تحقيق إخباري

تحرير الحمض النووي الريبي: آفاق جديدة لعمليات التحرير الجيني

يمكن لتحريرالحمض النووي الريبي، بوصفه بديلًا لتقنية كريسبر،أن يتيح علاجات مرنة ذات تأثيرات قابلة للتصحيح.

سارة ريردون

  • Published online:

Illustration by Joanna Gębal

حصل ثورستين ستافورست على فرصة كبيرة في أسوأ توقيت ممكن. ففي عام 2012، اكتشف فريقه البحثي في جامعة توبينجن بألمانيا أنه من خلال ربط إنزيمات بشرائط مُعدَّلة من الحمض النووي الريبي، يصبح بإمكانهم تغيير تسلسلات جزيئات الحمض النووي الريبي المرسال في الخلايا. وهو ما يعني -في الأساس- أن بالإمكان إعادة كتابة التعليمات الجينومية وهي في طريقها لإنتاج البروتينات.

يمكن لهذه العملية -من الناحية النظرية- أن تفيد في علاج العديد من الأمراض، سواء تلك التي ترتكز على أسس جينية، أم تلك التي يمكن أن تستفيد من تغيير كمية البروتين المُنتَج، أو نوعه، لكن ستافورست واجه الكثير من المتاعب في نشر هذا الاكتشاف، حيث حاد الاهتمام عن نتائجه، ليتحول1إلى اكتشاف آخر -ظهر قبل بضعة أشهر- حول إمكانية استخدام أداة تحرير الحمض النووي «كريسبر-كاس9» CRISPER-Cas9 لتغيير الجينوم بشكل دائم.

ومنذ ذلك الوقت.. أصبحت تقنية «كريسبر» عنصرًا ثابتًا في المختبرات. وأنتجت التقنية عددًا من الشركات التي تهدف إلى استخدام نظام كريسبر في تطوير أدوية وعلاجات. ومع استحواذ تقنية «كريسبر» على اهتمام الجميع، حسبما يقول ستافورست، قوبلت ورقته البحثية بلا مبالاة. وتساءل الجميع: "ما الحاجة إلى ذلك الاكتشاف، إذا كنا نملك القدرة على تحرير الحمض النووي؟".

تَبَيَّن لاحقًا أن عملية التحرير الجيني باستخدام تقنية «كريسبر» –على الأقل بوصفها تقنية علاجية مستخدَمة على البشر– أكثر صعوبة مما كان يُعتقَد في بادئ الأمر، إذ وثَّق الباحثون طرقًا تبين فيها أن «كاس9» -أحد الإنزيمات المستخدَمة في عملية التحرير الجيني باستخدام تقنية «كريسبر»- من شأنه أن يتسبب في استجابات مناعية، أو أن يؤدي إلى تغييرات غير مقصودة في الجينوم، يمكن أن تكون دائمة، لكن على النقيض من ذلك.. فإن تحرير الحمض النووي الريبي يمكن أن يتيح للقائمين على التجارب الإكلينيكية وضع حلول مؤقتة؛ للحدّ من حدوث طفرات في البروتينات، أو إيقاف إنتاجها، أو تغيير طريقة عملها في أعضاء وأنسجة بعينها. ونظرًا إلى أن الخلايا سرعان ما تُحَلِّل الأحماض النووية الريبية غير المستخدَمة، فإن أي خطأ تَسبَّب فيه علاج ما سوف يجري التخلص منه، بدلًا من بقائه مع الشخص إلى الأبد.

