افتتاحيات

نداء إلى كل علماء الاقتصاد 

على الاقتصاديين والعلماء أن يتحدوا من جديد. ولهذا.. تدعم دورية Nature علم الاقتصاد. 

  • Published online:

"لقد أثرى العالَم بأعمالٍ ستظل لوقتٍ طويل معالم بارزة في مجال العلوم".

هكذا نعت1 دورية Nature الفيلسوف والاقتصادي جون ستيوارت ميل في عام 1873. وحين تقرأ هذا النعي، ستعتقد أنَّ الاقتصاديين والعلماء كانوا وجهين لعملةٍ واحدة، هي البحث العلمي، وأنَّ علم الاقتصاد كان مُرحَّبًا به كجزءٍ من الممارسات العلمية التقليدية، والعكس بالعكس. كان ذلك هو الوضع وقتها بالفعل، لكنَّه تغيَّر منذ ذلك الحين، إذ كان عصر العالِم الموسوعي يوشك على نهايته، وكان كل باحث من الباحثين قد بدأ يتخصص في تخصصٍ بعينه. وابتعد الاقتصاديون وباحثو العلوم الطبيعية بتصنيف الجامعات للباحثين إلى مجالات الهندسة، والعلوم الإنسانية، والعلوم الطبيعية، والعلوم الاجتماعية.

والآن، نحن في طريقنا للعودة إلى الوضع ذاته، إذ يقترب العلماء والاقتصاديون من بعضهم البعض مع تَبَنِّي الجامعات ووكالات التمويل المزيد من الأبحاث متعددة التخصصات، والعابرة للتخصصات. ففي منظمة الصحة العالمية مثلًا، جارٍ النظر في استحداث منصب كبير اقتصاديين، وستُعيِّن دورية Nature محررًا لموضوعات الاقتصاد قريبًا، أسوةً بدوريات مجموعة «نيتشر ريسيرش» Nature Research الأخرى، ومنها دورية «نيتشر كلايمت تشينج» Nature Climate Change، ودورية «نيتشر إنيرجي» Nature Energy، ودورية «نيتشر ساستينابيليتي» Nature Sustainability، ودورية «نيتشر هيومان بيهيفيور» Nature Human Behaviour.

وقد جاءت هذه الخطوات في الوقت المناسب.. فالعالَم يواجه الآن قدرًا ضخمًا من التحديات. ولإيجاد حلولٍ لها، ينبغي على البشرية أن تتعامل معها بطرق متعددة. وواحدةٌ من أكثر هذه المعضلات تعقيدًا تتعلق بالمجال البحثي نفسه، إذ يشير الاقتصاديون منذ سنوات إلى أنَّنا لا نفهم بوضوح لماذا لا تعود نتائج البحث العلمي والابتكار -التي أذنت ببدء العصر الرقمي، وبتحولاتٍ أخرى عديدة- بالنفع على جميع أفراد المجتمع، كما يتضح -على سبيل المثال- بالنظر إلى ركود الأجور، واتساع مظاهر عدم المساواة، غير أن عددًا قليلًا نسبيًّا من باحثي العلوم الطبيعية أو المهندسين حاول الإجابة على هذا السؤال.   

وفي الوقت نفسه، هناك حاليًّا عددٌ من الاقتصاديين، يتجاوز بعمله الحدود الفاصلة بين التخصصات، وهو عددٌ أكبر من أي وقتٍ مضى. ويريد هؤلاء من الدوريات قبول ما يتوصلون إليه من نتائج، فعلى سبيل المثال.. تقول ديان كويل، خبيرة الاقتصاد في جامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة: "لديّ زملاء أصغر سنًّا، مهتمون باقتصاد البيانات، والذكاء الاصطناعي، والأدوية، ويريدون العمل مع العلماء، ونشر الأبحاث معهم"، لكنَّها وغيرها قالوا إنَّهم يعانون لنشر الأبحاث عن المشكلات المجتمعية الكبرى، التي شاركوا في تأليفها مع باحثين في العلوم الطبيعية أو الاجتماعية من تخصصاتٍ أخرى، لأنَّ مِثْل هذه الأبحاث قد يقع خارج نطاق تخصص دوريات مجالَي الاقتصاد، والعلوم.

