افتتاحيات

قصورٌ في الاستعدادات لمواجهة الجراد

الجراد يتسبب في أزمةٍ غذائية، لم يعد من الممكن تجاهلها.

  • Published online:

ينصَبّ اهتمام العالم بأسره في الوقت الحالي على تفشي فيروس كورونا الجديد «سارس-كوف-2»، لكنْ هناك أزمةً طارئة أخرى لا تحظى بتغطيةٍ كافية، وتهدِّد توفير الطعام والخدمات الصحية والوظائف في ثلاث قارات. فعلى مدى الأشهر الماضية، التهمت أسرابٌ من الجراد الصحراويSchistocerca gregaria -بعضها كبيرٌ بما يكفي ليغطي مدينةً بأكملها- المحاصيل في شرق أفريقيا، والشرق الأوسط، وجنوب آسيا. وبات حوالي 20 مليون شخص يواجهون أزمةً غذائية.

يحدث هذا في وقت باتت فيه الحكومات غير مستعدة بما يكفي لمواجهة هجماتٍ بهذا الحجم. وقد ناشدت منظمةُ الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) في روما بتوفير تمويلٍ عاجل بقيمة 138 مليون دولار أمريكي، يلزم جزءٌ منه لاستئجار طائراتٍ لرش الكيمياويات، بغرض الحدّ من انتشار الجراد.

وتُعَد أسراب الجراد ظاهرةً سنوية، تحل بانتظام كل عام بعد موسم الأمطار، إذ تضع حشرات الجراد بيضها في الترب الرطبة. ومِن الملاحَظ أنّ أسراب العام الحالي من الجراد هي الأكبر منذ 25 عامًا على الأقل. ويرجع هذا -في جزء منه- إلى الأمطار التي تساقطت في أوقاتٍ غير معتادة على عددٍ كبير من المناطق -منها إريتريا، وإثيوبيا، وإيران، وباكستان، والسعودية، واليمن- واتسمت بالغزارة في أغلب الأحيان. لذا.. تنبغي الاستجابة لنداءات منظمة الأغذية والزراعة، خاصةً مع التوقعات بتساقط مزيدٍ من الأمطار، وهو ما يُحتمل أن يؤدي إلى قَدْرٍ أكبر من الدمار. وفي الوقت ذاته، يجب على بعض الحكومات المعنية أن تسأل نفسها عما يمكنها أن تتخذه من إجراءاتٍ إضافية؛ للحدّ من الضرر.

ففي بلدان عديدة تشارك مكاتب هيئات الأرصاد الجوية بيانات المناخ والطقس مع ما يسمى بمكاتب مكافحة الجراد الصحراوي. وقد أُنشئت هذه المكاتب للتنبؤ بغزو أسراب الجراد، وتقديم المشورة بشأن الخسائر المحتمَلة في المحاصيل الزراعية، وبشأن الإجراءات التي يجب اتباعها للتخفيف من هذه الخسائر. وتوجد في شرق أفريقيا هيئةٌ إقليمية تسمَّى «منظمة مكافحة الجراد الصحراوي في شرق أفريقيا»، مقرها أديس أبابا، وتمولها تسعة بلدان أفريقية.      

وقد أُخطرت دورية Nature بأنَّ بعض الدول الأعضاء بالهيئة -مثل جيبوتي، والصومال، والسودان- لم تتمكن من دفع رسوم عضوياتها لسنواتٍ عديدة، وتدين مجتمعةً للمنظمة بأكثر من 8 ملايين دولار. هذا.. بالإضافة إلى أنَّ أوغندا، التي سوَّت جزءًا من ديونها خلال الشهر الماضي، ما زالت تدين للمنظمة بمليوني دولار. وقد شهدت كلٌّ من الصومال والسودان بالفعل صراعاتٍ حادة. ولذا.. يمكن تفهُّم السبب الذي دفعهما إلى عدم اعتبار أسراب الجراد خطرًا ذا أولويةً، لكنَّ تلك الحشرات يمكن لها أن تشكل خطرًا مكافئًا على رفاهية الحياة. وإذا لم تستطع دولٌ ما الإسهام بالمبالغ المستحقة عليها، فيجب على الاتحاد الأفريقي أو الأمم المتحدة أن يتدخلا.. فتوفير التمويل لمكاتب مكافحة الجراد ينبغي أن يُنظر إليه كدفع أقساط بوليصة التأمين، التي تأمل عند شرائها ألَّا تحتاجها أبدًا، لكنْ لا بد لك من امتلاكها؛ تحسبًا لحالات الضرورة.

وبينما ينصَبّ التركيز حاليًّا -لأسبابٍ وجيهة- على توفير المساعدات الغذائية الطارئة، فثمة حاجة إلى إسراع وتيرة الاستعدادات؛ لمواجهة أسراب الجراد القادمة. وينبغي على الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة التأكد من أنَّ المنظمات المعنية بمكافحة الجراد الصحراوي في كل دولة -التي توفِّر لها الدراساتُ المعلوماتِ أولًا بأول - مجهزة بشكلٍ أفضل لتقيّم المساعدة عندما يحين الوقت المناسب.