من هنا، وبعد طول انتظار، بدأ تحرير الحمض النووي الريبي يحظى برواج في الأوساط الأكاديمية. ففي عام 2019، نشر باحثون أكثر من 400 ورقة بحثية حول هذا الموضوع، وفقًا لبيانات من «سكوبس» Scopus، وهي قاعدة بيانات تتضمن ملخصات أبحاث، واستشهادات بحثية. كذلك بدأت حفنة من الشركات الناشئة في استخدام أنظمة تحرير الحمض النووي الريبي؛ لتطوير علاجات محتملة لكل شيء، بدءًا من الأمراض الجينية، مثل الحثل العضلي، إلى اعتلالات مؤقتة، مثل الألم الحاد. وعلى الرغم من أن العقاقير القائمة على تقنية تحرير الحمض النووي الريبي تواجه صعوبة في الوصول إلى الأسواق، بسبب تحديات مرتبطة بتحمُّل هذه الأدوية وأساليب إعطائها، إلا أن بعض الموافقات التنظيمية التي صدرت في السنوات القليلة الماضية قد يساعد على تمهيد الطريق أمام العلاجات المعتمِدة على تحرير الحمض النووي الريبي.

ومع ذلك.. لا تزال هناك عقبات عديدة، فالتقنيات الحالية يمكنها أن تُبدِّل تسلسلات الحمض النووي الريبي ببضع طرق محدودة فحسب، وتشغيل نظام التحرير الجيني هذا على النحو المنشود في جسم الإنسان سيمثل تحديًا. وبالرغم من ذلك.. يعقد الباحثون الآمال على أنْ تساعد التقنياتُ الجديدة –مثل هندسة البروتينات والأساليب المُحسَّنة في إمداد الخلايا بالحمض النووي الريبي– في التغلب على تلك التحديات. وحسبما يقول ستافورست: "يفتح هذا أمامنا عالَمًا لم نره من قبل".

دورٌ يلعبه الحمض النووي الريبي

مِن بين المبادئ التأسيسية في علم الوراثة الجزيئية –بل العقيدة الرئيسة لهذا العلم– أن الآليات الخلوية تنقل المعلومات الجينية نقلًا دقيقًا من قالب حمض نووي مزدوج الشريط إلى حمض نووي ريبي مرسال أحادي الشريط، وهو ما يُترجَم بعد ذلك إلى إنتاج بروتين، لكنْ في ثمانينيات القرن الماضي لاحظ عدد قليل من المختبرات أن بعض نسخ الحمض النووي الريبي المرسال يحتوي على حروف متغيرة أو إضافية لم يجر ترميزها في الحمض النووي. وكانت النتائج محل جدل، إلى أن اكتشف العلماء عائلة من الإنزيمات، تُسمَّى »نازعات أمين الأدينوسين المؤثرة في الحمض النووي الريبي«، المعروفة اختصارًا بـ(ADAR). وترتبط هذه البروتينات بالأحماض النووية الريبية، وتُغيِّر من تسلسلها عن طريق تغيير قاعدة مألوفة تُعرف بالأدينوسين Adenosine، إلى جزيء يُسمَّى الإينوسين Inosine. وعلى الرغم من أن الإينوسين ليس واحدًا من القواعد المعيارية للحمض النووي الريبي، فإنّ آلية ترجمة البروتين بالخلية تقرأه على أنه الجوانوسين guanosine المألوف. كما ظهرت حفنة من إنزيمات تحرير الحمض النووي الريبي الأخرى في قرابة الوقت نفسه.

وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، كافح العلماء لفهْم ما يحققه تحرير الحمض النووي الريبي بالتحديد. فعمل أنظمة التحرير هذه يقتصر على الأحماض النووية الريبية مزدوجة الشريط، التي تظهر أحيانًا في الخلية كعناصر تنظيمية أو فيروسات. وتكهن البعض بأن بروتينات ADAR قد تطورت كوسيلة دفاع ضد الفيروسات، لكنّ الكثير من الفيروسات ذات الحمض النووي الريبي مزدوج الشريط لا يتأثر بهذه الإنزيمات. وقد يلعب هذا التحرير الجيني وظيفة تنظيمية، لكن معظم الأنسجة البالغة لا ينتج المستويات العالية من البروتينات اللازمة لحدوث عملية التحرير الجيني.

