افتتاحيات

تقويم مسار أهداف التنمية المستدامة

معظم أهداف التنمية المستدامة لن تتحقق. وها هيطريقة إعادتها إلى مضمارها الصحيح.

  • Published online:

وَفَدَ قادة العالم من شتى بقاع الأرض إلى ولاية نيويورك في عام 2015 من أجل حضور مؤتمر فريد من نوعه، نظمته الأمم المتحدة، بهدف القضاء على الفقر، ووقف تدمير البيئة، وتعزيز العيش الكريم. في عالم الدبلوماسية متعددة الأطراف، تشيع هذه النوعية من اللقاءات، وإن كانت تنزع إلى التركيز على قضايا بعينها، مثل تغير المناخ، أو الأمن الغذائي، إلا أن ما ميز قمة عام 2015 دون سواها هو أن رؤساء الدول والحكومات تعهدوا باتخاذ إجراءات ملموسة عبر مجموعة متكاملة من القضايا الاقتصادية، والبيئية، والاجتماعية. فقد وقّعوا على أهداف التنمية المستدامة، المعروفة اختصارًا بـ(SDGs)، وهي حزمة من 17 هدفًا، وما يرتبط بها من غايات؛ للقضاء على الجوع، والفقر المدقع، والحد من أوجه عدم المساواة، والتصدي لتغير المناخ، ووقف نزيف التنوع الحيوي والأنظمة البيئية، وكل هذا بحلول عام 2030.

والآن، وقد بات الموعد النهائي على بُعْد عقد واحد منا، فمن المتوقع ألا يصيب العالَم معظم «أهداف التنمية المستدامة». اثنان فقط من هذه الأهداف –وهما القضاء على الوفيات التي يمكن تجنُّبها بين حديثي الولادة، والأطفال دون سن الخامسة، وإلحاق الأطفال بالمدارس الابتدائية– هما الأقرب إلى التحقق عن بقية الأهداف الأخرى. وعلى النقيض من ذلك.. لن يتحقق الهدف المرتبط بالقضاء على الفقر المدقع، حيث إنه لا يزال متوقَّعًا أن يعيش حوالي 430 مليون شخص في هذه الظروف نفسها في عام 2030.

أما الأهداف المرتبطة بالقضاء على الجوع، وحماية المناخ، والتنوع البيولوجي، فهي بعيدة كل البعد عن مضمارها الصحيح. ففي الوقت الذي تُحرِز فيه دولٌ من تلك الأكثر ثراءً شيئًا من التقدم فيما يتعلق بتحقيق أهداف التنمية المستدامة بصفة عامة، فإنه من غير المتوقع أن تحقِّق ثلثا الدول الأفقر الأهدافَ المتعلقة حتى بأبسط احتياجاتها الأساسية.

إنّ أهداف التنمية المستدامة في غاية الأهمية، وفترة خمس سنوات هي وقت قصير للغاية لنعاين خلاله تقدمًا حقيقيًّا نحو التحول الاقتصادي، وهو الأمر الذي لا بد أن يحدث، إذا أُرِيد لهذه الأهداف أن تتحقق بالكامل. وفي الوقت نفسه، كان لأهداف التنمية المستدامة أثر إيجابي عميق، خاصة في مجالَي البحث العلمي، والتعليم العالي، إذ تتضافر المَعاهد على مستوى العالم لدعم أهداف التنمية المستدامة، ويضطلع أعضاء هيئات التدريس والطلاب بمسؤولياتٍ ترتبط بهذه الأهداف، بدءًا من التخلص من البلاستيك غير القابل لإعادة الاستخدام، حتى التحول إلى استخدام الطاقة المتجددة. ولأنّ هذه الأهداف -بطبيعتها- تجمع بين عدة مجالات، فقد شحذت إجراء المزيد من البحوث العلمية، وفتحت أيضًا للعلماء آفاقًا جديدة للبحث في مجالات البيئة، والهندسة، والسياسات الصحية، واقتصادات التنمية، وغيرها، غير أن هذه النقاط الإيجابية لا يمكنها أن تحجب النمط الذي لا يزال غير مُبَشِّر. ويُعْزِي الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، سبب التلكؤ في إحراز التقدم إلى انعدام التمويل، خاصة من جانب حكومات الدول المتقدمة. فالأهداف المرجوة تتراوح كُلْفتها بين 5، و7 تريليونات دولار أمريكي سنويًّا، وقد وصلت قيمة العجز في ذلك المبلغ إلى 2.5 تريليون دولار أمريكي.

