أنباء وآراء

علم الأحياء الدقيقة: الجين المسؤول عن العدوى المزمنة بطفيل المقوّسة الجوندي

اكتشف العلماء جينًا يتحكم في تحوُّل طفيل المُقوَّسة الجوندية إلى طَوْر يصيب الدماغ البشري بعدوى مزمنة. ويمكن أن يساعد هذا الاكتشاف على تصميم علاجات للقضاء على هذه العدوى غير القابلة للعلاج في الوقت الراهن.

إيفا-ماريا فريكل

  • Published online:

تشير التقديرات إلى أن ما يقرب من ثلث سكان العالم1 يصابون بعدوى الكائن أحادي الخلية المعروف باسم «المُقوَّسة الجوندية»، وهو طفيل يمكن ابتلاعه عند تناول الطعام، أو التقاط العدوى به لدى ممارسة أنشطة بعينها، مثل زراعة الحدائق2. ويحتاج هذا الطفيل إلى التمايُز، ليتحول إلى طَوْر مزمن، كي يُحْدِث عدوى دائمة في أنسجة الدماغ والعضلات، بيد أن الكيفية التي يتحول بها إلى هذا الطور ظلت لغزًا غامضًا. وفي مقال نُشر في دورية «سِل» Cell، أشار والدمان وزملاؤه3إلى أنه جرى التعرف على جين يتولى ترميز منظِّمٍ رئيسٍ لعملية التمايز تلك.

ويمكن لطفيل المُقوَّسة الجوندية أن يصيب أي حيوان من الحيوانات ذوات الدم الحار بالعدوى. أما العدوى في البشر، فيمكن أن تحدث من خلال تناوُل لحم غير مطهوٍّ جيدًا، يكون مصدره ماشية مصابة بالطفيل، أو عن طريق تناول طعام ملوَّث، أو ماء مُلوَّث. ويتحول طفيل المُقوَّسة الجوندية في غضون أسبوعين من دخوله جسم العائل أو المضيف من صورة تُسمَّى «طور المتسارِعة الحادّ النشِط» إلى صورة أخرى تُعرف باسم «المتباطِئة»، وهي التي تؤسِّس للإصابة بالعدوى المزمنة (شكل رقم 1). تُكوِّن المتباطئة كيسًا يستقر في خلايا العائل، ويحيط به جدار سميك من البروتينات والسكريات. ويكون ذلك الجدار بمثابة حاجز قوي يَحُول دون الوصول إلى الكيس، ويمنع العقاقير أو الجهاز المناعي لدى العائل من القضاء عليه.

الشكل 1: كيف تتمايز طفيليات المُقوَّسة الجوندية لإحداث عدوى مزمنة. (أ) يصيب طفيل المُقوَّسة الجوندية البشر، ويمكن أن يُشكِّل تهديدًا لحياتهم. وخلال الأطوار المبدئية للعدوى، يوجد الطفيل في مجرى الدم في صورة تُسمَّى «الطور الحاد النشِط»، ويكون في فجوة. وتتم استضافة الطفيل عن طريق إحدى خلايا العائل (غير مُوضَّحة في الشكل أعلاه)، ثم تنفجر الخلية والفجوة لاحقًا، فيدخل الطفيل إلى الدماغ، ويتسبَّب في الإصابة بعدوى مزمنة. وتحدث العدوى عندما يتمايز الطفيل إلى شكل يُسمى «متباطئة الطور المزمن». (ب) ويُشير والدمان وزملاؤه3 إلى أن الجين BDF1 يكون ضروريًّا لحدوث خطوة التمايز هذه. وفي كلٍّ من الطور الحاد والمزمن للعدوى، يُنسَخ هذا الجين في الحمض النووي الريبي المرسال. ورغم ذلك.. فإن البروتين المُرمَّز BFD1 ينشأ على نحوٍ تفضيلي أثناء العدوى المزمنة. ويُعَد BFD1 بروتينًا من عوامل النسخ، ويمكن أن يُحفِّز عملية التعبير عن الجينات اللازمة لتكوين المتباطئات.