كانت بريندا باس -وهي عالمة كيمياء بيولوجية بجامعة يوتاه في سولت ليك سيتي- من بين أوائل مَن تعرفوا على إنزيمات ADAR في أجنة الضفادع2. وهي تقول إنه لم يُعثر على دور مُحدَّد للتغيرات التي حدثت في الأحماض النووية الريبية غير المُرمِّزة للبروتين، التي تمثل غالبية الجزيئات المُحرَّرة. ومع ذلك.. يحتمل أن تفيد أنظمة التحرير هذه في حماية الأحماض النووية الريبية مزدوجة الشريط من أي هجوم يقوم به الجهاز مناعي، إذ تشك باس في أن إنزيماتADAR  تتولى عملية تحرير النسخ مزدوجة الشريط، مضيفة الإينوسين كطريقة لإخبار الجسم بألّا يهاجم هذه النسخ. ويبدو أيضًا أن الإنزيمات تلعب دورًا في مراحل التطور الجنيني، فالفئران التي تعاني نقص جينات إنتاج إنزيمات ADAR تموت قبل الولادة، أو تعيش لفترة قصيرة بعدها. وكذلك يبدو أن أنظمة التحرير الجيني هذه تتولى بعض المهام في أنسجة بعينها عند كائنات حية بالغة، مثل الجهاز العصبي الخاص برأسيات الأرجل.

وكان هذا النشاط هو ما لفت انتباه عالِم البيولوجيا البحرية جوشوا روزنتال إلى تحرير الحمض النووي الريبي في أوائل العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، إذ يبدو أن رأسيات الأرجل التي تتصف بمستويات ذكاء عالية -مثل الحبار، والصبيدج، والأخطبوطات- تَستخدِم تحرير الحمض النووي الريبي بشكل مكثف لتعديل الجينات المُشترِكة في تطوير الخلايا العصبية، وفي نقل الإشارات. ولا توجد كائنات أخرى يُعرف عنها استخدام عملية تحرير الحمض النووي الريبي بهذه الطريقة. وقد ألهمت هذه الملاحظات روزنتال للتساؤل عما إذا كان بالإمكان استخدام هذا النظام في بيئة علاجية، بغرض تصحيح الرسائل التي تنتجها الجينات المصابة بخلل وظيفي، أم لا. وفي عام 2013، أعاد فريق روزنتال البحثي بجامعة بورتوريكو في سان خوان تصميم إنزيمات ADAR، ثم ثبتوها في أحماض نووية ريبية دليلة، ترتبط بنقطة معينة في حمض نووي ريبي مرسال، وهو ما يُنشئ شريطًا مزدوجًا. ومن خلال هذا.. تَمَكَّن الباحثون من تحرير نُسَخ من تسلسلات الحمض النووي الريبي في أجنة الضفادع، بل وحتى في الخلايا البشرية المستزرَعة3.

وعلى غرار ستافورست، رأى روزنتال -الذي يعمل الآن في مختبر الأحياء البحرية في وودز هول بولاية ماساتشوستس- بحثه المنشور وهو يتعرض للتجاهل في أغلب الأوقات. كما تنامى إلى علمه أن شركة تُدعى «ريبوزايم» Ribozyme، لاقى عمل الباحثين فيها مصيرًا مشابِهًا، إذ اقترح باحثو هذه الشركة في عام 1995 إجراء «تحرير لأغراض علاجية» على تسلسلات طافرة من الحمض النووي الريبي، عن طريق إدخال تسلسلات مُكمِّلة في أجنة الضفادع، والسماح لإنزيمات ADAR بالقيام بتحرير الجزيء مزدوج الشريط الناتج، وتصحيح هذا التطفُر4.

