تحقيق إخباري

مراكز النجوم النيوترونية الغامضة

عمليات الرصد الفضائي تتأهب لكشف المزيد من الأسرار عن مراكز بعضٍ مِن أكثر الأجرام الكونية غموضًا.

آدم مان
  • Published online:
المجالات المغناطيسية والكهربية القوية تحرك الجسيمات المشحونة، في محاكاة حاسوبية لنجم نيوتروني دوّار.

المجالات المغناطيسية والكهربية القوية تحرك الجسيمات المشحونة، في محاكاة حاسوبية لنجم نيوتروني دوّار.

NASA’S GODDARD SPACE FLIGHT CENTER

عندما يموت نجم عملاق في انفجار مستعر أعظم، يكون هذا الانفجار مجرد بداية النهاية، إذ يتناثر أغلب المادة النجمية عبر مساحات شاسعة من الفضاء، بينما يظل مركز النجم الزاخر بالحديد في مكانه. فهو ممتلئ تمامًا بكتلةٍ، يصل مقدارها إلى كتلة نجمين بحجم شمسنا، وينكمش حجمه بسرعة كبيرة إلى حجم كرة تعادل مساحتها جزيرة مانهاتن. ويدمج الضغط الداخلي الساحق في النجم -الذي يكفي لضغط جبل إيفرست، ليصبح في حجم مكعب السكر- البروتونات والإلكترونات دون الذرية؛ فيحوِّلها إلى نيوترونات.

عند هذا الحد تقف معرفة علماء الفلك حول كيفية تشكُّل النجوم النيوترونية. والتفاصيل الدقيقة عما يحدث بعد ذلك داخل تلك المراكز شديدة الكثافة ما زال الغموض يكتنفها. وخرج بعض الباحثين بنظرية تنص على أن النيوترونات قد تهيمن على تكوين النجم بالكامل، وصولاً إلى المركز، بينما افترض آخرون أن الضغط الهائل يدكّ مادة النجم، لينتج جسيمات، أو حالات أكثر غرابةً تسحق وتغيِّر شكل النجم بطرق غير معتادة. 

والآن، بعد عقود من التخمين، اقترب الباحثون من حل هذا اللغز. ويرجع الفضل في ذلك -جزئيًّا- إلى مستكشف موجود على متن المحطة الفضائية الدولية، يُسمَّى «مستكشف التركيب الداخلي للنجوم النيوترونية» (NICER). 

ففي شهر ديسمبر الماضي، قدَّم هذا المرصد الفضائي -التابع لوكالة ناسا- لعلماء الفضاء بعضًا من أدق القياسات التي اكتُشفت عن أنصاف أقطار النجوم النيوترونية، وكتلتها1، إضافةً إلى اكتشافات غير متوقعة عن مجالها المغناطيسي3،1. ويخطط فريق عمل «مستكشف التركيب الداخلي للنجوم النيوترونية» لإعلان نتائج حول مزيد من النجوم خلال الأشهر القليلة القادمة. وتجدر الإشارة إلى أنّ هناك بيانات أخرى تَرِد من مراصد الموجات الثقالية، التي يمكنها مراقبة النجوم النيوترونية في أثناء ما يطرأ عليها من تشوهات عند اصطدامها ببعضها البعض. وبفضل هذه الملاحظات مجتمعة، أصبح الباحثون على استعداد للتركيز على سبر أغوار النجوم النيوترونية.

 ويرى الكثير من العاملين في المجال أن هذه النتائج تمثل نقطة تحول في دراسة بعضٍ من أكثر الأجرام السماوية إثارة للحيرة في الكون. إنها "بداية العصر الذهبي لفيزياء النجوم النيوترونية"، كما يقول يورجِن شافنر بيليش، عالِم الفيزياء النظرية في جامعة جوته في فرانكفورت، ألمانيا. 

خارج المحطة الفضائية الدولية، يمكث «مستكشِف التركيب الداخلي للنجوم النيوترونية»، الذي بدأ عمله في عام 2017 على متن الصاروخ «سبيس إكس فالكون 9» Space X Falcon 9، وهو صاروخ بلغت تكلفته 62 مليون دولار. ويجمِّع هذا المستكشف الأشعة السينية القادمة من النجوم النابضة، وهي نجوم نيوترونية دوّارة، تشع جسيمات مشحونة، وطاقة في صورة أعمدة هائلة تمتد في جميع الاتجاهات، وكأنها أشعة ضوئية صادرة عن منارة. وتصدر الأشعة السينية عن نقاط ساخنة، تبلغ درجات حرارتها مليون درجة مئوية على سطح النجم النابض، حيث ينزع مجال مغناطيسي قوي الجسيمات المشحونة من على السطح الخارجي للنجم، ويقذفها بقوة ليلتهمها القطب المغناطيسي المعاكس.

