أنباء وآراء

علم الأعصاب: هندسة كائنٍ يتَّسم بالانتقائية الغذائية

عدَّل باحثون أدوات علم الوراثة العصبية، التي تُستخدم عادةً مع الكائنات الحية النموذجية، للاستعانة بها في دراسة سلوك التغذِّي لدى نوع ذبابة الفاكهة، المعروف باسم Drosophila sechellia. وقد سلطت تجاربهم الضوء على سبب تميُّز تلك الذبابة بانتقائها الشديد لغذائها.

جيسيكا إل. زونج، وكارولين إس. ماكبرايد

  • Published online:

يمكن للحيوانات أن تسلك سلوكياتٍ مختلفة عن بعضها البعض أشدَّ الاختلاف. ويَصْدُق هذا حتى على الحيوانات شديدة القرب من بعضها البعض في الشجرة التطورية. فعلى سبيل المثال.. لا تتغذى ذبابة الفاكهة المسمَّاة Drosophila sechellia إلا على فاكهة النوني السامّة Morinda citrifolia، في حين أنَّ أقرب الأنواع إليها في التطور السلالي ترفض تناول فاكهة النوني، وتُفَضِّل بدلًا منها خياراتٍ أكثر تقليدية1. في هذه الأنواع من الذباب2-4، وفي طائفة أخرى من الحيوانات5-7، لاحظ الباحثون اختلافاتٍ عصبية مثيرة للاهتمام بين الأنواع القريبة من بعضها تطوريًّا، وهي اختلافاتٌ ربما تفسِّر تَبايُن سلوكياتها، إلا أنه -حتى وقتٍ قريب- لم يكن في الإمكان دراسة هذا الارتباط بين الاختلافات العصبية والسلوكية دراسةً مباشرة. وفي بحثٍ نُشر مؤخرًا في دورية Nature، عَدَّل الباحث توماس أَوَر وزملاؤه8 تقنيات تعديل الجينوم، للاستعانة بها في دراسة ذبابة Drosophila sechellia، بحيث يتسنَّى لهم دراسة التغيرات العصبية والجينية التي تفسِّر تفضيل تلك الذبابة لغذاء بعينه.

تبدأ قصتنا بوصول أسلاف تلك الذبابة إلى أرخبيل سيشل في المحيط الهندي، ربما قبل بضع مئات الآلاف من السنين9. ورغم أنَّ الجُزُر تبدو للوهلة الأولى جنةً استوائية، يُعتقد أن استقبالها للذباب الوافد كان استقبالًا قاسيًا؛ إذ ربما كانت فاكهة النوني -الملقبة بفاكهة القيء، بسبب رائحتها النفاذة- من بين المصادر القليلة المتاحة بصفة مستديمة ليتغذى عليها الأسلاف الأوائل، الذين انتهى بهم المطاف إلى تلك الجزيرة10. وأغلب الظن أن تلك الفاكهة لم تكن جذابةً للذباب في بادئ الأمر، بل وربما كانت قاتلة، لكنَّ الذباب تَطَوَّر بمرور الوقت؛ ليتمكن مِن تحمُّل سمومها، واشتهاء رائحتها10؛ الأمر الذي انتهى بذبابة Drosophila sechellia حاليًّا إلى الاقتصار على تلك الفاكهة كمصدر للغذاء1 (الشكل 1). وعلى النقيض من ذلك.. ظلّت أنواع الذباب الأخرى على نفورها من تلك الفاكهة، ومن بينها الذبابة الشقيقة Drosophila simulans، وذبابة أخرى من أفراد هذه العائلة، وإنْ كانت أبعَد عنها من ناحية التطور السلالي، وهي ذبابة الفاكهة الشائعة  Drosophila melanogaster8.

الشكل 1 | ذبابة Drosophila sechellia تتغذى وتتكاثر على فاكهة النوني دون غيرها. ويدرس أَوَر وزملاؤه8 الآليات العصبية والجينية المسببة لهذا السلوك غير المعتاد.