في السنوات القليلة الماضية، تضافرت عدة عوامل لكي تضع النتائج التي توصّل إليها روزنتال وستافورست في الصدارة. يقول بيتر بيل -وهو عالم كيمياء بجامعة كاليفورنيا في ديفيس- إن البحث5 المنشور في عام 2016 حول البِنْية الجزيئية لإنزيمات ADAR المرتبطة بالحمض النووي الريبي مزدوج الشريط، جعل نظام التحرير الجيني هذا أكثر قابلية للفهم، ومكّن العلماء من تحسين تصميم إنزيمات ADAR؛ لتعزيز قدرتها على الوصول إلى الخلايا، أو لكي تصبح هذه الإنزيمات نفسها أكثر فاعلية. وفي عام 2018، وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) على أول علاج يَستخدِم «تدخُّل الحمض النووي الريبي»، وهي تقنية يجري فيها إدخال جزء صغير من الحمض النووي الريبي إلى خلية، يرتبط فيها هذا الجزء بالأحماض النووية الريبية المرسالة الأصلية مُعجلًا بتحللها. وقد فتحت موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية الباب أمام علاجات أخرى تدخل فيها تفاعلات الحمض النووي الريبي المرسال، حسبما يقول جيرارد بلاتنبرج، كبير مسؤولي الابتكار بشركة «برو كيو آر ثيرابيوتيكس» ProQR Therapeutics، الواقعة في لايدن بهولندا، التي تواصل سعيها للوصول إلى علاجات متعددة قائمة على الحمض النووي الريبي. وحسبما يقول بلاتنبرج: "تطوَّر هذا المجال إلى درجة كبيرة، استنادًا إلى خبرات الماضي، ومع ارتفاع أعداد العلاجات المعتمَدة".

ينظر كثيرون إلى تحرير الحمض النووي الريبي بوصفه بديلًا مهمًّا لتحرير الحمض النووي باستخدام تقنيات مثل «كريسبر». ولا شك أن تقنية «كريسبر» آخذة في التحسن، لكن تحرير الحمض النووي يمكن أن يتسبب في طفرات غير مرغوب فيها في أجزاء أخرى من الجينوم، يُطلق عليها «تأثيرات غير مقصودة»، ويمكن أن تخلق مشكلات جديدة.

وفضلًا عن ذلك.. يتوقع روزنتال أن يَثبُت أن تحرير الحمض النووي الريبي مفيد في علاج الأمراض التي لا تنجم عن أصل جيني. وهو يستخدم حاليًّا إنزيماتADAR  لتحرير الحمض النووي الريبي المرسال الخاص بالجين المُرمِّز لقناة الصوديوم Nav1.7، التي تتحكم في كيفية انتقال إشارات الألم إلى المخ. إنّ تعديل هذا الجين بشكل دائم من خلال عملية تحرير الحمض النووي من شأنه إلغاء القدرة على الشعور بالألم والإخلال بوظائف أخرى ضرورية، يقوم بها البروتين الذي يرمزه هذا الجين في الجهاز العصبي، ولكن خفض نشاط ذلك الجين من خلال تحرير الحمض النووي الريبي في أنسجة معينة، ولفترة محدودة من الوقت، يمكن أن يساعد على تخفيف الألم، دون المخاطرة بالوقوع في براثن الاعتماد على الأدوية، أو الإدمان، المرتبطَين بمسكنات الألم التقليدية.

وبالمِثل، من شأن تحرير الحمض النووي الريبي أن يتيح للباحثين إجراء عمليات محاكاة للتباينات الجينية التي توفر مزايا صحية، فعلى سبيل المثال.. فإن الأشخاص الذين يعانون من طفرات معينة في جين PCSK9، الذي ينظم نسبة الكوليسترول في مجرى الدم، غالبًا ما يملكون مستويات أكثر انخفاضًا في نسب الكوليسترول. ومن شأن تعديل الحمض النووي الريبي المرسال الخاص بجين PCSK9 أن يُضفي ميزة مماثلة، دون الإخلال بصورة دائمة بالوظائف الأخرى للبروتين الذي يرمزه هذا الجين. تقول عالمة المناعة نينا بابافاسيليو -من مركز أبحاث السرطان الألماني في هايدلبرج- إنه يمكن استخدام تحرير الحمض النووي الريبي لمحاربة الأورام. فبعض أنواع السرطان يسيطر على مسارات التأشير الخلوية المهمة، مثل تلك المسارات الضالعة في موت الخلايا، أو تكاثرها، فإذا أمكن تجنيد أنظمة تحرير الحمض النووي الريبي لإيقاف عمل جزيئات التأشير الرئيسية بصفة مؤقتة، حسبما تقول بابافاسيليو، فبإمكاننا "رؤية الورم وهو يموت". ويمكن للمريض بعد ذلك إيقاف العلاج، مما يسمح لمسار التأشير باستئناف وظائفه الطبيعية.