ويرصد «مستكشف التركيب الداخلي للنجوم النيوترونية» هذه الأشعة السينية باستخدام 56 تليسكوبًا مغطاة بطبقة من الذهب، ويسجل أوقات وصولها في مدة لا تتجاوز 100 نانو ثانية. وبفضل هذه القدرات، يمكن للباحثين متابعة النقاط الساخنة بدقة أثناء دوران النجم النيوتروني حول نفسه بسرعة تصل إلى 1000 مرة في الثانية. وتكون النقاط الساخنة مرئية أثناء انجرافها السريع عبر الجرم، لكن النجوم النيوترونية تتسبب في انحراف نسيج المكان والزمان بقوة، لدرجة أن المستكشِف يمكنه أيضًا رصد الضوء الصادر عن النقاط الساخنة التي تقع على الجانب البعيد عن الأرض. وتساعدنا نظرية النسبية العامة لأينشتاين في حساب النسبة بين كتلة النجم ونصف قطره عبر قياس مقدار انحناء الضوء. وبالاستعانة بهذه الملاحظات وغيرها، يتمكن علماء فيزياء الفضاء من حساب كُتَل النجوم المحتضرة، وأنصاف أقطارها، إذ تساعد هاتان الخاصّيتان على تحديد ما يحدث داخل مراكز تلك النجوم.

 لغز غامض ومعقد

تزداد النجوم النيوترونية تعقيدًا كلما تعمَّق المرء فيها أكثر. فتَحْت غلافها الجوي الرقيق، المكوَّن في معظمه من الهيدروجين والهيليوم، توجد بقايا المادة النجمية التي يُعتقد أنها تضم قشرة خارجية يبلغ سُمْكها سنتيمترًا واحدًا، أو اثنين، وتحتوي على أنوية ذرية وإلكترونات تتجول بِحُرِّية. ويَعتقد الباحثون أن العناصر المُؤيَّنة تتكدس معًا في الطبقة التالية، مكوِّنةً إطارًا شبكيًّا في القشرة الداخلية. وعلى عمق أكبر.. يصبح الضغط هائلًا لدرجة أن جميع البروتونات تقريبًا تندمج مع الإلكترونات، وتتحول إلى نيوترونات، ولكن ما يحدث بعد ذلك يكتنفه الكثير من الغموض (انظر الشكل: "المادة الكثيفة").

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.
كبر الصورة

SOURCE: ADAPTED FROM NASA GODDARD SVS

وعن ذلك.. تقول جوسلين ريد، عالمة الفيزياء الفلكية بجامعة ولاية كاليفورنيا في فولرتون: "إنّ معرفة مكونات وَصْفة ما تختلف تمامًا عن فهْم هذه الوصفة، ومعرفة كيفية تفاعُل تلك المكونات معًا". 

ولدى علماء الفيزياء فكرة ما عما يحدث في مراكز النجوم النيوترونية بفضل مسرعات الجسيمات على الأرض. ففي المنشآت -على غرار مختبر بروكهافن الوطني في أبتون بولاية نيويورك، ومصادم الهدرونات الكبير في المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (CERN) بالقرب من جنيف في سويسرا- تمكّن الباحثون من سحق أيونات ثقيلة معًا، على غرار أيونات الرصاص والذهب، لتخليق مجموعات صغيرة من مادة فائقة الكثافة، لكنّ تجارب الحركات التفاعلية هذه أفرزت وَمْضات تبلغ درجة حرارتها مليار درجة، أو حتى تريليون درجة، تحللت فيها البروتونات والنيوترونات؛ وتحولت إلى مزيج من مكوناتها من الكواركات، والجلوونات. هذا.. بينما تواجه الأجهزة الأرضية صعوبة في دراسة الظروف المعتدلة نسبيًّا داخل النجوم النيوترونية، حيث تبلغ درجات الحرارة ملايين الدرجات المئوية.

