رؤية كونية

لماذا يجب تجنُّب التعجُّل بطرح لقاح لكوفيد-19؟

لا بدّ أن تكون اختبارات الأمان ركيزةً أساسية في التدابير الرامية إلى التعامل مع جائحة فيروس كورونا الجديد.

شيبو جيانج

  • Published online:

CHEN HUA

أرى مساعي تُبْذَل في جميع أنحاء العالم دعمًا للبرامج الرامية إلى إيجاد "حلول سريعة" لتفشي كوفيد-19، والتي تهدف إلى تطوير لقاحات وعلاجات لمواجهة المرض. وقد أخذتْ بالفعل مجموعات بحثية بالولايات المتحدة والصين في التخطيط لاختبار لقاحات على متطوِّعين أصحَّاء. لكن لا يذهب بك الظنُّ إلى أنني أقلل من هذه الجهود، فما أحوجنا إلى أن نبذل أقصى جهد ممكن، وبأقصى سرعة ممكنة، من أجل تطوير أدوية ولقاحات تكون متاحةً على نطاق واسع في جميع أرجاء العالم! لكن علينا ألا ننجرَّ إلى العجلة التي تُولّد الأخطاء.

فعلى سبيل المثال: لقاحات الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية وشلل الأطفال والجدري والإنفلونزا، جميعها تتكئ على تاريخ طويل من الاستخدام الآمن، وقد رُوعي في تطويرها الوفاء بمتطلبات الجهات الرقابية المعنية.

لقد عملتُ على تطوير لقاحات لفيروسات كورونا منذ عام 2003، عندما تفشَّى مرض المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة «سارس» SARS. ومن واقع هذه التجربة، أرى أنه لا غنى عن البرتوكولات القياسية لضمان حماية صحة الأفراد. ومن ثمَّ، قبل السماح باستخدام أي لقاح لعلاج مرض كوفيد-19 في البشر، يتعيَّن على الجهات الرقابية تقييم أمان استخدام اللقاح لمواجهة طائفة من سلالات الفيروس المُسبّب لهذا المرض، وعلى أكثر من نموذج حيواني. كما يتعيّن عليها مطالبة الجهة المطوِّرة للقاح بتقديم أدلّة قوية من التجارب قبل الإكلينيكية، تثبت فاعلية اللقاح قيد التجربة في الحيلولة دون الإصابة بالعدوى، رغم ما قد يترتَّب على ذلك من الانتظار أسابيع أو حتى أشهر لتصبح تلك النماذج متاحة.

إن الوقت الذي يُستغرق في اتّباع تلك الإجراءات ليس وقتًا مهدرًا، فمن واقع تجربتي في التعامل مع فيروس «سارس»، وجدتُ أن الاستجابات المناعية المثيرة للقلق قد ظهرت في حيوان ابن مُقرِض وفي القردة، مع أنها لم تظهر في الفئران. كما أن بعض شظايا البروتين الفيروسية قد تثير استجابات مناعية أشدَّ قوة أو أقل خطرًا من غيرها. ومن ثمَّ، فإن المنطق يُملي علينا ضرورة التعرُّف على آثار تلك اللقاحات من خلال الدراسات الحيوانية قبل تجربتها على البشر.

ويُمكن تفهّم حاجة الحكومات الماسة لأي حلٍ من شأنه وضع حدٍ لأعداد الوفيات، وإغلاق الأعمال، والحجر الصحي، وما إلى ذلك من النتائج المترتبة على انتشار كوفيد-19. غير أن مجابهة هذا المرض تتطلَّب لقاحًا آمنًا وقويًا. فرغم انخفاض نسبة الوفيات جرَّاءه (3.4% وفقًا لأحدث تقديرات منظمة الصحة العالمية، وإن كانت هذه النسبة موضع شكٍ كبير)، فإن معدلات انتقال العدوى مرتفعة إلى الحد الذي يصعب معه تتبع التفشّي. ويدلّ ذلك على أن نسبة كبيرة من الأفراد -وربما غالبية مَنْ يقطنون بؤر المرض- سيحتاجون إلى تحصينهم بلقاح للحدِّ من انتشار الفيروس، ومنع الوفيات الناجمة عنه. وعلى النقيض، فإن معدّل الوفيات الناجمة عن الإصابة بفيروس «إيبولا» -على سبيل المثال- مرتفع للغاية (يبلغ في المتوسط نحو 50%، ولكنه يتراوح بين 25% و90%). بيد أن هذا الفيروس، في المقابل، أقلّ قدرة على الانتشار، وهو ما يؤهِّل عملية التطعيم في هذه الحالة لأن تكون أكثر فاعلية.

وقبل عقود، تسبَّبتْ اللقاحات التي طُورت لمواجهة فيروس آخر من عائلة فيروسات كورونا -هو فيروس الصفاق المعدي السنوري الذي يُصيب القطط- في زيادة خطر إصابة القطط بالمرض نفسه الناتج عن الفيروس (T. Takano et al. J. Vet. Med. Sci. 81, 911–915; 2019). وقد لوحظتْ ظواهر مماثلة في دراسات حيوانية أُجريت على فيروسات أخرى، منها فيروس كورونا المسبّب لمرض «سارس» (Y. W. Kam et al. Vaccine 25, 729–740; 2007).