ومن المستبعد أن يتسبب تحرير الحمض النووي الريبي كعلاج في رد فعل مناعي ذي خطورة محتملة، مقارنةً بالمناهج العلاجية التي تعتمد على تقنية «كريسبر». فعلى عكس إنزيم تحرير الحمض النووي «كاس9»، الذي يأتي من البكتيريا، فإن إنزيمات ADAR هي بروتينات بشرية لا تستثير هجومًا عليها من الجهاز المناعي. وفي ذلك الصدد.. يقول براشانت مالي، وهو متخصص في الهندسة البيولوجية بجامعة كاليفورنيا في سان دييجو: "في الحقيقة، لسنا بحاجة إلى آليات معقدة لاستهداف الحمض النووي الريبي".

وفي ورقة بحثية نشرها مالي في العام الماضي6، أوضح الباحث أنه وزملاؤه حقنوا أحماضًا نووية ريبية دليلة في فئران وُلدت بطفرة جينية تسبب الحثل العضلي. وصُمِّمت تلك الأحماض النووية الريبية الدليلة بطريقة تُحفِّز إنتاج بروتين مفقود يُسمَّى Dystrophin. وعلى الرغم من أن النظام حرر كمية صغيرة فحسب من الحمض النووي الريبي المُرمّز للـDystrophin، فقد أمكن استعادة معدل البروتين إلى حوالي 5% من مستواه الطبيعي في أنسجة عضلات الحيوانات، وهي كمية تُظهِر إمكانات علاجية.

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.

Illustration by Joanna Gębal

أما في حال أمراض أخرى تَنتُج عن نقص في البروتينات، أو عن بروتين يعاني خللًا وظيفيًّا، مثل بعض أنواع مرض الهيموفيليا، فيقول ستافورست: "ثمة فرق هائل بين عدم وجود أي بروتين، ووجود بعضه". وقد لا تكون هناك ضرورة لتحرير الحمض النووي الريبي في كل خلية من خلايا الجسم. وربما يكون نظام التحرير الجيني للحمض النووي الريبي أفضل من أشكال أخرى للعلاج الجيني، ربما تنطوي على إدخال جين جديد. يقول مالي وآخرون إن توجيه إنزيمات ADAR الأصلية للعمل على الحمض النووي الريبي المرسال للخلية قد يحقق استجابة طبيعية أكثر من إدخال جين خارجي مُعدَّل.

ومع ذلك.. فإن تقنية تحرير الحمض النووي الريبي أبعد ما تكون عن الكمال، حتى عندما يتعلق الأمر بالتطبيقات المختبرية. وعن ذلك.. تقول باس: "نحن ما زلنا في بداية الطريق، وهناك الكثير من الأسئلة تنتظر الإجابة". وبالنظر إلى أن إنزيمات ADAR أقل كفاءة بكثير من تقنية كريسبر، فقد تكون أقل فائدة في إنتاج نباتات وحيوانات مُعدَّلة جينيًّا. وعن ذلك.. يقول جين بيلي لي، وهو عالِم جينات بجامعة ستانفورد في كاليفورنيا: "ستكون هذه الطريقة مُقيِّدة للغاية حين استخدامها كأداةً بحثية".

وثمة عيب أساسي آخر، هو أن إنزيمات  ADARيمكنها إحداث بضعة أنواع من التغيير فحسب في الحمض النووي الريبي. أما أنظمة كريسبر، فتعمل وكأنها مقصاتٌ، تقطع الحمض النووي في نقطة مُحددة، ثم تزيل تسلسلًا، أو تضيف آخر جديدًا. أما إنزيماتADAR ، فهي أقرب في وظيفتها لعملية الكتابة فوق نَصّ موجود بالفعل، إذ تُغيِّر حروف شفرة الحمض النووي الريبي  كيميائيًّا، دون أن تكسر "مرتكزات" جزيئات الحمض النووي الريبي.

