمه الباحثون لصنع بوابات منطقية أخرى، مثل بوابة الاقتران السالبة NAND، وبوابة الاختيار السالبة NOR.

ولنستعرض بعض المعلومات الأساسية أولًا. المجالات المغناطيسية هي مناطق صغيرة ذات تمغنط منتظم في مادة ما. وتسمى الحدود الضيقة التي تفصل بين اتجاهات التمغنط المختلفة جدران المجالات المغناطيسية. وداخل تلك الجدران يجب أن ينحرف اتجاه التمغنط تدريجيًّا. وتُستَخدَم تلك المجالات المغناطيسية منذ وقت طويل لتشفير بِتات البيانات لتخزينها، كما في مشغلات الأقراص الصلبة، التي تتطلب حركة ميكانيكية؛ للوصول إلى البيانات.

 وفي المقابل.. لا تتطلب ذاكرات المضمار المغناطيسية3 (التي لا تزال قيد التطوير) حركة ميكانيكية. وعوضًا عن تلك الحركة.. تتحرك المجالات المغناطيسية الموجودة في أسلاك معدنية بسُمْك الشعرة بواسطة تيار كهربي يمر في الأسلاك. ويكمن سر تلك العملية في التفاعل بين العزوم المغناطيسية لجدران المجال، وحركة اللف المغزلي في الإلكترونات المتحركة، وهو تفاعل يُسمَّى عزم دوران انتقال اللف المغزلي. ويشير اللف المغزلي هنا إلى خاصية كمية للإلكترونات. والعزم هو اتجاه التمغنط وشدته. وعزم الدوران هو تأثير دوراني، من شأنه تدوير العزوم، ومن ثم تحريك الجدران.

 في أنظمة انتقال اللف المغزلي، ينشأ عزم الدوران من التيار الموجود في السلك المغناطيسي نفسه، لكنْ يوجد نوع آخر من عزم الدوران، يُعرَف باسم عزم دوران مدار اللف المغزلي، وينشأ عندما يوضع السلك فوق طبقة من معدن ثقيل غير مغناطيسي، مثل البلاتين، ويمر التيار الكهربي في تلك الطبقة، وليس في السلك (انظر الشكل 1). في تلك الأنظمة، يعزز أحدُ التأثيرين الآخرَ؛ لحث الحركة الدورانية داخل جدران المجال بكفاءة أكبر من أنظمة انتقال اللف المغزلي4،5. ويتمثل التأثير الأول في نشأة تيار لف مغزلي في الطبقة المصنوعة من المعدن الثقيل غير المغناطيسي؛ أما التأثير الثاني، الذي يُعَد جوهريًّا في بحث لو وزملائه، فهو أن التفاعل بين المعدنين يفرض لا انطباقية محددة على جدران المجالات.

الشكل 1 | كيف تُعكَس بِتّات البيانات المغناطيسية كهربائيًّا. صنع لو وزملاؤه2بوابة «ليس« منطقية، أو عاكسًا منطقيًّا، يعكس اتجاه تمغنط المجالات المغناطيسية باستخدام طرق كهربية. وفي النظام الذي صنعه الباحثون، تتصرف المجالات المتحركة في سلك من الكوبالت -لها عزوم مغناطيسية، اتجاهها لأعلى، أو لأسفل- باعتبارها بِتّات بيانات. وعلى جانب الشكل تعبر الدوائر ذات الأسهم عن اتجاه التمغنط. وعلى السطح العلوي تمثل النقاط المحاطة بدوائر والخطوط المتصالبة المحاطة بدوائر اتجاهَ العزوم لأعلى ولأسفل على الترتيب. (أ)، صنع المؤلفون جدارًا ثابتًا بين المجالات ذات العزوم المتجهة إلى أعلى، وتلك المتجهة إلى أسفل، يمكن فيه أن يكون اتجاه دوران التمغنط إلى اليمين أو اليسار؛ وهي خاصية تدعى اللاانطباقية. (ب)، يدفع تيار يمر بالطبقة التحتية المصنوعة من البلاتين جدار مجال غير انطباقي متحرك (باللون الأزرق) للحركة بطول السلك. (جـ)، عندما يتصادم عزمان مغناطيسيان متقابلان على الجانب الأيسر من الجدار الثابت، يتبدل اتجاه العزم في المنطقة الثابتة. ويتكون مجال جديد على الجانب الآخر من الجدار، يكون اتجاه عزمه معكوسًا، ويحتفظ باللا انطباقية المفضلة في النظام. وفي المجمل، ينعكس البِتّ. (مأخوذ عن الشكل 1 في الورقة البحثية2.)