إّ العلماء لديهم أفكار عديدة عما قد يدور داخل مراكز النجوم النيوترونية. وربما كانت تلك الكواركات والجلوونات تَجُول بِحُرِّية، أو قد تؤدي انبعاثات الطاقة الهائلة إلى تكوّن جسيمات تُسمّى هيبرونات. وعلى غرار النيوترونات، تحتوي هذه الجسيمات على ثلاثة كواركات. وبينما تحتوي النيوترونات على كواركات بسيطة للغاية، ذات قدر قليل جدًّا من الطاقة، تُعرف بالكواركات العلوية والسفلية، نجد أن واحدًا -على الأقل- من كواركات الهيبرونات قد حل محله كوارك آخر عجيب و"غريب". وثمة  احتمال آخر يقول إنّ مركز النجم النيوتروني هو بمثابة تكاثف بوز-أينشتاين، وهي حالة للمادة، تتصرف فيها جميع الجسيمات دون الذرية ككيان كَمِّي ميكانيكي واحد. وقد خرج واضعو النظريات بالمزيد من الاحتمالات الأغرب. 

ومن الأهمية بمكان أنّ كل احتمال يعيدنا دَفْعًا بطريقة مميزة نحو دراسة الجاذبية الهائلة لدى النجوم النيوترونية، إذ تنتِج النجوم ضغوطًا داخلية مختلفة؛ وبالتالي تولِّد أنصاف أقطار أعلى أو أقل لكتلة معينة. والنجم النيوتروني ذو المركز الذي تعرَّض لتكاثف بوز-أينشتاين، على سبيل المثال، من المرجح أن يكون له نصف قطر أصغر من ذلك النجم المكون من مواد عادية على غرار النيوترونات. والنجم ذو المركز المكون من مادة لدنة من الهيبرونات قد يكون له نصف قطر أصغر.

وفي ذلك.. تقول أنا واتس، عضوة فريق المستكشف في جامعة أمستردام: "إن أنواع الجسيمات والقوى بينها تؤثر على مدى نعومة المادة، أو سهولة سحقها". 

وستتطلب التفرقة بين النماذج المحتمَلة قياسات دقيقة لحجم النجوم النيوترونية، وكتلتها، بيد أن الباحثين لم يتمكنوا بعد من تحسين تقنياتهم لمستويات تبلغ من الدقة ما يكفي لتحديد أيّ الاحتمالات هو الأرجح، إذ يُقَدِّرون الكتل عادةً عبر رصد النجوم النيوترونية في أزواج ثنائية. وعندما يدور الجُرْمان في مدارين حول بعضهما الآخر، فإنهما ينجذبان إلى بعضهما البعض، ويمكن لعلماء الفلك أن يستخدموا هذه الحالة لتحديد كتلتيهما. وقد نجح العلماء في قياس كتلة 35 نجمًا تقريبًا بهذه الطريقة، على الرغم من أن الأرقام قد تنطوي على خطأ يصل في مقداره إلى كتلة شمسية واحدة. وقاس الباحثون كذلك أنصاف أقطار اثني عشر نجمًا فقط -أو نحو ذلك- من النجوم، لكنْ في كثير من الحالات لا يمكن لهذه الأساليب أن تحدد هذه القيمة من مسافة تربو على بضعة كيلومترات قليلة؛ مسافة تعادل خُمْس قطر نجم نيوتروني.

 استخدم التليسكوب «إكس إم إم نيوتن» XMM-Newton، التابع لوكالة الفضاء الأوروبية، والمتخصص في رصد الأشعة السينية، طريقة «مستكشف التركيب الداخلي للنجوم النيوترونية»  في مراقبة النقاط الساخنة. وقد أُطلق هذا التليسكوب في عام 1999، وما زال يعمل حتى يومنا هذا. ويتميز «مستكشف التركيب الداخلي للنجوم النيوترونية» بأنه أكثر حساسية بأربعة أضعاف، ويتمتع بدقة رصد زمنية أفضل بمئات المرات من التليسكوب «إكس إم إم نيوتن». وخلال العامين أو الثلاثة أعوام القادمة، يتوقع أعضاء الفريق أن يتمكنوا من استخدام المستكشف، لحساب كُتَل ستة أخرى مستهدَفة من النجوم، وحساب أنصاف أقطارها بدقة، لا تتجاوز نسبة الخطأ فيها نصف كيلومتر. وبفضل هذه الدقة، سيصبح الفريق جاهزًا لوضع ما يُعرف بمعادلة حالة النجم النيوتروني، التي تربط نسبة الكتلة بنصف القطر، أو نسبة الضغط الداخلي بالكثافة. 