وعلى الرغم من أن هذه العملية يُحتمَل بدرجة أقل أن تتسبب في طفرات غير مقصودة، فإنها تُقْصِر دور الإنزيمات على إجراء تغييرات محددة، فعلى سبيل المثال.. تسبب تحوُّل قاعدة الأدينوسين إلى جزيء الإينوسين في حال إنزيمات ADAR، في حين تحوِّل قاعدة السيتوسين إلى جزيء اليوريدين عن طريق مجموعة من الإنزيمات، تُسمَّى APOBEC (انظر الشكل: تصحيح الحمض النووي الريبي). ولا توجد إلا احتمالات قليلة أخرى لهذه العملية.. فنبات العنب -على سبيل المثال- بإمكانه أن يغير السيتيدين إلى يوريدين، ويمكن لبعض الأورام تغيير الجوانوسين إلى أدينوسين. وعن ذلك.. يقول روزنتال: "التنوع البيولوجي يمنحنا عددًا هائلًا من الإجابات عن أمور كهذه، وأَعتقِد أننا فيما بعد سنتعلم الكثير من كائنات مثل الحبَّار". ويضيف قائلًا أيضًا إن المجال يعاني من عدم كفاية الدراسات، فالباحثون لا يفهمون العملية التي تقود هذا التحرير الجيني. ويتبقى علينا أن نرى ما إذا كان بإمكان إنزيم نباتي -على سبيل المثال- أن يعمل بشكل مؤثر في خلايا بشرية، أم لا.

كبر الصورة

يبحث العلماء بالفعل حاليًّا عن طرق لتصميم إنزيمات جديدة، من شأنها أن توسع نطاق قدرات تقنية تحرير الحمض النووي الريبي. يقول عمر أبو دية، وهو متخصص في الهندسة البيولوجية، ويعمل في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) في كامبريدج: "هذه عمليةٌ لا نعرف -إلى حد كبير- ما الذي قد نتوصل إليه منها". ومن خلال العمل مع فِنج جانج، أحد رواد تقنية «كريسبر» في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ربط أبو دية وزملاؤه أحد إنزيمات ADAR بـ«كاس13»7، وهو إنزيم بكتيري يشبه بروتين «كاس9» الخاص بنظام «كريسبر»، ليَقطَع «كاس 13» الحمض النووي الريبي، بدلًا من الحمض النووي. وبدَّل الباحثون تسلسل إنزيم ADAR المستخدَم، حتى أصبح بإمكانه تحويل السيتيدين إلى يوريدين، ثم استخدموا النظام الجديد في خلايا بشرية، بهدف تغيير القواعد في الأحماض النووية الريبية المرسالة التي تُرمِّزها عدة جينات، بما في ذلك الجين APOE. وإحدى صور الاختلافات في هذا الجين، التي تحدث بشكل طبيعي، ترتبط بالإصابة بمرض «ألزهايمر»، ويمكن أن يؤدي تحريره إلى تحويل هذا الاختلاف إلى شكل غير ضار.

ويقرّ أبو دية، ومعاوِنُه في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، جوناثان جوتنبرج، المتخصص في الهندسة البيولوجية، بأنه من الممكن أن يتسبب تغيير بروتين ADAR في منع الجهاز المناعي من التعامل معه، باعتباره بروتينًا بشريًّا طبيعيًّا، ومن ثم؛ البدء في مهاجمة الخلايا التي تحتوي عليه. ويقولان أيضًا إنه نظرًا إلى أن التعديلات في هذا البروتين طفيفة، فإنّ ذلك الخطر يتضاءل، إذا ما قورن بالمشكلات المعروفة المرتبطة بمهاجمة الجهاز المناعي لـ«كاس13»، أو الفيروس المستخدَم لنقل أدوات التحرير إلى الخلايا.