الشكل 1: كيف تتمايز طفيليات المُقوَّسة الجوندية لإحداث عدوى مزمنة. (أ) يصيب طفيل المُقوَّسة الجوندية البشر، ويمكن أن يُشكِّل تهديدًا لحياتهم. وخلال الأطوار المبدئية للعدوى، يوجد الطفيل في مجرى الدم في صورة تُسمَّى «الطور الحاد النشِط»، ويكون في فجوة. وتتم استضافة الطفيل عن طريق إحدى خلايا العائل (غير مُوضَّحة في الشكل أعلاه)، ثم تنفجر الخلية والفجوة لاحقًا، فيدخل الطفيل إلى الدماغ، ويتسبَّب في الإصابة بعدوى مزمنة. وتحدث العدوى عندما يتمايز الطفيل إلى شكل يُسمى «متباطئة الطور المزمن». (ب) ويُشير والدمان وزملاؤه3 إلى أن الجين BDF1 يكون ضروريًّا لحدوث خطوة التمايز هذه. وفي كلٍّ من الطور الحاد والمزمن للعدوى، يُنسَخ هذا الجين في الحمض النووي الريبي المرسال. ورغم ذلك.. فإن البروتين المُرمَّز BFD1 ينشأ على نحوٍ تفضيلي أثناء العدوى المزمنة. ويُعَد BFD1 بروتينًا من عوامل النسخ، ويمكن أن يُحفِّز عملية التعبير عن الجينات اللازمة لتكوين المتباطئات.

كبر الصورة

وعلى الرغم من أن عدوى المُقوَّسة الجوندية منتشرة على نطاق واسع بين المجتمعات السكانية البشرية، فهي لا تُسبِّب ضررًا في أغلب الأحيان، إذ تحدث في طور المتباطئات الخامدة نسبيًّا، التي لم يسبق لها الارتداد إلى طور المتسارعات النشطة، المُمْرِض بدوره. ومع ذلك.. يمكن أن تهدد عدوى المُقوَّسة الجوندية حياة الأجنة، أو الأشخاص ذوي المناعة الضعيفة. وفضلًا عن ذلك.. تؤدي العدوى بطفيل المُقوَّسة الجوندية في الولايات المتحدة إلى حدوث مشكلات في الإبصار، أو إلى الإصابة بالعمى لدى 2% من الحالات المصابة بالعدوى، وذلك بسبب الأضرار التي تصيب العين، والتي تنتج عن هذا الطفيل المقاوِم للعلاج4.

وللكشف عن الإشارة التي تتحكم في تكوين طور المتباطئات، صَمَّم والدمان وزملاؤه طفيلًا من طفيليات المُقوَّسة الجوندية، بحيث يُعبِّر عن بروتين فلوري أخضر اللون، إذا تكوَّنت تلك الأكياس. وقد أتاحت مراقبة البروتين الفلوري باستخدام الفحص المجهري وتقنيات فرز الخلايا طريقة لتقييم ما إذا كان الطفيل قد تَمايَز إلى الصورة المرتبطة بالعدوى المزمنة، أم لا. ونتيجة لتعرُّضه لمعالجة مُسبِّبة للإجهاد في ظروف الاستزراع، مثل الحموضة القاعدية، تَمايَز الطفيل إلى متباطئات. وقد استخدم الباحثون أداة التحرير الجيني «كريسبر» لتعطيل جينات مختارة؛ بهدف تقييم ما إذا كان أيّ من تلك الجينات يؤثر على عملية التمايز، أم لا. وقد جاءت النتائج مذهلة وواضحة. فقد أدى تعطيل جين واحد مستهدف – أَطلَق عليه الباحثون اسم BFD1 – إلى منع تكوين المتباطئات.

ويعمل الجين BFD1 على ترميز بروتين من عوامل النسخ ينتمي إلى عائلة تُعرَف باسم البروتينات المحتوية على النطاق Myb. ويوضح والدمان وزملاؤه أن النطاق Myb للبروتين BFD1 هو الذي يقود عملية التمايز الخاصة بطفيل المُقوَّسة الجوندية. ويثير هذا كثيرًا من الاهتمام، نظرًا إلى أن هناك بروتينًا آخر يحتوي على النطاق Myb، يتحكم في تكوين الكيس الخاص بالطور المزمن لدى الطفيل المعروف باسم «الجياردية المعوية»5 Giardia lambia. وبالإضافة إلى ذلك.. يسهم عضو آخر ذو صلة بعائلة البروتينات المحتوية على النطاق Myb في تمكين طفيليات «المتصوِّرة» Plasmodium من التطور في خلايا الدم الحمراء6. وبالإضافة إلى ترميز البروتين BFD1، فإن طفيل المُقوَّسة الجوندية يعمل كذلك على ترميز 13 بروتينًا آخر من البروتينات المحتوية على النطاق Myb. وينبغي أن يضع الباحثون في قائمة أولوياتهم التعرف على وظائف تلك البروتينات، وتقرير ما إذا كان أي منها يلعب دورًا في عملية الإصابة بالعدوى.