وإذا حالف العلماء حظ كبير، وتصادف أنْ أَمَدَّتْهم الطبيعة ببيانات جيدة، فقد يساعد المستكشِف على استبعاد نُسَخ معينة من هذه المعادلة. ورغم ذلك.. يَعتقِد أغلب علماء الفيزياء أن المستكشِف -في حد ذاته- قد يساعد على تضييق نطاق النماذج التي تُصوِّر ما يحدث داخل المراكز الغامضة لتلك الأجرام، بدلًا من استبعادها كليًّا.

وفي ذلك.. تقول واتس: "سيكون هذا تقدمًا كبيرًا عن المرحلة التي نحن فيها الآن".

 خطوط الحقول المغناطيسية

كان الهدف الأول للمستكشِف هو النجم J0030+0451، وهو نجم نابض منعزل، يدور حول نفسه 200 مرة تقريبًا في الثانية، ويبعد بمسافة مقدارها 337 فرسخًا فلكيًّا (1100 سنة ضوئية) عن الأرض، في كوكبة الحوت.

وقد عملت مجموعتان، كلٌّ على حدة -واحدة في جامعة أمستردام 1، والأخرى تحت قيادة باحثين من جامعة ميريلاند في كوليدج بارك 2- على الفحص الدقيق لـ 850 ساعة من الأرصاد، وراجعت كل منهما عمل الأخرى.

ولأن منحنيات ضوء النقاط الساخنة شديدة التعقيد، احتاجت المجموعتان إلى حواسب خارقة؛ لإعداد نماذج عن مختلف تكوينات النجم، وتحديد أيها أكثر ملاءمة للبيانات، لكنْ توصلت كلتا المجموعتين إلى النتائج نفسها، واكتشفتا أن النجم J0030 له كتلة تبلغ 1.3، أو 1.4 ضعف كتلة الشمس، ونصف قطر يبلغ 13 كيلومترًا تقريبًا.

بيد أن تلك النتائج ليست حاسمة، ويمكن استخدامها لدعم التخمينات التقليدية -أو الأخرى العادية- عما يوجد داخل مراكز النجوم النيوترونية. ويعلِّق أندرو ستاينر -عالِم الفيزياء الفلكية النووية بجامعة تينيسي في نوكسفيل- على ذلك بقوله: "لا يوجد بَعْد ما يستدعي تخمينًا جنونيًّا، أو غريبًا، أو غير تقليدي" .

 كانت هناك في انتظار الباحثين مفاجأة أكبر في النتائج المتعلقة بشكل النقاط الساخنة ومواضعها، إذ كشفت اللقطات المعيارية للنجوم النيوترونية عن أن خطوط حقولها المغناطيسية تشبه تلك التي تحيط بالمغناطيس القضيبي، إذ يوجد قطب شمالي وجنوبي يبرزان من نقاط دائرية على طرفي النجم المتعاكسين. وعلى النقيض من ذلك.. أظهرت محاكاة الحاسوب الهولندي الخارق أن نقطتيّ النجم J0030 الساخنتين توجدان في نصفه الجنوبي، وأن واحدة منهما طويلة، وعلى شكل هلال1. وفضلًا عن ذلك.. توصّل فريق ميريلاند إلى احتمالية وجود ثلاث نقاط ساخنة: اثنتان توجدان في الجنوب، ولهما شكل بيضاوي، وواحدة دائرية الشكل، توجد بالقرب من القطب الجنوبي الدوراني3.

وفي ذلك.. تقول ناتالي ويب، عالمة الفيزياء الفلكية في معهد أبحاث فيزياء الفضاء وعلم الكواكب في تولوز بفرنسا، التي أعدّت نماذج عن تلك الاحتمالات: "يبدو كما لو أن هذه الفرَق قد توصلت إلى أول رصد حقيقي لنجم نابض، لا تفصل بين أشعته زاوية مقدارها 180 درجة. وسيكون هذا رائعًا إنْ كان حقيقيًّا".