ويرى الباحثون كذلك آفاقًا واعدة لعملية طبيعية تُعرف بإضافة السودويوريدين، وفيها تقوم مجموعة من الإنزيمات البروتينية وإنزيمات الحمض النووي الريبي بإحداث تعديل كيميائي في بِنْية اليوريدين في الحمض النووي الريبي المرسال. وعلى عكس التعديلات التي تقوم بها إنزيمات ADAR، فإن عملية إضافة السودويوريدين لا تُغيِّر من تسلسل الحمض النووي الريبي المرسال، أو البروتين المُنتَج. وعوضًا عن ذلك، وإنْ كان ذلك يحدث لأسباب غير واضحة تمامًا، فإن هذه العملية تؤدي إلى استقرار جزيء الحمض النووي الريبي، والتسبب في تجاهل آلية الترجمة للإشارات التي تأمرها بالتوقف عن إنتاج البروتين.

إنّ هذه القدرة على تحويل هذه الآليات الجزيئية وراء إيقاف إنتاج البروتين إلى ضوء أخضر يسمح بحدوث هذا الإنتاج، قد يكون لها تأثير قويّ. يقول يي تاو يو -وهو عالم كيمياء بيولوجية بجامعة روتشستر في نيويورك- إن مئات الأمراض الجينية تسببها طفرات معيّنة في الحمض النووي تُنتِج إشارات توقُّف غير صحيحة في الحمض النووي الريبي المرسال، وهو ما يؤدي إلى إنتاج بروتين قصير، لا يعمل بشكل طبيعي في الجسم. ويضيف يو قائلًا: "قائمة هذه الأمراض طويلة جدًّا"، موضحًا أنها تشمل التليف الكيسي، ومرض العيون المعروف باسم «متلازمة هيرلر»، والعديد من أنواع السرطان.

وعلى الرغم من أن تحرير الحمض النووي الريبي لا يزال في مراحله المبكرة، إلا أن الباحثين –وكذلك المستثمرين في مجال التكنولوجيا البيولوجية– متحمسون لما تنطوي عليه تقنية تحرير الحمض النووي الريبي من إمكانات واسعة. تقول بابافاسيليو، التي تحاول وضع خريطة بالأماكن التي تعمل فيها إنزيمات ADAR الطبيعية في الجسم: "دخلتُ هذا المجال قبل أن يتحول إلى صيحة رائجة، فعلى مدار العديد من السنوات، ظل مهملًا، ولكنْ فجأة أصبحت هناك شركة متخصصة فيه تظهر كل أسبوعين".

وقد أعلنت شركات ناشئة عديدة -إلى جانب شركات راسخة في مجال تحرير الحمض النووي- عن عزمها الانتقال إلى عالم الحمض النووي الريبي، ومن بينها شركة «بيم ثيرابيوتيكس» Beam Therapeutics، التي يقع مقرها في بوسطن بولاية ماساتشوستس، وشارك في تأسيسها كل من جانج وليو. وتعمل هذه الشركة في مجال تطوير تحرير الحمض النووي باستخدام تقنية «كريسبر»، ليصبح علاجًا للعديد من أمراض الدم. كذلك تسعى شركة «لوكانا» -ويقع مقرها في سان دييجو- إلى تحرير الحمض النووي الريبي القائم على تقنية «كريسبر»، وتأمل في أن تتمكن عملية التحرير الجيني هذه من علاج حالات مرضية، من بينها مرض العصبون الحركي، ومرض هنتنجتون.

ويكمن التحدي الذي يواجه هذه الصناعة في إيجاد أفضل طريقة لإدخال الأحماض النووية الريبية الدليلة إلى الخلية، دون إطلاق رد فعل مناعي، ودون أن تُحَلِّلها الخلية. وعن ذلك.. يقول بيل إن هذا يمكن أن يشمل إجراء تعديلات كيميائية استراتيجية على الأحماض النووية الريبية المُعدَّلة، بحيث تدخل في حالة استقرار، كما يشمل دمج هذه الأحماض النووية الريبية المعدلة في جسيم نانوي، أو فيروس يمكنه التسلل بها إلى داخل الخلايا.

