افتتاحيات

تحذير قادم من غابات أفريقيا والأمازون

تحليل الكربون يشير إلى ضرورة الإسراع في خفض انبعاثاته.

  • Published online:

يُسهِم نمو الغابات الاستوائية في امتصاص غاز ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، مما يُعتبر واحدة من الخدمات الكثيرة التي تقدمها الغابات للبشرية وكوكب الأرض.

فقد أظهرت القياسات التي أجريت على مدار عقود في مئات المناطق بقارتَي أفريقيا، وأمريكا الجنوبية، أن الأشجار الاستوائية –مثل شجرة الجوز البرازيلية Bertholletia excelsa ، وشجرة القابوق خماسي الأسدية Ceiba pentandra– قد امتصت سنويًّا ما يصل إلى 4.4 مليار طن من غاز ثاني أكسيد الكربون خلال تسعينيات القرن الماضي، وأوائل الألفية الثانية. ويُذكر أنّ معدلات الامتصاص هذه تفوق ما يكفي لمعادلة انبعاثات الكربون الصادرة من دول الاتحاد الأوروبي خلال الفترة نفسها.

يُستدعى هذا التأثير في العديد من النماذج المناخية، التي يَستعرِض من خلالها الباحثون سيناريوهات الاحترار العالمي في المستقبل، إلا أن دراسة نُشرت في مجلة Nature أشارت إلى أن الفوائد التي تعود على العالم من مصارف الكربون الاستوائية هذه ربما تختفي عمّا قريب (W. Hubau et al. Nature579, 80–87; 2020)؛ الأمر الذي قد يستلزم من المجتمع الدولي التعهد بخفض الانبعاثات على نحو أسرع، إذا أراد أن يخفض درجة الاحترار العالمي بمقدار درجتين مئويتين، تماشيًا مع اتفاقية باريس المناخية لعام 2015.

وأفاد فريق دولي يقوده متخصصون في الجغرافيا من جامعة ليدز بالمملكة المتحدة بأنّ النسبة التي تمتصها غابات الأمازون المطيرة من كربون الغلاف الجوّي تقل كل عام منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي. كما أنّ معدلات امتصاص الغابات الأفريقية لكربون الغلاف الجوي آخِذة في الانخفاض منذ عام 2015 على وجه التقريب. ويرجع ذلك -في جزء كبير منه- إلى ارتفاع معدل موت الأشجار.

عزا الباحثون موت الأشجار إلى ارتفاع درجات الحرارة، واشتداد موجات الجفاف؛ وهو اتجاهٌ مِن المرجَّح استمراره بالنظر إلى الزيادة في تركيزات غازات الدفيئة. وبعد عقد من الآن، سوف يتقلص حجم مصرف الكربون في أفريقيا بنسبة 14%، مقارنةً بالفترة ما بين عامي 2010، و2015. أما مصرف الكربون في غابات الأمازون، فهو في طريقه إلى الاختفاء تمامًا بحلول عام 2035. وإذا ما حدث ذلك، فإنه سوف يؤدي إلى زيادة نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو، وبالتالي زيادة معدلات الاحترار العالمي.

وحسبما نشرنا في تقرير سابق، فإن غابات الأمازون، التي تبلغ مساحتها 5 ملايين كيلومتر مربع، تبدو الآن مهدَّدة أكثر من أي وقتٍ مضى (انظر: 578, 505–507; 2020 Nature)؛ إذ ارتفع متوسط درجات الحرارة في هذه الغابات المطيرة، التي تمتد عبر تسعة بلدان، بمقدار 1 إلى 1.5 درجة مئوية على مدار القرن الماضي. كما تعرَّضت لثلاث موجات جفاف شديدة منذ عام 2005. أضف إلى ذلك.. أن قَطْع الأشجار قد نَجَم عنه تقلص الغابات بنسبة 15٪ منذ سبعينيات القرن الماضي. أما البرازيل، التي كانت في السابق تتلقى إشادات؛ بسبب جهودها في إبطاء إزالة الغابات، فقد فقدت في العام الماضي 10 آلاف كيلومتر مربع، وهو أكبر انخفاض حدث منذ عقد كامل من الزمن. وفي نوفمبر الماضي، أُلغي حظر العشر سنوات على زراعة قصب السكر في الأمازون. هذا.. بالإضافة إلى أن مشروع قانون لتنظيم التنقيب عن النفط والتعدين يشق طريقه الآن إلى المؤتمر الوطني، وهو البرلمان البرازيلي.

وفي سبتمبر الماضي، شكَّل باحثون مستقلون من المنطقة لجنة علمية، لاقتراح ما يتوجب القيام به؛ للحفاظ على غابات الأمازون. لم تنته اللجنة من تقريرها بعد، لكنّ رسالتها العامة لا يمكن أن تكون موضع شك، إذ يتعين على البرازيل وغيرها من الدول الاستوائية أن تضع حدًّا لإزالة الغابات، وأن تشجع على نمو غابات جديدة في الأراضي المتدهورة، بل والمهجورة في كثير من الأحيان.

وفيما يتعلق بمؤتمر القمة الخاص باتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، المقرر انعقاده في مدينة جلاسكو بالمملكة المتحدة في نوفمبر المقبل، من المتوقع أن يشهد مُضاعَفة الدول المشارِكة لتعهداتها بشأن الوفاء بأهداف اتفاقية باريس للمناخ. وإذا لم يَعُدْ بالإمكان الاعتماد بشكل كامل على مصارف الكربون الاستوائية، للمساعدة على الوصول إلى تحقيق تلك الأهداف، فإن ذلك سيتطلب وجود خطة أكثر طموحًا؛ للتخلص من الكربون.

في الوقت نفسه، بات الدرس المُوَجَّه إلى الحكومات في جميع أنحاء العالم واضحًا بما فيه الكفاية؛ وهو أن الغابات الاستوائية تؤدي دورًا جليلًا للإنسانية، بل ولعدد لا يحصى من المخلوقات الأخرى. ومن أجل حمايتها، يجب على البشرية وضع حدّ لعمليات إزالة الغابات، وللاحترار العالمي.