ويشير والدمان وزملاؤه إلى أن طفيليات المُقوَّسة الجوندية التي تفتقر إلى البروتينBFD1  لا يمكنها إحداث إصابة مزمنة بالعدوى لدى الفئران. وعندما درس الباحثون تنظيم عملية التعبير عن البروتين BFD1، توصلوا إلى اكتشاف غير بديهي، مفاده أن الحمض النووي الريبي المرسال الذي يعمل على ترميز البروتين BFD1  عُبِّرَ عنه بمستويات متماثلة أثناء طورَي العدوى الحاد، والمزمن. كما اكتشفوا أن وجود البروتين BFD1 يكفي لدفع عملية تمايز الطفيل إلى الطور المتباطئ، وأن الحمض النووي الريبي المرسال الذي يعمل على ترميز البروتين BFD1  يُترجَم على نحو تفضيلي إلى هذا البروتين خلال الطور المزمن من العدوى. وعملًا بهذه النتائج.. صَمَّم والدمان وزملاؤه طفيل مُقوَّسة جوندية بحيث يُعبِّر عن صورة من صور البروتينBFD1 ، التي تكون غير مستقرة، إلا إذا أضيف أيضًا مُرَكّب آخر بعينه. وتماشيًا مع النموذج الذي وضعه الباحثون، أدَّى استقرار البروتين BFD1 بوساطة المركّب إلى تحوُّل الطفيل إلى الطور المتباطئ. ويطرح هذا الاكتشاف سؤالًا حول الكيفية التي يُتَحَكَّم بها في عملية ترجمة الحمض النووي الريبي المرسال الذي يُرمِّز البروتين BFD1 لإحداث الإصابة بالعدوى المزمنة، ربما استجابةً للإجهاد.

وكما هو متوقَّع.. لاحظ الباحثون أن طفيليات المُقوَّسة الجوندية تمايزت إلى متباطئات بعد عدة جولات من التنسخ في خلايا العائل داخل المختبر في ظل ظروف مُجهِدة (ينشأ الإجهاد في الجسم الحي بصفة جزئية، نتيجة تزايد الاستجابة المناعية لدى العائل). ولم تكن هذه العملية متزامنة عبر كل الطفيليات التي تُستزرع، أو حتى بالنسبة إلى تلك الموجودة في إحدى خلايا العائل. لذلك.. استخدم الباحثون عملية توصيف الحمض النووي الريبي في خلايا مفردة من طفيليات من النوع البري، وكذلك طفيليات تفتقر إلى البروتين BFD1، بهدف تقييم خصائص التعبير الجيني ذات الصلة بعملية التمايز. كذلك درس الباحثون المناطق التي يرتبط بها البروتين BFD1 من جينوم الطفيل. ومما بعث على الارتياح أن ما توقعوه بالنسبة إلى عامل النسخ هذا قد تَحَقَّق بالفعل، حيث ارتبط البروتين BFD1 بمناطق الجينات المُسمَّاة بمواقع بداية النسخ، وبصفة خاصة بالمناطق الموجودة في مجموعة كبيرة من الجينات التي كان الباحثون قد توصلوا إلى أن التعبير عنها يحدث بمستويات أعلى من المعتاد أثناء عملية التمايز.

ولا يزال هناك العديد من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات فيما يتعلق بتنظيم البروتين BFD1 لعملية التمايز، وكذلك بشأن الطريقة التي قد يتصرف بها البروتين في الاتجاه المعاكس بالنسبة إلى مجموعة من عوامل النسخ المُحدَّدة مسبقًا، التي يُطلق عليها ApiAP2s، وتلعب دورًا مهمًا –وإنْ كان غير كافٍ- في عملية التمايز7. وبالنظر إلى أن تنظيم البروتين BFD1 يحدث -على الأرجح- عبر التحكم في عملية ترجمة تسلسل الحمض النووي الريبي المرسال، فإن المقاربات التي تحدد محتوى الحمض النووي الريبي لدى الخلايا المفردة قد لا تكون كافية لتحديد المجموعة الكاملة من العوامل التي تحفز عملية التمايز. وثمَّة طريقة أخرى لدراسة التحكم في عملية الترجمة هذه، تتمثل في توصيف الأحماض النووية الريبية المرتبطة بآلية الترجمة الخاصة بمجمع الريبوسوم. وقد استُخدمت هذه الطريقة بالفعل فيما يتعلق بطفيل المُقوَّسة الجوندية9،8، وتنبغي الاستفادة منها في دراسة المتباطئات.