الشكل 1 | ذبابة Drosophila sechellia تتغذى وتتكاثر على فاكهة النوني دون غيرها. ويدرس أَوَر وزملاؤه8 الآليات العصبية والجينية المسببة لهذا السلوك غير المعتاد.

Benjamin Fabian

إذًا، ما الذي يجعل ذبابة Drosophila sechellia تتميَّز بانتقائها الشديد لغذائها، في مقابل التنوع وعدم التخصص اللذين يميِّزان أقاربها؟ في عام 2003، توصَّل علماءٌ يدرسون حاسة الشم في هذه المجموعة من الذباب إلى اكتشاف مثير2؛ إذ وجدوا أنَّ هناك خلايا عصبية توجد في هذا النوع بكمياتٍ أكبر منها في أنواع الذباب الأخرى التي تعرضوا لدراستها، وهي فئة من الخلايا العصبية الحسية مسؤولة عن تركيب بروتين المستقبِلات الشمِّية، المعروف باسم Or22a. واكتشفوا أنَّه في كلٍّ من الذبابتين Drosophila sechellia، وDrosophila simulans، كانت هذه الخلايا العصبية حساسةً تجاه فئةٍ من المركبات، يشيع وجودها في رائحة فاكهة النوني. وتوصلت أبحاثٌ لاحقة إلى وجود تغيراتٍ مماثلة في مجموعاتٍ أخرى من الخلايا العصبية الحساسة لرائحة تلك الفاكهة3، فهل يمكن أن يُعزَى إلى هذه الفروق الشمِّية اشتهاءُ ذبابة Drosophila sechellia لفاكهة النوني ذات الرائحة الكريهة؟ بدا أن هذا هو التفسير الأقرب إلى الصواب، لكنَّ عَجْز الباحثين عن إجراء أي تعديلاتٍ دقيقة على نظام الشم لدى هذه الذبابة قد حال دون التوصل إلى أدلة تؤيد ذلك، بخلاف الارتباط العصبي السلوكي المُشار إليه آنفًا.

وفي هذه الدراسة، نجح أَوَر وزملاؤه أخيرًا في حل تلك المعضلة، باستخدام أداة تعديل الجينوم «كريسبر-كاس9» CRISPR–Cas9. يشيع استخدام هذه التقنية مع الكائنات الحية النموذجية، مثل ذبابة Drosophila melanogaster، وفأر المنازل Mus musculus، لتعديل جيناتها حسب الرغبة، لكنَّ الاستعانة بهذه التقنية في تعديل جينات أنواعٍ أخرى تنطوي -في بعض الأحيان- على شيء من التعقيد. فقد لا تألف الحيوانات الأخرى حياة المختبرات، أو ربما يجد الباحثون صعوبةً في الحصول على ما يكفي من الأجنة القادرة على البقاء خلال الإطار الزمني الحاسم الذي تُجرى فيه عملية تعديل الجينوم، غير أن أَوَر وزملاءه قد نجحوا في تذليل هذه العقبات، على نحوٍ مكَّنهم من التحكم بدقة في جينات الذباب؛ وهو الأمر الذي كان يُعَد ضروريًّا للبدء في إجراء اختبارات دقيقة تهدف إلى التحقق من وجود علاقة سببية مباشرة بين الاختلافات العصبية والسلوكية لدى الذبابة محل الدراسة.

ركَّز أَوَر وزملاؤه على دراسة تأثير التغيرات في بروتين المستقبِلات الشمِّية، المسمَّى Or22a، على النظام الغذائي الانتقائي الذي تتبعه ذبابة Drosophila sechellia. وتبيَّن لهم أنَّ تثبيط جين Or22a قد أدى إلى عجز الذبابة عجزًا شبه تام عن تحديد مكان فاكهتها المفضلة، وإنْ لم تبعُد عنها سوى أقلّ من متر واحد. وقد صدَّقت هذه النتيجة على أنَّ الخلايا العصبية المُنتِجة لبروتين Or22a مسؤولة عن معالجة الإشارات التي تساعد الذبابة على استهداف فاكهة النوني. أما الإقدام على إزالة مستقبِلٍ ما تمامًا، فيُعَد تعديلًا جذريًّا، يتجاوز عملية "ضبط" المستقبِل على نحو ما حدث في تطور بروتين Or22a ليصبح أشدَّ حساسية تجاه مركّبات فاكهة النوني. فالأمر أشبه ما يكون بسؤال عازف كمان عما إذا كان في استطاعته أن يعزف مقطوعة موسيقية باستخدام كمانٍ ينقصه وتر، أم ليس في استطاعته. فمع الإقرار بأهمية الوتر المفقود، لا يمكن للعازف أن يقف بدقةٍ على طبيعة التأثير الذي يمكن أن يُحْدِثه هذا الوتر -حال وجوده- على أدائه في العزف.