وستدعم هذه النتائج الأرصاد والنظريات السابقة، التي أشارت إلى أن الحقول المغناطيسية للنجوم النيوترونية، التي تزيد قوّتها عن قوة الحقل المغناطيسي للشمس بمقدار تريليون مرة، يمكن أن تكون أكثر تعقيدًا مما كان يُفترض عمومًا، إذ كان يُعتقد أن النجوم النابضة، عقب تكوُّنها مباشرةً، تبطئ من سرعة دورانها على مدار ملايين السنوات. أمّا إذا كان لها نجم مُرافق يدور حولها في مدار، فقد تستحوذ على مواد وزخم زاوِيّ من هذا الشريك، مما يدفع سرعة دورانها إلى سرعات خارقة. ومع ترسُّب هذه المواد على السطح الخارجي للنجم، يرى بعض واضعي النظريات أنها قد تؤثر على طبقة شبه سائلة من نيوترونات تحت سطحية به، مما يتسبب في توُّلد دوّامات عملاقة تُحَرِّف اتجاه الحقل المغناطيسي للنجم، مشكّلةً تكوينات غريبة. وفي نهاية المطاف، قد يُستهلك النجم المُرافق، أو يفقد الكثير من كتلته إلى حد لا يصبح معه مقيدًا بجاذبية النجم النيوتروني، ويطير مبتعدًا عنه، وربما كان هذا ما حدث مع النجم J0030، الذي أصبح وحيدًا الآن.

 أبحاث جارية

يواصل «مستكشف التركيب الداخلي للنجوم النيوترونية» رصد النجم J0030، من أجل تحسين دقة قياس نصف قطره. وفي الوقت نفسه، يبدأ فريقٌ عمله بتحليل البيانات من هدف ثان، هو نجم نابض أثقل قليلًا، له نجم مُرافق من نوع القزم الأبيض. وقد استخدم علماء فلك آخرون الملاحظات الرصدية للحركة المدارية لهذا النظام الثنائي، بهدف تحديد كتلة النجم. وهو ما يعني أن باحثي المستكشف يملكون قياسًا مستقلًّا، يمكنهم استخدامه للتحقق من صحة اكتشافاتهم.

 ويخطط الفريق لإدراج زوج واحد على الأقل من النجوم النابضة عالية الكتلة ضمن أهداف المستكشف الرصدية، من بينها النجم النيوتروني صاحب الرقم القياسي الحالي كأضخم نجم نيوتروني على الإطلاق؛ وهو عملاق، تبلغ كتلته 2.14 ضعف كتلة الشمس. ومن شأن هذا أن يُمَكِّن الباحثين من دراسة الحد الأعلى: المرحلة التي ينهار عندها النجم النيوتروني، ويتحول إلى ثقب أسود، لكنْ حتى هذا الجرم السماوي العملاق، الذي تبلغ كتلته 2.14 ضعف كتلة الشمس، يصعب على واضعي النظريات تفسيره. وقد اقترح العديد من الباحثين أيضًا أن «مستكشف التركيب الداخلي للنجوم النيوترونية» قد يكون قادرًا على العثور على نجمين نيوترونين، لهما الكتلة نفسها مع نصفي قطرين مختلفين. وهو ما قد يدل على وجود نقطة تحول، تتسبب عندها اختلافات طفيفة في تكوين مركزين مختلفين تمامًا. قد يحتوي أحدهما في أغلبه على نيوترونات، على سبيل المثال، وقد يتكون الثاني من مادة أكثر غرابة.

وعلى الرغم من أن المستكشف يتصدر هذا المسعى البحثي، فإنه ليس الآلة الوحيدة التي تسبر أغوار النجوم النابضة. ففي عام 2017، التقط «مرصد قياس تداخل الموجات الثقالية بالليزر» في الولايات المتحدة الأمريكية (LIGO)، بمشاركة «مقياس التداخل فيرجو» في إيطاليا، إشارة آتية من نجمين نيوترونيين ينسحقان ويندمجان معًا4. وأثناء دوران الجرمين السماويين حول بعضهما البعض قبل اصطدامهما معًا، أطلقا موجات ثقالية احتوت على معلومات عن حجمَي النجمين، وبِنْيَتيهما. وتسبب تأثير الجاذبية الهائلة لكلٍّ منهما في اجتذاب وتشويه شريكه، وهو ما تسبب في تشوه شكليهما من الشكل الكروي إلى شكل أقرب إلى الدَّمْعة. ومَنَح قَدْر التحور الذي طرأ خلال تلك اللحظات الأخيرة علماءَ الفيزياء أدلة عن مرونة المادة التي توجد داخل النجوم النيوترونية.