وعليه، يجب على الأجهزة الرقابية عدم الكفّ عن مطالبة مطوّري اللقاحات بإجراء الدراسات التي تهدف إلى التحقق مما قد يكون لهذه اللقاحات من استجابة ضارة على الحيوانات. ويجب عليهم أيضًا الحرص على تقييم الوضع الصحي للمتطوعين الأصحّاء، للتأكد من خلوِّهم من الأجسام المضادة لأي فيروس من عائلة كورونا قبل إخضاعهم لاختبارات أمان اللقاحات. أما جهات التمويل، فيتعين عليها اجتناب الانجراف وراء الضجة الإعلامية، وتخصيص مزيد من الأموال للاختبارات اللازمة لتطوير دواء لفيروس (سارس-كوف-2) أو لقاح.

وتعكف الصين على تطوير لقاحات عدّة، مختلفة الأنواع، لمواجهة مرض كوفيد-19، وقد أعلنت اعتزامها طرح منتجات لاختبارها على البشر، أو استخدامها في حالات الطوارئ مع الأصحاء بحلول شهر أبريل. وما يثير قلقي أن هذا قد يكون من شأنه إتاحة لقاح للاستخدام قبل اكتمال تقييم فاعليته وأمانه في النماذج الحيوانية أو التجارب الإكلينيكية. وفى الولايات المتحدة، شركة «موديرنا» Moderna -المتخصصة في مجال التكنولوجيا الحيوية في نوروود، في ماساتشوستس- أرسلت لقاحًا تجريبيًا قائمًا على الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA) إلى المعهد الوطني الأمريكي لدراسات الحساسية والأمراض المُعدية (NIAID) في ببيثيسدا بولاية ميريلاند، ليجري اختباره في تجربة إكلينيكية. وقد ثبت أن منهجية تطوير اللقاحات المعتمدة على الحمض النووي الريبي المرسال آمنة للبشر، لكن هذا اللقاح المُعَدّ لمواجهة مرض كوفيد-19 لم يثبت أنه كذلك. ويذهب معهد دراسات الحساسية والأمراض المعدية إلى أن التباطؤ في تطوير اللقاحات ينطوي على مخاطرة تتجاوز بكثير خطر إحداث مشكلات صحية لدى المتطوعين الأصحّاء. غير أنني أخشى أن يندفع مطوّرو اللقاحات، وأن يتعجلوا إنتاج اللقاح، إذا ما خفضت المعايير الواجب مراعاتها.

يضمّ سجلّ التجارب الإكلينيكي العام في الصين حاليًا أكثر من مئة علاج لمرض كوفيد-19. بيد أن معظمه يتضمّن عقارًا مُعتمدًا لعلاج أمراض أخرى. وهذا يعني أن تلك العلاجات لا تستهدف تحديدًا فيروسات كورونا التي تصيب البشر، ولم يجر اختبارها فى النماذج الحيوانية المصابة بكوفيد-19، على الرغم من أن الأجهزة الرقابية الصينية عادةً ما تتطلَّب ذلك. زِد على ذلك أن التجارب التي تُجرَى لاعتماد دواء مرض معيّن في علاج أمراض أخرى غالبًا ما تُغفل ما قد يطرأ من تداخلات دوائية بين هذا الدواء وغيره من الأدوية. فلا بدّ من تقييم احتمالات حدوث السمية التآزرية التي قد تنجم عن هذا التداخل قبل أن تُعد هذه "الأدوية القديمة" جزءًا من النظم العلاجية لمجابهة هذا المرض.

وثمة عامل آخر يجب أن يُؤخذ بعين الاعتبار: وهو احتمالية تسبُّب فيروسات كورونا حديثة الظهور -والتي قد تعاود الظهور مستقبلًا- في إحداث تفشّيات مستقبلية. إذ قد يتحوّر الفيروس المسبب لكوفيد-19 على نحو تبطل معه جدوى اللقاحات والعقاقير المضادة له. ومن أجل ذلك، يتعيّن على أي جهة رقابية تبحث سُبل التعجيل بإنتاج العلاجات، أن تقيّم الآثار المُحتملة لهذه الأدوية على الفيروسات التي قد تظهر بعد فيروس كورونا محل النظر.

إن المبادرة إلى اختبار اللقاحات والأدوية، دون استغراق الوقت الكافي لفهم مخاطرها على السلامة على أتم وجه، من شأنها أن تؤدي إلى انتكاسات لا مبرّر لها في الجائحة الحالية، وربما في الجوائح التي قد تحدث مستقبلًا. بقي أن نذكّر بأن استجابة المواطنين لدعوات الحجر الصحي وغيرها من تدابير الصحة العامة الأخرى، مقرونةٌ بمدى ثقتهم في التوجيهات الصحية المقدَّمة من حكومات بلادهم. ومن ثمّ فإن الاندفاع إلى تطوير لقاحات وعلاجات قد تنطوي على مخاطر صحية سوف يؤدي إلى زعزعة تلك الثقة، وإحباط الجهود الرامية إلى وضع تقييمات أفضل. وصحيحٌ أننا في مسيس الحاجة إلى الإسراع، لكن ما أحرانا إلى تمثُّل ذلك القول القديم: قِس مرتين، واقطع مرة واحدة.

شيبو جيانج أستاذ علم الفيروسات بكلية العلوم الطبية الأساسية، لدى جامعة فودان، بشنغهاي في الصين، وفي مركز الدم في نيويورك، بنيويورك، في الولايات المتحدة الأمريكية.