كتب وفنون

تقويض الحقائق والترويج للشك

بدءًا من صناعة التبغ، إلى صناعة الأغذية والوقود، تلجأ القطاعات الصناعية في ممارسات الفساد التي تزاولها إلى إنكار الحقائق، وإلى الخداع والتشكيك.

فيليسيتي لورانس
  • Published online:
السكر: استخدمت الشركات متعددة الجنسيات الألاعيب التي انتهجتهاصناعة التبغ لإعاقة التشريعات التي تهدف إلى خفض استهلاك السكريات.

السكر: استخدمت الشركات متعددة الجنسيات الألاعيب التي انتهجتهاصناعة التبغ لإعاقة التشريعات التي تهدف إلى خفض استهلاك السكريات.

James MacDonald/Bloomberg via Getty

في عام 2017، صاغت كيليان كونواي- خبيرة الاستراتيجيات للإدارة الرئاسية الأمريكية- مصطلح «الحقائق البديلة» في سياق تبريرها إعلان أرقام غير حقيقيّة عن عدد حاضري مراسم تنصيب دونالد ترامب. وعبّر كثير من المُعلقين عن شعورهم بالأسى، لأننا ندخل حقبة جديدة من «التفكير المزدوج»، حسب مصطلح الكاتب جورج أورويل.

إننا نعيش بالفعل في زمن تُقلَب فيه الحقائق، حسبما يوضح ديفيد مايكلز -عالم الأوبئة، وواضع نُظم السلامة السابق- في سرده المؤلم للغاية عن قطاع أعمال قائمٍ على إنكار الحقائق، وذلك في كتابه «انتصار الشك» The Triumph of Doubt، فالأخبار التي لا تلقَى هوى عند سامعيها يُطلق عليها سريعًا: أخبار مزيفة. والدلائل المزعجة التي تصدر عن جهات مستقلة  –لنَقُلْ مثلًا حول الانهيار المناخي، والوقود الأحفوري، أو تلوث الهواء، وانبعاثات الديزل– تُصنَّف على أنها علم تافه، وتُواجَه بدراسات تنطوي على زيف وتلاعب ، تُزْعَم سلامتها.

إلا أنهسيكون من الإجحاف أن ننظر إلى تقويض الحقيقة بوصفه حِكرًا على السياسيين الشعبويين المعاصرين، فتطبيع إنتاج حقائق بديلة هو مخطط يجري إعداده منذ وقت طويل. وعلى مدار عقود، دشَّنَت شركات الخدمات الاستشارية -التي تتخصص في الدفاع عن منتجاتٍ تضر المجتمع والمناخ، بدايةً من منتجات التبغ، حتى الكيماويات الصناعية- صناعةً قائمة على إنكار الحقيقة. وتُعيِّن هذه الشركات علماءَ مرتزقة، للقيام بدور مهم في إضفاء مصداقية لادِّعاءاتها الكاذبة.

 منظومة الإنكار

كان مايكلز من بين أوائل العلماء الذين تمكّنوا من الكشف عن منظومة إنكار الحقائق تلك في كتابه الصادر في عام 2008، بعنوان «الشك بضاعتهم» Doubt is Their Product. أما عمله الأخير، فيجمع توليفة من البحوث الموثوق فيها، التي أُجريت حول منظومة الإنكار هذه، والتي نُشرت منذ وقت صدور كتابه في عام 2008. وقد أضاف إليها تصوراته الجديدة، المستقاة من معارك خاضها للتحكم في الآثار السامة لمجموعة من المواد، فهو يتناول -على سبيل المثال- البيرفلوروألكيل، والبوليفلوروألكيل، اللذين يُستخدَمان على نطاق واسع في صناعة الأغلفة غير اللاصقة، والمنسوجات، ورغوة إطفاء الحرائق. كما يتطرق إلى الآثار الضارة للكحول، والسكر، والدور -محل الجدل- الذي تلعبه مبيدات الآفات واسعة الانتشار، القائمة على الجليفوسات في التسبب السرطان، ويتصدى أيضًا لإدمان المسكنات الأفيونية الموصوفة طبيًّا، ذلك الإدمان الذي يُعَد بمثابة وباء فتاك. وفي كل حالة من هذه الحالات، يُوثِّق مايكلز كيف استخدمت الصناعة ذات الصلة مجموعة أدوات، للتهوين من مخاطر منتجاتها؛ عن طريق نشر معلومات مضللة، وإخفاء أدلة على وجود ضرر من هذه المنتجات، وتقويض السلطات. وكلها أساليب مستوحاة من حيل سابقة كانت تقوم بها صناعة التبغ.