إنّ تلك الأبحاث مهمة. ففي عام 2011، بعد سنواتٍ قليلة من الأزمة المالية العالمية التي حدثت في عام 2008، عمل آندي هولدين -كبير خبراء الاقتصاد في بنك إنجلترا المركزي- مع روبرت ماي -المتخصص في علم الدراسات النظرية للنظم البيئية- لتسخير تقنيات وضع نماذج انتشار الأمراض المعدية في دراسة نقاط ضعف النظام المالي العالمي، والمخاطر التي يواجهها. وأوضحت الورقة البحثية2 التي نشراها بناءً على هذا الجهد في دورية Nature للباحثين كيف يمكنهم التعاون لفهم الأنظمة المعقدة الأخرى، مثل تلك التي تتعلق بالتجارة، أو المعلومات. كما قام جيم أونيل -المدير السابق للبحوث الاقتصادية في البنك الاستثماري العالمي «جولدمان ساكس» بمدينة نيويورك- أيضًا بعبور الممر الفاصل بين تخصصين، وذلك لدراسة تمويل تطوير عقاقير جديدة مضادة للميكروبات (انظر: go.nature.com/2e3bkmj). ويقول أونيل إنَّ الأبحاث الاقتصادية يمكن أن توضح تكاليف زيادة الاستثمارات في مجال الصحة العامة، وفوائدها، لتشجيع الحكومات في البلدان ذات الدخول المنخفضة والمتوسطة على الاستثمار في ذلك المجال.

وبالمثل، يقول أونيل إنَّه نظرًا إلى أنَّ شركات الأدوية والحكومات ما زالت لا توفر التمويل الكافي لتطوير الجيل الجديد من المضادات الحيوية الذي نحتاج إليه بشدة، فإنَّ باحثي مجال الطب الحيوي يحتاجون إلى التعاون مع خبراء الاقتصاد والمتخصصين في السياسات العامة، لوضع نموذجٍ مالي عملي وفعال.والبيئة هي أحد المجالات التي تلتقي فيها اهتمامات كلٍّ من باحثي العلوم الطبيعية، وخبراء الاقتصاد منذ سنواتٍ طويلة. فعلى سبيل المثال.. تخضع البحوث الاقتصادية للتقييم من قِبَل الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتَغَيُّر المناخ، كما تنشر أقسام الأبحاث والتعليقات في دورية Nature موضوعاتٍ وأبحاثًا مؤثرة، ألّفها خبراء اقتصاديون متخصصون في اقتصاد البيئة والنظم البيئية3.

ورغم هذا.. فحتى في مجال البيئة، ما زالت هناك مساحةٌ لمزيدٍ من التعاون لحل المشكلات، إذ إن النجاح في تحقيق العديد من أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة يتطلب فهْم مدى قدرة الاقتصادات على الاستمرار في النمو في إطار الحدود التي يفرضها الكوكب، إلا أنَّ هناك وجهات نظر عديدة حول تلك المسألة، تتضمن آراء من مدارس فكرية اقتصادية مختلفة. فعلى سبيل المثال.. يرى بعض الاقتصاديين أنَّ الضغوط التي يواجهها الكوكب بسبب عمليات التصنيع تجعله غير قادرٍ على تحمُّل النمو الاقتصادي المستمر، بينما يرى البعض الآخر أن هذا النمو ضروري لتخفيف حدة الفقر، ما دام ينبني على مقارباتٍ أكثر صداقةً للبيئة.

ولحل هذه المشكلات.. ينبغي على خبراء الاقتصاد وباحثي العلوم الطبيعية والاجتماعية والمهندسين أن يتعاونوا معًا، ويتعلموا من بعضهم البعض. وفي كثيرٍ من الأحيان.. من السهل للغاية أن نقول إنَّ "المزيد من الأبحاث سيكون مفيدًا"، لكنْ في الوضع الحالي.. مِن الضروري إجراء مزيدٍ من الأبحاث، وخاصةً أبحاث الاقتصاد، التي نتطلع إلى نشرها.  

References

  1. Nature 8, 47 (1873). | article
  2. Haldane, A. G. & May, R. M. Nature 469, 351–355 (2011). | article
  3. Costanza, R. et al. Nature 387, 253–260 (1997). | article