أخبار

معركة مكافحة غزو الجراد

يدعو العلماء إلى استخدام مبيدات الآفات البيولوجية، ويشدِّدون على اتّخاذ إجراءات رصد أكثر دقة للتصدي لزحف الجراد الأكبر على الإطلاق على مدى ربع قرن.

أنتوانيتا روسي 
  • Published online:
كينيا تعاني غزوات جراد هي الأسوأ على الإطلاق منذ 70 عامًا.

كينيا تعاني غزوات جراد هي الأسوأ على الإطلاق منذ 70 عامًا.

Tony Karumba/AFP/Getty

تجتاح الآن أسراب هائلة من الجراد جميع أنحاء شرق إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، لتمثل بذلك خطرًا على الإمدادات الغذائية وسبل العيش. وفي الوقت الذي تتسابق فيه الحكومات والعلماء لمكافحة هذه الحشرات، يهدّد هذا الخطر ما لا يقل عن 20 مليون شخص.

وفي كينيا، اكتسح سرب ضخم على نحو استثنائي 2400 كيلومتر مربع من البلاد، أي ما يُضاهي ثلاثة أمثال مساحة مدينة نيويورك. وفي المعتاد، تغزو أسراب الجراد مساحة قدرها مئة كيلومتر مربع. وحتى مع مساحة كهذه، يمكن أن تصل أعداد الجراد من 4 إلى 8 مليارات جرادة، وهو عدد قادر على أن يلتهم في اليوم الواحد ما يستهلكه ثلاثة ملايين ونصف مليون شخص على الأقل.

من هنا، وجَّهت منظَّمة الأغذية والزراعة »الفاو« (FAO)، التابعة للأمم المتحدة، نداءً للحصول على تمويل عاجل قدره 138 مليون دولار أمريكي، يذهب نصفه إلى دعم المجتمعات المتضررة، فيما يُرصد النصف الآخر للحدِّ من زحف الجراد. وفي الوقت نفسه، شدَّد باحثون على ضرورة اتخاذ إجراءات مراقبة أكثر دقة للتنبؤ بحركة الآفة ونموها. كما نبَّهوا إلى ضرورة توافُر بدائل لمبيدات الآفات الكيماوية المُصنعة، لمكافحة الجراد قبل أن يتكاثر بأعداد أكبر.

والجراد الصحراوي (Schistocerca gregaria)، الذي يوجد في أكثر من 65 دولة حول العالم الأشد فقرًا، يعيش عادة في عزلة بالصحاري التي تفصل بين غرب إفريقيا والهند، ويتكاثر في أعقاب فترات تساقط الأمطار، لحاجته إلى التربة الرطبة لوضع البيض. أما حال الأمطار الغزيرة بشكل استثنائي، فيمكن لجماعات الجراد أن تتزايد أعدادها سريعًا، ما يؤدي لتكوُّن أسراب شاسعة.

تزامنت موجات تفشي الجراد المستمرة مع أعاصير عام 2018، واحترار الطقس في أواخر عام 2019، بالإضافة إلى تساقط الأمطار الذي بلغ من الشدة درجة غير معتادة. بعد ذلك، رُصدت أسراب الجراد الهائلة في مطلع عام 2020 في إثيوبيا والصومال، ومن هناك، سرعان ما انتشرت إلى بلدان أخرى، مثل كينيا وأوغندا والسودان. كما بدأت أسراب الجراد تتشكل في اليمن والسعودية وإيران وباكستان والهند.

وأشارت سيجينِت كيليمو، المدير العام للمركز الدولي لفسيولوجيا الحشرات ونظمها البيئية في نيروبي، والتي تسدي المشورة لحكومة كينيا بشأن إجراءات مكافحة الجراد، إلى وجود عوامل أخرى لغزو هذه الحشرات. فعلى سبيل المثال، حالت الحرب المستمرة في اليمن دون وصول القائمين على تقديم المساعدات الإنسانية والبحثية إلى جزء كبير من هذا البلد، مما عرقل مكافحة غزو الجراد هناك. وفي ذلك الصدد، تقول كيليمو: "البلدان مثل اليمن في وضع لا يسمح لها بالتعامل مع الآفات الغازية".