إن كلمة الشك في عنوانَي كتابَي مايكلز، مستوحاة من مذكرة صارت مشهورة  اليوم، كَتَبها في عام 1969 مدير تنفيذي لم يُفصِح عن اسمه، يعمل في شركة تابعة لشركة «بريتيش أمريكان توباكو» British American Tobacco. وقد أوضحت المذكرة استراتيجية متبَعَة للحفاظ على مبيعات السجائر، إذ جاء فيها التالي: «الشك هو منتجنا، لأنه أفضل وسيلة للتغلّب على «هيكل الحقائق» الموجود في أذهان عامة الأفراد. وهو أيضًا وسيلة لإثارة الجدل». ومن خلال إنتاج معلومات علمية مضللة حول العلاقة بين التبغ والأمراض، فإن هذه الاستراتيجية الخبيثة قد أَخَّرت إصدار القوانين لعقود، ووفرت حماية لأرباح بعض الشركات.

يعود منظور مايكلز -المطّلع من الداخل على منظومة التشكيك هذه- إلى عام 1998، عندما أصبح مسؤول السلامة الرئيس عن منشآت الأسلحة النووية في وزارة الطاقة الأمريكية، وذلك خلال إدارة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون. آنذاك.. أتيح له إلقاء نظرة عن كثب على الحيل التي يستخدمها أصحاب المصالح الخاصة لمناوأة العلوم الراسخة، وترهيب السلطات، وتقويض القانون. ففي كتابه الأول، يصف كيف أن «الصناعات القائمة على الدفاع عن المنتجات الضارة» قد طبّقت الأساليب التي استخدمتها في حالة التبغ، على الأَسْبِست، والرصاص، والبلاستيك، والمواد السامة، مثل البريليوم المستخدَم في التطبيقات النووية.

وتجدر الإشارة إلى أنه في الفترة من عام 2009 إلى عام 2017، عَيَّن الرئيس الأمريكي باراك أوباما مايكلز في منصب "كبير واضعي القوانين" في إدارة السلامة والصحة المهنية (OSHA)، حيث تسنى لمايكلز جمع المزيد من المعلومات؛ لإظهار كيف أن أساليب الخداع تلك قد أصابت المنظومة السياسية.

رجل يصلي في الرغوة التي سبَّبَتْها الملوثات في نهر يامونا في مدينة نيودلهي.

رجل يصلي في الرغوة التي سبَّبَتْها الملوثات في نهر يامونا في مدينة نيودلهي.

Dominique Faget/AFP via Getty

 تقويض المنهجية العلمية

تتضمن مبادئ البحث العلمي اختبار صحة إحدى الفرضيات، من خلال تقصِّي مناطق الشك المحيطة بها، إلى أن يصبح لدينا قدر كافٍ من الأدلة؛ للوصول إلى نتيجة معقولة. ويمكن أن يستغرق الوصول إلى الإثبات وقتًا أطول. وقد يستغرق الوصول إلى التوافق العلمي حول هذا الإثبات وقتًا أطول. ومن ناحية أخرى.. فإن الصناعات القائمة على الدفاع عن منتجات ضارة تقوّض هذه المبادئ، مستخدِمة الشك المتأصل في هذه العملية كسلاح لها. وتتضمن الحيل التي تعمد إليها هذه الصناعات تسليط الضوء على الآراء المغايرة، حتى لو كانت قليلة، وانتقاء البيانات المنحازة، وإعادة تحليل النتائج؛ للوصول إلى استنتاجات مختلفة، وتوظيف أشخاص على استعداد للتلاعب بمنهجيات البحث العلمي، بغرض إصدار نتائج يرغب فيها الممولون.

يقرّ مايكلز بفضل دراسات أخرى تناولت موضوع الشك، من بينها الدراسة التي قام بها المؤرخان العلميان ناوومي أوريسكيس، وإيريك كونواي في كتابهما «المتاجرون بالشك» Merchants of Doubt، الصادر في عام 2010، والكتب المتعددة لعالمة الأغذية ماريون نيسل حول قطاع الأغذية، مثل كتاب «سياسات الصودا» Soda Politics، الصادر في عام 2015، وكتاب «الحقيقة المُرة» Unsavory Truth، الصادر في عام 2018؛ وكذلك كتاب الصحفية جين ماير «التمويلات المستترة» Dark Money، الصادر في عام 2016. والكتاب الأخير تَتَبَّع التمويلات التي تربط بين إنكار التغيُّر المناخي، والاتجاه النابع عن أيديولوجيا اليمين المتحرر، الذي يدفع ناحية تقليص دور الدولة، وتحرير مجال الصناعة من أي قيود تنظيمية.