وفضلًا عن ذلك.. التقط مرصد قياس تداخل الموجات الثقالية بالليزر في ليفينجستون بولاية لويزيانا حالة ثانية لتصادم نجمين نيوترونيين في إبريل عام 2019. ويمكن ملاحظة المزيد من تلك الأحداث في أي وقت. وحتى الآن، أعطى حادثا الاندماج لمحات فقط عن خصائص مراكز النجوم النيوترونية، وأوحيا بأنها غير قابلة للتشوه بشكل كبير، لكن الجيل الحالي من منشآت الرصد غير قادر على رصد اللحظات الأخيرة الحاسمة، عندما يُحتمل أن يصل التشوه إلى أقوى صوره، ليُظْهِر الحالة الداخلية للنجم بأقصى قدر من الوضوح.

 ومن المتوقع أن يبدأ «كاشف الموجات الثقالية كاميوكا» Kamioka، في هيدا باليابان، عمله في وقت لاحق من هذا العام، وأن تبدأ المبادرة الهندية

لرصد الموجات الثقالية بالقرب من أوندها ناجاناث -بمنطقة ماراثوادا- عملها في عام 2024. وسوف يعملان -إلى جانب «مرصد قياس تداخل الموجات الثقالية بالليزر»، و«مقياس التداخل فيرجو»- على زيادة مستويات الدقة، بل ربما يتمكنان من رصد تفاصيل اللحظات التي تفضي إلى الاصطدام.

 وفي المستقبل الأبعد، هناك العديد من المعدات المعتزم إنشاؤها، التي قد تتمكن من رصد الظواهر التي يصعب على «مستكشف التركيب الداخلي للنجوم النيوترونية» ومراصد الموجات الثقالية الحالية رصدها. ومن بين تلك المعدات.. قمر صناعي صيني أوروبي مشترك، يُسمَّى مهمة «مقياس التوقيت والاستقطاب المُحَسَّن للأشعة السينية» eXTP، من المتوقع إطلاقه عام 2027، وسوف يدرس كلًّا من النجوم النيوترونية المنعزلة، والثنائية، للمساعدة على تحديد معادلة الحالة الخاصة بها. وقد طرح باحثون كذلك فكرة مَهمة تنطلق من الفضاء، قد يجري تدشينها في ثلاثينيات القرن الواحد والعشرين، وتُسمَّى «مرصد التحليل الطيفي الزمني للأشعة السينية ذات الطاقة عريضة النطاق» STROBE-X، الذي سوف يستخدم أسلوب «مستكشف التركيب الداخلي للنجوم النيوترونية» الخاص برصد النقاط الساخنة؛ لتحديد كُتًل ما لا يقل عن 20 نجمًا نيوترونيًّا، وأنصاف أقطارها، بدقة أكبر.

ربما سوف تظل مراكز النجوم النيوترونية محتفظة ببعض الأسرار، لكن يبدو أن علماء الفيزياء أصبحوا الآن أكثر قدرة على سبر أغوار تلك النجوم. تتحدث ريد -وهي واحدة من أعضاء فريق «مرصد قياس تداخل الموجات الثقالية بالليزر»- عن مشاركتها في مشروع لتخيل الأسئلة العلمية التي يمكن لمكتشفات الموجات الثقالية الإجابة عنها خلال ثلاثينيات وأربعينيات هذا القرن. وخلال تلك العملية، أدرَكَت أن حقل دراسات النجوم النيوترونية —خاصةً مسألة وضع معادلات حالات هذه النجوم— سوف يصبح مختلفًا تمامًا بحلول ذلك الوقت.

وتقول: "إنه لغز قائم منذ وقت طويل، إلى حد يدفع إلى الاعتقاد بأنه سوف يظل كذلك دائمًا". وتضيف قائلة: "الآن، بلغنا مرحلةً يمكنني فيها توقُّع أن يتمكن المجتمع العلمي من حل لغز بِنْية النجوم النيوترونية خلال هذا العقد".

References

  1. Riley, T. E. et al. Astrophys. J. Lett. 887, L21 (2019). | article

  2. Miller, M. C. et al. Astrophys. J. Lett. 887, L24 (2019). | article

  3. Bilous, A. V. et al. Astrophys. J. Lett. 887, L23 (2019). | article

  4. Abbott, B. P. et al. Phys. Rev. Lett. 119, 161101 (2017). | article

آدم مان صحفي حر، يعمل في أوكلاند بولاية كاليفورنيا.