وإلى جانب كل هذه العوامل، لا تُخصص تمويلات كافية لعمليات مراقبة الجراد في إفريقيا، بحسب ما جاء عن روبرت تشيك، عالِم الحيوان بمعهد الموارد الطبيعية بلندن، الذي يقدم المشورة إلى أوغندا بشأن مكافحة الجراد. ويقول تشيك إن كثيرًا من البلدان المتضررة تتخلف عن دفع المبالغ المستحقة عليها لتمويل منظمة مكافحة الجراد الصحراوي في بلدان شرق إفريقيا (DLCO-EA) التي يقع مقرها في أديس أبابا، والتي تضطلع بتوفير نظم للإنذار المبكر وتساعد على مكافحة غزوات الجراد. وتدين جيبوتي والصومال والسودان معًا بأكثر من 8 ملايين دولار للمنظمة، أما أوغندا فسوّت جزءًا من مديونيتها الشهر الماضي، لكنها لا تزال تدين للمنظمة بمليوني دولار.

ويقول تشيك إن منظمة مكافحة الجراد الصحراوي في بلدان شرق إفريقيا "ليس في استطاعتها فعل شيء ما لم تتلق التبرعات". وأكد ستيفن إنجوكا، مدير المنظمة، في اتصال له مع دورية Nature أن العجز الناجم عن عدم سداد المستحقات المالية قد حدَّ من قدرة المنظمة، مشيرًا إلى أنها لا تمتلك سوى أربع طائرات يمكن استخدامها في رش الآفات، كما أنها تواجه مشكلات في الحفاظ على استمرار الإمدادات من المواد الكيماوية الضرورية.

المكافحة البيولوجية

ويساور الباحثون القلق أيضًا من أن رش مواد كيماوية مثل مبيد الحشرات شائع الاستخدام »كلوربيريفوس« chlorpyrifos، قد يضر بالإنسان والبيئة. من ثم ينصح تشيك وزملاؤه باللجوء إلى إجراءات مكافحة بديلة -لا سيّما "مبيدات الآفات البيولوجية"- التي بإمكانها استهداف الآفات دون الإضرار بالبيئة المحيطة.

وبوجه خاص، يوصي تشيك وفريقه باستخدم فطر يُسمى Metarhizium anisopliae، من شأنه أن يقضي على الجراد بالنمو داخل أجسادها. فعلى عكس مبيد الكلوربيريفوس، "يقتصر عمل هذا الفطر على الآفة المستهدفة دون أن يقتل كل ما يصطدم به"، كما ذكر تشيك. وقد أظهرت دراسات سمّية النظم البيئية أن هذا الفطر يمثل خطرًا ضئيلًا على الكائنات الحية الأخرى، بما فيها الحشرات. (R.Peveling et al. Crop Prot. 18, 323-339, 1999).

وتقول بيلِندا لوك، قائدة فريق بحوث مبيدات الآفات البيولوجية بمركز الزراعة والعلوم الحيوية الدولي في إيجهام بالمملكة المتحدة، إن المبيدات البيولوجية -على النقيض من مبيد الكلوربيريفوس- تعمل على أفضل وجه عندما تكون أجنحة حشرات الجراد اليافعة -المعروفة باسم الحوريات- لا تزال في طور النمو.

ويستعين فريق لوك بالبيانات التاريخية بخصوص المناخ وغزوات الجراد لوضع نموذج للتنبؤ بمدى سرعة بلوغ الجراد. وتقول إنه لدى اكتمال النموذج، فإنه قد يساعد الباحثين على تحديد المرحلة التي تكون عندها المبيدات البيولوجية أكثر فتكًا في دورة حياة الجراد.

وتتمثَّل مشكلة الاجتياح الحاليّ في عدم إمكان توفير المبيدات البيولوجية بكميات كبيرة خلال مهلة قصيرة، وفقًا لمّا صرَّحت به كيليمو. ويدفع هذا الحكومات إلى اللجوء للمبيدات المُصنَّعة، ناهيك بأن المبيدات البيولوجية لا تعمل بالسرعة نفسها التي تعمل بها المبيدات الكيماوية، بحسب قول لوك التي تضيف: "لا يمكنك أن تنشر المبيدات البيولوجية وتتوقع أن ترى الحشرات نافقة بعدها بساعة، إذ إن الفطر يستغرق ما بين سبعة وأربعة عشر يومًا لقتل الجراد". وهذا يحدّ من فاعليته في غزوات الجراد المباغتة.

ويؤيّد إنجوكا الرأي القائل إن المكافحة البيولوجية خيار أفضل، وإن كان يرى أنه في الحالات الطارئة -مثل الآن- تكون مبيدات الحشرات التقليدية الخيار الواضح، ويقول: "يرغب الفلاحون في رؤية الآفات تموت كل يوم بوتيرة أسرع من اليوم الذي يسبقه".