الشكل 1 | كيف تُعكَس بِتّات البيانات المغناطيسية كهربائيًّا. صنع لو وزملاؤه2بوابة «ليس« منطقية، أو عاكسًا منطقيًّا، يعكس اتجاه تمغنط المجالات المغناطيسية باستخدام طرق كهربية. وفي النظام الذي صنعه الباحثون، تتصرف المجالات المتحركة في سلك من الكوبالت -لها عزوم مغناطيسية، اتجاهها لأعلى، أو لأسفل- باعتبارها بِتّات بيانات. وعلى جانب الشكل تعبر الدوائر ذات الأسهم عن اتجاه التمغنط. وعلى السطح العلوي تمثل النقاط المحاطة بدوائر والخطوط المتصالبة المحاطة بدوائر اتجاهَ العزوم لأعلى ولأسفل على الترتيب. (أ)، صنع المؤلفون جدارًا ثابتًا بين المجالات ذات العزوم المتجهة إلى أعلى، وتلك المتجهة إلى أسفل، يمكن فيه أن يكون اتجاه دوران التمغنط إلى اليمين أو اليسار؛ وهي خاصية تدعى اللاانطباقية. (ب)، يدفع تيار يمر بالطبقة التحتية المصنوعة من البلاتين جدار مجال غير انطباقي متحرك (باللون الأزرق) للحركة بطول السلك. (جـ)، عندما يتصادم عزمان مغناطيسيان متقابلان على الجانب الأيسر من الجدار الثابت، يتبدل اتجاه العزم في المنطقة الثابتة. ويتكون مجال جديد على الجانب الآخر من الجدار، يكون اتجاه عزمه معكوسًا، ويحتفظ باللا انطباقية المفضلة في النظام. وفي المجمل، ينعكس البِتّ. (مأخوذ عن الشكل 1 في الورقة البحثية2.)

كبر الصورة

© Replace me

 واللا انطباقية يمكن تمثيلها باليدين؛ اليمنى، واليسرى، حيث تتسم العناصر غير المنطبقة بتناظر مرآتي، لكنْ لا يمكن أن ينطبق أحدها على الآخر. ومن الممكن أن تتسم جدران المجالات -التي تُعرَف باسم الجدران من نوع «نيل»- بلا انطباقية عند عكس اتجاه عزمها المغناطيسي، لأنه توجد طريقتان يمكن أن يحدث بهما ذلك الانعكاس؛ فالعزم إمّا أنه يتعرض لحركة دورانية في اتجاه اليمين، أو في اتجاه اليسار. (العزوم يمكن أن تلف أيضًا في مستوى جدران مجالات معروفة باسم «جدران بلوتش»، لكن تلك الآلية ليست هي المستخدَمة في دراسة لو وزملائه).

تنشأ اللا انطباقية من تأثير يُدعى «تفاعل تبادل دزيالوشينسكي–موريا (DMI)». وهذا التأثير يحدث بين المعادن المغناطيسية، وغير المغناطيسية. ويصنع تبادل دزيالوشينسكي–موريا لا انطباقية محددة، كما يميل إلى توليد جدار من نوع مناسب -جدار من نوع نيل- في نظام لو وزملائه. وقد أدرك الباحثون في السابق أنه يمكن استخدام جدران المجالات غير المنطبقة في العمليات المنطقية6، لكنْ أعاق بناء بوابة منطقية تعمل كلها بالكهرباء عدم وجود عاكس يعمل بكفاءة، وهو المكون الرئيس في العمليات المنطقية.