ومن هذا المنطلق.. سعى المؤلفون إلى إجراء اختبارٍ حاسم، لدراسة تأثير الاختلافات في ضبط بروتين Or22a على سلوك الذبابة في البحث عن فاكهة النوني، فنزعوا البروتين المستقبِل Or22a في ذبابة Drosophila melanogaster، وأحلُّوا محله نسخة المستقبِل الخاصة بذبابة Drosophila sechellia، والعكس بالعكس؛ ذلك أنَّ مستقبِلات الشم لدى الذبابتين متطابقة تقريبًا، لا يفرق بينها سوى بعض الاختلافات القليلة في بقايا الأحماض الأمينية، هي المسؤولة عما بين الذبابتين من اختلاف في حساسيتهما تجاه المركّبات المختلفة. فإذا عُدنا إلى مثال الموسيقى، سنجد أنه يمكن تشبيه هذه التجربة بتبديل الأوتار بين آلَتَي الكمان (الفيولينة)، والفيولا، ثم ملاحظة مدى تأثير الأوتار غير المتوافقة، والمضبوطة بشكلٍ مختلف في كل آلة على العزف. واللافت للنظر أنَّ تبديل المستقبِلات قد أكسب ذبابة Drosophila melanogaster اشتهاءً طفيفًا لفاكهة النوني، وقلَّل انجذاب ذبابة Drosophila sechellia إليها. وقد أثبت هذا الاختبار الحاسم -الذي يعود الفضل في نجاحه إلى مجموعة الأدوات المتطورة التي اعتمدت عليها المجموعة البحثية- أنَّ الاختلافات في ضبط البروتين المستقبِل Or22a تسهم في تفضيل ذبابة Drosophila sechellia لفاكهة النوني.

ولا شك أنَّ التطور في ضبط بروتين Or22a ليس سوى جزءٍ من القصة؛ ذلك أنَّ أحد أكثر الجوانب إثارةً للاهتمام في دراسة أَوَر وزملائه يكمُن في عدد التغيرات التطورية، التي ربما أسهمت في إحداث هذا التغير السلوكي البسيط. فقد أكد المؤلفون2 أنَّ التطور لم يُعدِّل من ضبط بروتين Or22a فحسب، وإنما عمل كذلك على تضخيم قدرة البروتين على تحفيز عمليات التأشير اللاحقة في ذبابة Drosophila sechellia، وذلك عن طريق مضاعفة عدد الخلايا العصبية المسؤولة عن تركيب هذا البروتين بمقدار ضعفين، أو ثلاثة أضعاف. ليس هذا فحسب، بل هناك المزيد من تجارب إزالة المستقبِل التي تشير بوضوح إلى أنَّ التغيرات التي وَثَّقَتها أبحاثٌ سابقة4،3-أُجريت على فئتين رئيستين أخريين من الخلايا العصبية الحسية- أسهمت أيضًا في إحداث هذا التغير السلوكي. وربما تلعب عمليات إعادة تشكيل الدارات العصبية اللاحقة دورًا في ذلك أيضًا؛ إذ اكتشف أَوَر وزملاؤه في عمق دماغ ذبابة Drosophila sechellia دارة بنيوية فرعية يمكنها تغيير طريقة معالجة الذبابة للمعلومات المتعلقة برائحة فاكهة النوني.