هذا.. وثمة عائق أكبر؛ إذ ما تزال الأهداف تمثل جهدًا اختياريًّا، بالرغم من أن رصد التقدم المُحرَز هو عملية تجري على نطاق شامل. وتُصْدِر منظمة تابعة للأمم المتحدة -تُسمى «شبكة حلول التنمية المستدامة»- تقريرًا سنويًّا يُقيِّم أداء الدول فيما يتعلق بأهداف التنمية المستدامة. وفي الصفحة الرابعة والسبعين من تقرير هذا العام، يصف باحثون من الولايات المتحدة الأمريكية والصين كيف يمكن رصد التقدم بدقة أكبر (Z. Xu et al. Nature 577, 74-78; 2020)، (انظر أيضًا الصفحة الثامنة من التقرير)، إلا أنه ليس هناك ما يُلزِم الدول بالإبلاغ عن أدائها.

ولكي تتحقق أهداف التنمية المستدامة، يجب أن تصبح إلزامية. وليس بالضرورة أن تكون إلزامية بالمعنى القانوني، وإنما بمعنى أنه يتعين على الدول إدراك عدم وجود بديل لتحقيقها. وأحد النماذج التي يمكن القياس عليها هو الطريقة التي تُبْلِغ بها الدول عن بياناتها الاقتصادية، إذ لا يوجد قانون دولي ينص على وجوب إبلاغ كل دولة عن بياناتها، مثلما يحدث في حالة بيانات الإنفاق الاستهلاكي، التي تدخل في حساب إجمالي الناتج المحلي (GDP). غير أنه على مدار أكثر من 50 عامًا كانت هذه البيانات تُجمع بشكل مفصل، أما الآن، فتبلغ مكاتب الإحصاء الوطنية عن هذه البيانات كل ثلاثة أشهر، إذ تدرِك كل هيئة حكومية ضرورة أن يبدو اقتصاد الدولة في حالة نمو دائم، وبالتالي يجب أن تكون البيانات التي يتحدد على أساسها الناتج المحلي الإجمالي في حالة ازدياد مطرد. ولهذا.. يُبذَل جهد وطني ضخم للتأكد من أن الجميع يعملون تجاه تحقيق ما يمكن تسميته بـ«أهداف إجمالي الناتج المحلي». ومن غير المرجح أن تتحقق أهداف التنمية المستدامة، ما لم ترتكز هي الأخرى على جهد وطني متراكم مماثل.

في الوقت ذاته، ومثلما يشار في كثير من الأحيان، يتعارض بعض أهداف الناتج المحلي الإجمالي مع جهود الاستدامة، مثل أهداف التنمية المستدامة. ولنأخذ على سبيل المثال: المصادر الجديدة للطاقة المستمدة من الوقود الأحفوري، حيث توفّر هذه المصادر الطاقةَ، التي توجد حاجة ماسة إليها، للمجتمعات المفتقِرة إلى الاحتياجات الأساسية، كما تسهم بشكل إيجابي في النمو الاقتصادي، إلا أنها تؤثر بالسلب أيضًا على البيئة، وصحة الإنسان، غير أن التأثير الاقتصادي الإيجابي هو فقط ما يُهِمّ في البيانات الرسمية، وهذا هو أحد أسباب الصعوبة البالغة في تحويل مصادر الحصول على الطاقة إلى برامج الطاقة المتجددة، ولكنه ليس السبب الوحيد حتى الآن. ربما يتمثل أحد الحلول في تضمين تكلفة تدهور البيئة في الحسابات القومية، رغم أنه لا يوجد حتى الآن سوى قليل من التوافق حول الطريقة التي يمكن بها فِعْل ذلك.

مزيد من التركيز

أحد الجهود التي تقودها الأبحاث، والتي تحقق مزيدًا من التوافق، هو تقرير التنمية المستدامة العالمية (GSDR). ومن المقرر أن يُنشر هذا التقرير كل أربع سنوات، بتكليف من الأمين العام للأمم المتحدة، وأن يتولى كتابته فريق يضم 15 مؤلفًا، ترشِّحهم الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بحيث يعمل كل واحد منهم على حدة مع القطاع الأوسع من المجتمع العلمي. وقد نُشر التقرير الأول في سبتمبر الماضي، وكان من المقرر أن تعيِّن الأمم المتحدة في شهر يناير مؤلفين لكتابة التقرير الثاني، المزمع نشره في عام 2023.

