رؤية كونية

خاطبوا المشاعر لتوصيل العلوم

تكتب ماجي ريان ساندفورد عن ثلاثة دروسٍ مهمة تتعلق بالتفاعل مع الجماهير حول القضايا العلمية الخلافية، تعلَّمَتْها حين حملَت لافتتَين في فعاليةٍ عامة تدعو بهما الناس لسؤالها عن التطور.

ماجي ريان ساندفورد
  • Published online:

MAGGIE RYAN SANDFORD

ذهبتُ إلى معرض ولاية مينيسوتا في العام الماضي، حاملةً لافتتَين، مكتوبٌ عليهما: "اسألني أي سؤالٍ عن التطور". وقد افترض أنصار التطور أنَّني متعصبةٌ دينيًّا، بينما افترض المؤمنون بقصة الخلق أنَّني ذهبتُ إلى المعرض للسخرية من معتقداتهم. وتبيَّن لي أنَّ التحدي الأكبر في مكافحة المعلومات المغلوطة ما كان إلا استهلال الحوار مع الناس، إذ علمتني تلك المحاولة لجذب انتباه الناس من أجل التفاعُل معهم درسًا مهمًّا، وهو أنَّ مفتاح توصيل العلوم بفعالية ليس العِلْم، وإنَّما التواصل.

كان الحاضرون قد جاءوا ليتباهوا بماشيتهم عالية الجودة، ويأكلوا نقانق الذُّرة، ويركبوا لعبة دولاب الهواء، وليس للحنق على شخصٍ يختلف معهم حول نشأة الحياة على الأرض. ولم يكن معظمهم يتوقف للتحدث معي، إلا حينما أجتاز ما أصبحتُ أعتبِره "الاختبار الأول"، إذ كان بعضهم يسأل بصوتٍ عالٍ، دون تمهل في مشيته: "هل تؤمنين بالتطور؟"، بينما يسأل آخرون: "هل تؤمنين بالإله؟".

كان جزءٌ مني يموت في كل مرةٍ أُجيب فيها بـ"نعم" جليّةَ على أيٍ من السؤالين. لكن، كوني أعمل في مجال توصيل العلوم، ولأنِّي باحثةٌ سابقة في مجال التعليم، كنتُ أعي أن أهمية الحقائق تتضاءل أمام وزن المشاعر عندما يتعلق الأمر بالمعتقدات الشخصية الراسخة. والحاجة إلى تحديد هوية مَن تتعامل معه هي غريزةٌ بشرية طبيعية، وهو ما جعل إجابتي عليهم الطريقة الوحيدة لبدء الحوار. لذلك.. كنتُ أخبرهم –ببساطة- بأنَّني أحب الأرض بشدة، وكل ما عليها، وأنَّني كتبتُ كتابًا عن الحيوانات، أتمنى أن يجده الناس جذابًا.

أما في حظيرة الأبقار هناك، فقد ابتسم لي رجلٌ، كانت برفقته ابنته التي لم تبلغ بعد سن المراهقة، ثم تحاشى نظراتي المحدقة فيه. وقال لي: "نحن لا نؤمن بالتطور. ولذا..."، فرددتُ عليه: "حسنًا. هل تريد أن نتحدث عن الأبقار؟". وأشرتُ إلى أنَّ البشر يمكنهم بناء عضلاتهم عن طريق تناول البروتين الموجود في لحوم الأبقار، بسبب أصلنا المشترك، إذ من المعروف أنَّ "ملاءمة الموضوع للمتلقي" ضرورية، كي يفهم العامة العلوم، فالأفراد يحتاجون إلى المعلومات التي ترتبط بحيواتهم اليومية. لذا.. قال لي: "حسنًا، هذا رائع، لأنَّني أحب بالفعل شرائح اللحم اللذيذة". وقبل أن يرحل مبتعدًا مع ابنته، عبَّر كلانا عن اتفاقه مع الآخر برفع إبهامه.

تعلمتُ ثلاثة دروسٍ من تلك التجربة، أولها: عدم التشكيك في المعتقدات، إذ لا يضم الأفراد عادةً إلى معتقداتهم إلا الحقائق التي تتوافق مع هذه المعتقدات.

ولم يمثل ذلك لي مشكلةً. كان عليَّ فقط أن أجد موضوعاتٍ مقبولة لدى الجميع، مِن المؤيدين والمناهِضين للتطور، على حد سواء. وأحد تلك الموضوعات –على سبيل المثال– كان تربية الماشية، أو الكلاب، إذ كان نصف المحيطين بي -على امتداد ثلاثين مترًا في جميع الاتجاهات- قد جاؤوا لعرض أبقارهم، وخيولهم، ودجاجاتهم، التي رَبُّوها بعناية. وبتعبيراتٍ صادقة غير مصطنعة، دَعَوْتُهم ليعلموني دروسًا في مجالات خبراتهم، التي تَبَيَّن أنها تمُتّ للتطور.