 اخترع لو وزملاؤه عاكسًا مبتكرًا، يقلب العزوم المغناطيسية المرتبطة ببِتات البيانات الداخلة باستخدام عزم دوران مدار اللف المغزلي. واستكمالًا لعملهم السابق حول المغانط النانوية ذات المجالات المغناطيسية المقترنة اقترانًا غير انطباقيّ7، صنع الباحثون جدار مجال اصطناعيًّا ثابتًا في سلك مغناطيسي مصنوع من الكوبالت، موضوع فوق طبقة من البلاتين غير المغناطيسي. ويكون التمغنط في السلك المصنوع من الكوبالت عموديًّا على مستوى السلك، باستثناء منطقة الجدار الثابت. ففي تلك المنطقة، يكون ممغنطًا في اتجاه محور السلك الطويل، مثل المنطقة التي تكون في منتصف جدار مجال عادي، لكنْ تكون أعرض منها بكثير. ويُعَد هذا جوهريًّا، لأنه يسمح بوجود مقاومة مغناطيسية قسرية أقل؛ بمعنى أن عكس التمغنط في تلك المنطقة يكون أسهل.

ولِتَصَوُّر كيف يعمل العاكس، تخيلْ مُدخلًا يتكون من جدار مجال يتسم بلا انطباقية في اتجاه اليسار. (الشكل 1) يتحرك هذا الجدار المتنقل بطول السلك، عن طريق عزم دوران مدار اللف المغزلي. وعندما يصل إلى الحاجز الاصطناعي الثابت، يتصادم عزمان مغناطيسيان متقابلان، وتَنْتُج عن هذا التصادم منطقة في السلك، يتغير فيها العزم بشكل مفاجئ. ووفقًا لنظريات التمغنط، فإنّ ذلك التغير المفاجئ له تكلفة طاقة عالية. ومن أجل خفْض طاقة النظام، يجب تحويل اتجاه أحد العزوم، أو توليد مجال مغناطيسي جديد. وفي هذه الحالة، يتحول اتجاه العزم في الجدار الثابت ذي المقاومة المغناطيسية القسرية المنخفضة؛ ليصبح مماثلًا لاتجاه العزم في جدار الدخل.

 وهنا يأتي دور أحد تأثيرات اللا انطباقية؛ حيث ينتج عن ذلك التحول في اتجاه العزم المغناطيسي لا انطباقية في اتجاه اليمين على الجانب الآخر من الجدار الثابت، يتعارض مع اللا انطباقية التي يفضِّلها تبادُل دزيالوشينسكي–موريا. ولحل تلك المشكلة، يتكون جدار مجال جديد على ذلك الجانب (النظام له شكل يساعد على إتمام تلك العملية)، ويبدأ هذا الجدار عمله بمحاذاة السلك. وبهذا.. يكون للعزوم في بِت الخرج اللا انطباقية ذات الاتجاه الأيسر المطلوب، عوضًا عن اللا انطباقية ذات الاتجاه الأيمن الذي نشأ في الأصل عند الجدار.

 وقد صمم لو وزملاؤه -عن طريق دمج عواكسهم في نقاط اتصال- بعض البوابات المنطقية البسيطة (بوابة اقتران سالبة، وبوابة اختيار سالبة)، وكذلك بعض البوابات الأكثر تعقيدًا (مثل بوابة الجواز المقصور exclusive-OR)، وكل نقطة اتصال يكون لها دخلان، وانحياز ذاتي تجاه أحد العزمين المغناطيسيين، وخَرج واحد. ويتحدد الخرج بالدخلين المعكوسين، وبالانحياز عند نقاط الاتصال (على نحو يشبه «بوابة الأكثرية»8). وهكذا، عندما يكون الدخلان والانحياز هما (0، 0) و1، على الترتيب، تعكسهم العواكس الموضوعة قبل نقاط الاتصال مباشرة؛ ليصبحا (1، 1) و0 عند نقطة الاتصال نفسها، وتباعًا يكون الخرج 1، وتعمل هذه النقطة باعتبارها عاكسًا منطقيًّا، لكنْ عندما يكون الدخلان (1، 0)، أو (0، 1)، فقيمة الانحياز هي التي تحدد ما إذا كانت البوابة ستتصرف باعتبارها بوابة اختيار سالبة، أم باعتبارها بوابة اقتران سالبة. ويقلل سلوك بوابة الأكثرية الحاجةَ إلى مزامنة الدخلين بدقة، ويتيح القيام بعمليات منطقية يُعَوَّل عليها.