صار من الممكن الآن الاحتفاظ بالمتباطئات في خلايا مضيفة تُستنبَت في المختبر، دون التأثير سلبًا على الخلايا المضيفة، وهو ما يفتح آفاقًا عديدة أمام التجارب المستقبلية. ومما يُعَد مشوقًا للغاية.. إمكانية تحليل المتباطئات أثناء الإصابة بعدوى الدماغ باستخدام نهج يُسخِّر تقنيات الخلايا الجذعية، مثل تلك التي تُنتِج خلايا جذعية عصبية. كما تُتيح أداة التحرير الجيني «كريسبر» طريقة لاختبار دور الجينات المُضيِّفة، ويمكن أن تستهدف هذه الطريقة أيضًا طفيل المُقوَّسة الجوندية في المختبر، أو داخل الجسم الحي، على حد سواء10-12. وتوفُّر هذه الأدوات يمهِّد الطريق نحو اكتشافات جديدة حول التفاعل بين الطفيل، والعائل، والجهاز المناعي خلال الأطوار الحادة والمزمنة للعدوى. كذلك يتيح التطور الذي شهدته أساليب الذكاء الاصطناعي التي تُيسِّر إجراء تقييمات حاسوبية للاختلافات المعقدة والدقيقة في صور طفيل المُقوَّسة الجوندية طريقةً أخرى لتقييم عملية الإصابة بالعدوى13.

ولأنّ من بين أطوار الطفيل التي يجب التعامُل معها لعلاج المرض الذي يسببه في البشر، يُعَد طَوْر المتباطئات هو الأكثر أهمية وتحديًا في دورة حياة طفيل المُقوَّسة الجوندية، فإنّ استهداف البروتين BFD1 يُظهِر إمكانية حقيقية لإحراز تقدُّم فيما يتعلق بابتكار عقاقير، أو لقاحات. واكتشاف جين واحد بإمكانه التحكم في الطفيل برمّته يُقرِّبنا أكثر من اكتشاف حل للغز هذه العدوى المزمنة.

References

  1. Montoya, J. G. & Liesenfeld, O. Lancet 363, 1965–1976 (2004). | article
  2. Furtado, J. M., Smith, J. R., Belfort, R., Gattey, D. & Winthrop, K. L. J. Glob. Infect. Dis. 3, 281–284 (2011). | article
  3. Waldman, B. S. et al. Cell 180, 359–372 (2020). | article
  4. Jones, J. L. et al. Clin. Infect. Dis. 60, 271–273 (2015). | article

  5. Sun, C.-H., Palm, D., McArthur, A. G., Svärd, S. G. & Gillin, F. D. Mol. Microbiol. 46, 971–984 (2002). | article
  6. Boschet, C. et al. Mol. Biochem. Parasitol. 138, 159–163 (2004). | article
  7. Jeffers, V., Tampaki, Z., Kim, K. & Sullivan, W. J. Jr Cell. Mol. Life Sci. 75, 2355–2373 (2018). | article
  8. Hassan, M. A., Vasquez, J. J., Guo-Liang, C., Meissner, M. & Siegel, T. N. BMC Genom. 18, 961 (2017). | article
  9. Holmes, M. J., Shah, P., Wek, R. C. & Sullivan, W. J. Jr mSphere 4, e00292-19 (2019). | article
  10. Sidik, S. M., Huet, D. & Lourido, S. Nature Protocols 13, 307–323 (2018). | article
  11. Sangaré, L. O. et al. Cell Host Microbe 26, 478–492 (2019).

     | article
  12. Young, J. et al. Nature Commun. 10, 3963 (2019). | article
  13. Fisch, D. et al. eLife 8, e40560 (2019). | article

تعمل إيفا ماريا فريكل في معهد علم الأحياء الدقيقة والعدوى بكلية العلوم البيولوجية في جامعة برمنجهام، برمنجهام B15 2TT، المملكة المتحدة، ومعهد فرانسيس كريك في لندن بالمملكة المتحدة.

عنوان البريد الإلكتروني: e.frickel@bham.ac.uk