يعي مؤلفو التقرير الأول افتقار أهداف التنمية المستدامة إلى آلية إبلاغ إلزامية، وتضارُبها -في بعض الحالات- مع أهداف إجمالي الناتج المحلي. وقد توصلوا إلى حل مبتكر، إذ أوصوا بأنْ تدرس الدول إعادة توزيع أهداف التنمية المستدامة، البالغ عددها 17 هدفًا، في 6 نقاط أوّلية، هي: رفاهية الإنسان (بما في ذلك القضاء على الفقر، والنهوض بالصحة والتعليم)، والاقتصاد المُستدام (بما في ذلك الحدّ من أوجه عدم المساواة)، وإتاحة الحصول على الطعام والتغذية السليمة، وإتاحة الحصول على الطاقة (إضافة إلى إزالة الكربون منها)، والتنمية العمرانية، والأمور العالمية المشترَكة (التي تجمع بين التنوع الحيوي، وتغير المناخ).

إنها توصية حكيمة.. فالتركيز على مجموعة أهداف أصغر وأكثر تكاملًا من شأنه أن يساعد على تقليل الحالات التي يمكن أن يؤدي فيها تحقيق أحد أهداف التنمية المستدامة إلى إعاقة هدف آخر. ولنأخذ مثلًا نموذج طاقة الرياح، حيث تلعب هذه الطاقة دورًا مهمًّا في الوفاء بإجراءات التنمية المستدامة بشأن المناخ، لكنْ إذا صُممت مَزارع طاقة الرياح في الأماكن الخطأ، أو إذا وُضعت التوربينات على ارتفاعات خاطئة، فمن المحتمَل أن يضر ذلك بأسراب الطيور، مما قد يؤثر على هدف التنمية المستدامة بشأن حماية التنوع الحيوي والأنظمة البيئية. وبموجب مقترحات تقرير التنمية المستدامة العالمية، يُفترض أن يُضَمَّن المناخ والتنوع الحيوي في فئة عمل واحدة. وإذا نُفِّذت الإجراءات كما ينبغي، فإن هذا قد يعني أن القرارات المتعلقة بمصادر الطاقة الجديدة قد تحتاج إلى وضع عواقب التنوع الحيوي في الاعتبار، وبالتالي تقليل أعداد محطات توليد الطاقة من الرياح، التي ينتهي بها المطاف في أماكن غير ملائمة.

كيف يمكن إذَن تنفيذ توصيات تقرير التنمية المستدامة العالمية؟ لا يتضح حتى الآن ما إذا كانت هذه التوصيات قد وصلت إلى وزارات المالية، والاقتصاد، والبنوك المركزية، أم لا، حيث يتعين الانتباه إليها. ويُذكر أنه في شهر ديسمبر الماضي، عَيَّن جوتيريش المحافظَ السابقَ لبنك إنجلترا، مارك كارني، مبعوثًا للأمم المتحدة بشأن المناخ. وهذه خطوة إيجابية؛ لأن منصب كارني يمَكِّنه من توسيع نطاق تأثير التقرير، من خلال تكوين صلة رسمية بين فريق تقرير التنمية المستدامة العالمية، وصانعي السياسات الاقتصادية.

وعندما يتقلد العلماء الخمسة عشر المكلفون بإعداد التقرير التالي مناصبهم، يجب عليهم أيضًا أن يحثوا جوتيريش على أن يوفر لهم الموارد اللازمة لرفع التوعية بعملهم أكثر، بشكل يصبح معه معروفًا ومؤثرًا، شأنه في ذلك شأن تقارير الأمم المتحدة عن المناخ، والتنوع الحيوي.

دُشنت أهداف التنمية المستدامة في وثيقة صادرة عن الأمم المتحدة في عام 2015 بعنوان «تحويل عالمنا» Transforming our World، لأن التحول إلى عالَمٍ بلا جوع، ولا أمراض، وتتوافر فيه وظائف مُجدية وبيئة نظيفة، لهو أمرٌ يتطلب تحولًا جذريًّا. ووفقًا للأنماط الحالية، ثمة أمارات محدودة على كون هذا التغيير سوف يتحقق بحلول عام 2030. ويُعَد هذا سببًا لمضاعفة الجهود السياسية التي تُوَجِّهها الأدلة. إنّ التغيير الحقيقي لن يتحقق، حتى يتم توطيد مساحات التواصل بين المجال البحثي، ووضْع السياسات.