 يفي ذلك النظام المنطقي بمعيار جوهري يُعرف باسم "التعاقُب، والانتشار". ويعني التعاقب أن يكون الخرج الناتج من أحد البوابات قد نتج بصيغة سليمة، وأنه قوي بما يكفي بحيث يصلح لأنْ يَستحِثّ دخل البوابة التي تليها، بينما يعني الانتشار أنه يمكن توصيل خرج إحدى البوابات بدخل عدة بوابات9. وفضلًا عن ذلك.. يمكن تخزين البيانات في غياب مصدر طاقة خارجي، وتلافي ضرر الإشعاع المؤين، لكنْ ما زالت هناك عدة تحديات يجب تجاوزها، قبل أن تخرج إلى السوق رقاقات قائمة على نظام لو وزملائه، إذ يجب خفض التيار التشغيلي، حتى يمكن وضعها في ترانزستورات أشباه الموصلات ذات الأكاسيد المعدنية المتتامّة (CMOS) دقيقة الحجم، التي تساعد على التقاط المدخلات والمخرجات المستخدَمة في الرقائق. ونظريًّا، يقل التيار الكهربي كلما قل حجم الأسلاك والترانزستورات، ومن ثم تظل كثافة التيار (الشحنة لكل وحدة زمنية، التي تمر خلال مقطع عرضي من السلك) ثابتة، رغم تغير المقياس. ويجب خفض كثافة التيار لزيادة السرعة، وخفض استهلاك الطاقة في نظام الباحثين. ولا تزيد سرعة جدار المجال أو تنقص خطيَّا مع التيار، ولذا.. قد تكون هناك حاجة إلى استخدام مواد جديدة لتقليل كثافة التيار10،11.

وثمة مشكلة أخرى، هي أن البيانات الإحصائية للدخل والخرج في نظام لو وزملائه يجب أن تُقاس مجهريًّا، لا بطريقة كهربائية. وستكون هناك حاجة إلى طريقة أخرى لقراءة تلك البيانات؛ لاستخدامها في تطبيقات عملية. وقد يوفر تأثير يُعرَف باسم "المقاومة المغناطيسية النفقية" أحد الحلول12. ومن المفترض أن يكون تنفيذ شريحة جدار مجال منطقية تَستخدِم نظام قراءة بيانات كهربائيًّا هو الهدف التالي، استكمالًا للاكتشاف المثير الذي وقع عليه لو وزملاؤه. 

References

  1. Allwood, D. A. et al. Science 309, 1688–1692 (2005).| article
  2. Luo, Z. et al. Nature 579, 214–218 (2020). | article
  3. Parkin, S. & Yang, S.-H. Nature Nanotechnol. 10, 195–198 (2015). | article
  4. Ryu, K.-S., Thomas, L., Yang, S.-H. & Parkin, S. Nature Nanotechnol. 8, 527–533 (2013). | article
  5. Emori, S., Bauer, U., Ahn, S.-M., Martinez, E. & Beach, G. S. D. Nature Mater. 12, 611–616 (2013). | article
  6. Omari, K. A. et al. Adv. Funct. Mater. 29, 1807282 (2019). | article
  7. Luo, Z. et al. Science 363, 1435–1439 (2019). | article
  8. Imre, A. et al. Science 311, 205–208 (2006). | article
  9. Miller, D. A. B. Nature Photon. 4, 3–5 (2010). | article
  10. Yang, S.-H., Ryu, K.-S. & Parkin, S. Nature Nanotechnol. 10, 221–226 (2015). | article
  11. Avci, C. O. et al. Nature Nanotechnol. 14, 561–566 (2019). | article
  12. Julliere, M. Phys. Lett. A 54, 225–226 (1975). | article

يعمل سي هان يانج في شركة «آي بي إم ريسيرش» IBM Research – ألمادن، سان جوزيه، كاليفورنيا 95120، الولايات المتحدة الأمريكية. البريد الإلكتروني: seeyang@us.ibm.com