ثاني تلك الدروس هو الإنصات، إذ كانت المجموعة الأصعب في مناقشتها ذلك اليوم تتألف من رجلين، وامرأة في نهاية العشرينيات. وكان الرجلان يرغبان فقط في المجادلة. ورأيتُ حينها أنَّ تفنيدهما لأسباب خطأ أفكاري ما هو إلا وسيلة لسؤالي عن التطور. لذا.. طلبتُ منهما أن يستفيضا، ويخبراني لماذا يجدان صعوبةً في تقبُّل التطور. وأدَّى ذلك إلى أنْ قالت مرافِقَتُهما في إصرار: "لقد استمعتُ إليكما، والآن استمعا إليها". وفي النهاية، شرح أحدهما للآخر النقاط التي ذكرتها. وقال مجبرًا إياه على السماح له بإنهاء حديثه: "إنَّها تقول إنَّ التطور هو طفراتٌ في حمضنا النووي. ما أقوله فقط هو إنَّني أفهم رأيها". 

أما الدرس الثالث، فهو أن تكون على دراية بما يظنه الناس في الحقيقة، إذ كان لدى جميع مَن في المعرض تقريبًا مفاهيم خاطئة عن التطور، العلمانيون منهم والمتديِّنون. ففي أغلب الأحيان، لم يكن أنصار التطور على درايةٍ بأنَّه قد أصبح من الممكن حاليًّا تتبُّع التطور في الجينومات، وليس فقط في الحفريات، وأنَّ البشر تجمعهم قرابة تطورية بجميع الكائنات الحية، وأنَّ أصولنا ليست القردة، لأنَّنا نوعٌ من القردة (تذكَّر أنَّ لفظ "قرد" من اختراع البشر).

إنَّ المفاهيم الخاطئة لدى ذوي الميول الدينية كان لها مغزًى شخصي أكبر في أغلب الأحيان، فحين استمعتُ إليهم، تَبيَّن لي بوضوح أنَّهم يَعتبِرون التطور هجومًا على كل القيم المهمة في نظرهم. وقد سألني عددٌ منهم عن سرديةٍ كانوا قد سمعوها في مكانٍ ما، تقضي بأنَّ "الحياة بدأت عندما كان الماء يقطر على صخرةٍ". ومما لا شك فيه أن هؤلاء كانوا قلقين مِن أن تقوِّض سرديةٌ كهذه فكرة أنَّ البشر قد خُلقوا على صورة مماثلة لصورة الإله.

وكثيرًا ما كنتُ أجد أنَّ الأفراد من كلتا المجموعتين يسيئون فهم عبارة "البقاء للأصلح". وفُوجئ هؤلاء حين علموا أنَّ التطور ليس منظومةً لتحسين الكائنات، وإنَّما هو فقط منظومةٌ لتغيُّرها. وصُدموا أيضًا بمعرفة أنَّ كتاب «أصل الأنواع» On the Origin of Species لم يكن الهدف منه هو مهاجمة الدين، فإلى أنْ بلغ داروين مرحلة الشيخوخة، كان يُصرِّح قائلًا: "لم أكن ملحدًا قط".

وحين يدرِك العامة أنَّ الباحثين هم مجرد بشر، عرضة للخطأ والارتباك، تزداد احتمالية ثقتهم في العلم، وتفاعلهم معه، لكن يبدو لسببٍ ما أنَّ الكثيرين في المجتمع العلمي يواجهون صعوبةً في إظهار هذه الصفات للآخرين. وإحدى المخاوف التي تشيع بينهم هي أنَّه في حال نشوب الجدالات المناهِضة للتطور والعلم، فإنَّ أي بادرة اختلافٍ أو تشكيك ستقضي على النقاشات العلمية.

عندما بدأتُ هذه "التجربة"، كانت فرضيتي هي أنَّ استعدادنا نحن أهل العلم لإظهار استعدادنا لتلقِّي النقد وسماع الآخر تعزز مصداقيتنا، وليس العكس. وأعتقد أنَّ تجربتي تؤيد ذلك. فعندما يعلو صوت المشاعر على صوت الحقائق، من الممكن لمخاطبة المشاعر بالفعل أن تفيد العِلْم.

وبغض النظر عن الموقف الذي يتبنّاه كلٌّ منا في الجدال حول التطور، فجميعنا بشر، وقد تَطوَّرْنا لنقرأ تعبيرات وجوه بعضنا البعض، ونفهم نبرات أصواتنا، لكي نعيش معًا. والعودة إلى أصولنا المتواضعة كنوعٍ من القرود هي الطريقة الوحيدة لنرى ذلك التوجه المناهِض للعلوم يمضي إلى غير رجعة.

ماجي ريان ساندفورد تعمل في مجال توصيل العلوم، وألَّفَت كتاب «تأملوا خلد الماء: استكشاف التطور من خلال أكثر الحيوانات المحيرة في علم الأحياء» Consider the Platypus: Evolution through Biology’s Most Baffling Beasts، الصادر في عام 2019.

البريد الإلكتروني: m.r.sandford@gmail.com