ويورِد مايكلز أسماء الأشخاص المسؤولين بلا خوف، مشيرًا بأصابع الاتهام إلى المشاركين في الدفاع عن المنتجات الضارة، والمجموعات التي تلعب دور الواجهة لهم، ومراكز الأبحاث التي تتظاهر باستقلالها، بينما تتلقى الأموال من قطاع الصناعة. وبإمكان الراغبين في مراجعة صحة مزاعم مايكلز أن يجدوا العديد من المستندات المرجعية التي لم تكن متاحة في السابق، والتي تمت أرشفتها في مجموعة الوثائق الخاصة بكتاب انتصار الشك على الرابط: https://toxicdocs.org.

 الغش في الانبعاثات

كثير من الشواهد التي يوردها مايكلز يبعث على الغضب والاستياء، بيد أن هناك حكايتين تبرزان -على وجه الخصوص- مِن بين ما كتبه. إحداهما هي المخالفات الصارخة لشركة صناعة السيارات الألمانية «فولكس فاجن» Volkswagen فيما يخص محركات الديزل التي تنتجها، إذ طورت الشركة برمجية سرية، حتى تتمكن هذه المحركات من خداع الاختبارات المتعلقة بالانبعاثات. وهو ما يسمح لسياراتها -عن طريق الاحتيال- باجتياز  فحص الولايات المتحدة الصارم للجزيئات المسببة للأمراض في عادم الديزل. وهذا الاكتشاف أزاح الستار عنه في عام 2014 طلاب كانوا يعملون لحساب مجموعة ضغط، هي المجلس الدولي للنقل النظيف في العاصمة واشنطن. وهو كشْف أكَّدَتْه في العام التالي وكالة حماية البيئة الأمريكية. ورواية مايكلز في ذلك الصدد عن العلماء المستعدين للتلاعب بالبيانات لتظهر بصورة مقبولة، سعيًا لدعم هذا النشاط الإجرامي، هي بمثابة أدلة جنائية.

أما الحكاية الثانية، فتتمثل في وصفه للمعركة المستمرة التي خاضها لأعوام في إدارة السلامة والصحة المهنية، بهدف تقليل تعرض العمال لجسيمات السيليكا من الرمال المستخدَمة في عشرات المجالات الصناعية، من الإنشاءات إلى تصنيع الصلب، والتكسير الهيدروليكي. وقد عمل مع 50 موظفًا على الأقل في فحص الأدلة، وواجه دعاوى قضائية، ووابلًا من الاعتراضات المستنِدة إلى أبحاث علمية شابها التزوير.

ومايكلز -الذي لم يعد مقيدًا بما يمليه دوره عليه كمسؤول حكومي غير موال لحزب- يوجه انتقادات خاصة للحزب الجمهوري. ويرى أن مسؤولي الشركات الملوِّثة، ومصنعي المنتجات الخطرة يعتمدون -منذ زمن طويل- على الحزب، لتحييد دور هيئات الصحة العامة، والهيئات التنظيمية، باستخدام خطاب زائف عن الحرية، ومشروعات السوق الحر. ويوضح مايكلز أنه يرغب في وضع تشريعات أقوى، لا لأنه لا يكترث الحرية، حسبما يقول، ولكنْ لأنه لا يمكننا أن نكون أحرارًا، دون أن تحمينا الدولة من الأضرار.

وكتاب «انتصار الشك» مكدس أحيانًا بالتفاصيل التقنية، وهي ضرورية في ضوء أن مايكلز يدفع بقضيته في مواجهة شركات يُعرف عنها أنها تقاضِي منتقديها. وهو كتاب مهم، ينبئ عن شجاعة، ويدق ناقوس الخطر؛ لينبه إلى الفساد الممنهج في العلوم.

فيليسيتي لورانس مراسلة خاصة لصحيفة «ذا جارديان» The Guardian في لندن، ومؤلفة كتابَي «ما لا يذكره المُلصق» Not on the Label، و«الأثر المدمر لصناعة الغذاء على القلب» Eat your Heart out

البريد الإلكتروني:  felicity.lawrence@theguardian.com