ولسوء الحظ، ما زال من الصعب دراسة العلاقات السببية بين عديدٍ من هذه التغيرات التطورية دراسةً مباشرة. صحيحٌ أننا نستطيع تعديل سلوك الخلايا العصبية الحسية بسهولة، عن طريق تعديل المستقبِلات التي تُركِّبها تلك الخلايا. وصحيحٌ أيضًا أننا نستطيع تعديل نشاط الخلايا العصبية الموجودة في عمق الدماغ، كما تجلَّى ذلك في الدراسات الأخيرة التي تناولت تطور دارات الدماغ المركزي في نوعين آخرين غير نموذجيين من ذبابة الفاكهةDrosophila 12،11. ومع ذلك.. فمن الصعب، إن لم يكن من المستحيل، إجراء تعديلاتٍ دقيقة على السمات البنيوية، مثل عدد الخلايا العصبية في دارةٍ ما، أو الروابط بينها. فهذه الوصلات العصبية تنشأ في وقتٍ مبكر من نمو الحيوان، ولها أساسٌ جيني لم يُفهم جيدًا بعد بما يكفي لتعديلها حسب الرغبة. ومع زيادة مجموعات الأدوات المتاحة في علم الوراثة العصبية، سيكون من المثير الاستمرار في كشف ألغاز ذبابة Drosophila sechellia.

إننا على أعتاب عصرٍ تتوفر فيه الأدوات الجينية لإجراء تعديلاتٍ على أهدافٍ بعينها داخل الأجهزة العصبية لكائناتٍ حية متنوعة. وفي الوقت نفسه، بين أيدينا سجلٌّ حافل من الملاحظات والمشاهدات التي ترصد الاختلافات في سلوكيات الحيوانات، جُمعت عبر أكثر من قرن من الزمن. فمن خلال الجمع بين هذين، كما فعل أَوَر وزملاؤه في حالة ذبابة Drosophila sechellia، يمكننا أخيرًا البدء في اختبار الفرضيات القديمة حول التطورات السلوكية عبر طيفٍ عريض من الكائنات. فحتى تلك الذبابة البائسة، التي تشتهي فاكهة النوني كريهة الرائحة، يمكنها أن تمُدَّنا برؤًى متعمقة حول كيفية تطوُّر الأدمغة، لتشكيل السلوكيات المعقدة.

References

  1. Stensmyr, M. C. Ann. NY Acad. Sci. 1170, 468–475 (2009). | article
  2. Stensmyr, M. C., Dekker, T. & Hansson, B. S. Proc. R. Soc. B 270, 2333–2340 (2003). | article

  3. Ibba, I., Angioy, A. M., Hansson, B. S. & Dekker, T. Naturwissenschaften 97, 1059–1066 (2010). | article
  4. Prieto-Godino, L. L. et al. Neuron 93, 661–676 (2017). | article
  5. Krebs, J. R. et al. Ibis 138, 34–46 (1996). | article
  6. Zhao, Z. & McBride, C. S. J. Comp. Physiol. A https://doi.org/10.1007/s00359-020-01399-6 (2020). | article
  7. Aragona, B. J. & Wang, Z. ILAR J. 45, 35–45 (2004). | article
  8. Auer, T. O. et al. Nature 579, 402–408 (2020). | article
  9. Garrigan, D. et al. Genome Res. 22, 1499–1511 (2012). | article
  10. Jones, C. D. Genetica 123, 137–145 (2005). | article
  11. . Ding, Y. et al. Curr. Biol. 29, 1089–1099 (2019). | article
  12. Seeholzer, L. F., Seppo, M., Stern, D. L. & Ruta, V. Nature 559, 564–569 (2018).| article

جيسيكا إل. زونج، وكارولين إس. ماكبرايد تعملان في قسم الأنظمة الإيكولوجية والبيولوجيا التطورية، ومعهد برينستون لعلم الأعصاب بجامعة برينستون، مدينة برينستون، 08544 نيو جيرسي، الولايات المتحدة الأمريكية.

 عنوانا البريد الإلكتروني:

jessica.zung@princeton.edu

csm7@princeton.edu