وعلى الرغم من وجود إنزيمات ADAR بالفعل في الخلايا البشرية، فإن الجسم البشري يصنع كميات صغيرة منها فحسب في معظم الأنسجة، وهو ما يعني أن أي علاج قد يحتاج إلى إضافة إنزيمات ADAR تلك، أو إنزيمات أخرى؛ لتعزيز قدرات الخلايا على التحرير الجيني. وتعبئة الفيروسات بالجينات التي تُرمّز جميع الأدوات اللازمة لتحرير الحمض النووي الريبي، ربما لا تكون فعالة، لكنّ كثيرًا من الباحثين يأملون في ألا يكون ذلك الإجراء ضروريًّا.

يطمح بلاتنبرج في إضافة الأحماض النووية الريبية، والاعتماد على إنزيماتADAR  المُنتَجة طبيعيًّا في الجسم، للمساعدة على تصحيح ترتيب قواعد الأحماض النووية الريبية المرسالة ،التي تسهم في حدوث اضطرابات شبكية العين. ويعلّق على ذلك بقوله: "نستخدم النظام الذي منحَتْه لنا الطبيعة، ونسخِّره لخدمتنا".

ويقوم باحثون -من ضمنهم ستافورست- بتعديل الأحماض النووية الريبية المرسالة الدليلية، من خلال عدة تعديلات كيميائية، من شأنها أن تجتذب إنزيماتADAR  داخل الخلية إلى موقع التحرير الجيني، لكنّ بعض الباحثين يتخوفون من أن تجنيد إنزيمات ADAR التي ينتجها الجسم بشكل طبيعي في عملية تحرير أحماض نووية ريبية مرسالة بعينها، من شأنه أن يُبعد تلك الإنزيمات عن ممارسة مهامها العادية، وهو ما يتسبب في مشكلات صحية أخرى. فمن الممكن أن يؤثر تغيير التعبير الجيني في جزء واحد من الجسم على أجزاء أخرى بطرق غير متوقعة. وعلى سبيل المثال.. ففي دراسة مالي، التي تناولت الحثل العضلي، أصيبت الفئران بمشكلات في الكبد لأسباب غير معروفة. وهو يعلّق على ذلك بقوله: "إنها أداة ما تزال في مرحلة التطوير".

"لقد تطورت إنزيمات ADAR بحيثتسمح للجسم بتعديل قواعد الحمض النووي الريبي المرسال بطريقة محددةللغاية"، حسبما يقول نيسان برمنجهام، الرئيس التنفيذيلشركة التكنولوجيا الحيوية «كورو بايو»Korro Bio، الذي شارك في تأسيس الشركة مع روزنتال وآخرين،وهي شركة يقع مقرها في كامبريدج بولاية ماساتشوستس. ويُعرب برمنجهام عن تفاؤله بشأن الآفاق المستقبلية لعملية تحرير الحمض النووي الريبي، لكنه حريص أيضًا على عدم استباق الجوانب البيولوجية للأمر. ويقول: "لدينا الكثير من العمل الذي يتعين علينا القيام به في إطار سعينالتطوير هذه التقنيات إلى أنْ تبلغ الكمال. ولن نترك أي شيء خارج حساباتنا، لكنْ في الوقت ذاته علينا الاعتراف ببعض القيود التي تعترض طريقنا".

References

  1. Stafforst, T. & Schneider, M. F. Angew. Chem. Int. Ed. Engl. 51, 11166–11169 (2012). | article
  2. Bass, B. L. & Weintraub, H. Cell 55, 1089–1098 (1988). | article
  3. Montiel-Gonzalez, M. F., Vallecillo-Viejo, I., Yudowski, G. A. & Rosenthal, J. J. C. Proc. Natl Acad. Sci. USA 110,18285–18290 (2013). | article
  4. Woolf, T. M., Chase, J. M. & Stinchcomb, D. T. Proc. NatlAcad. Sci. USA 92, 8298–8302 (1995). | article
  5. Matthews, M. M. et al. Nature Struct. Mol. Biol. 23, 426–433 (2016). | article
  6. Katrekar, D. et al. Nature Methods 16, 239–242 (2019). | article
  7. Abudayyeh, O. O. et al. Science 365, 382–386 (2019). | article
سارا ريردون صحفية حرة، تقيم في بوزمان بولاية مونتانا الأمريكية.