أخبار

الذكاء الاصطناعي كوبرنيكوس "يكتشف" أن الأرض تدور حول الشمس

شبكة عصبية قادرة على أن تتعلم ذاتيًّا قوانين الفيزياء يمكنها أن تسهم في كشف أسرار ميكانيكا الكَمّ.

دافيديه كاستلفيتشي
  • Published online:
صَمّم علماء الفيزياء خوارزمية ذكاء اصطناعي تُدرِك أن الشمس لا بد أن تكونفيمركز النظام الشمسي.

صَمّم علماء الفيزياء خوارزمية ذكاء اصطناعي تُدرِك أن الشمس لا بد أن تكونفيمركز النظام الشمسي.

NASA/JPL/SPL

استغرق علماء الفلك قرونًا لاكتشاف الحقيقة التي مفادها وجود الشمس في مركز النظام الشمسي. وتوصّلت مؤخرًا خوارزمية لتعلُّم الآلة -مُستوحاة من آلية عمل الدماغ- إلى نتيجة جلية بأنه لا بد من وجود الشمس في مركز النظام الشمسي، على أساس الكيفية التي تبدو عليها حركات الشمس والمريخ عند رصْدها من الأرض. ويُعَد هذا الإنجاز واحدًا من الاختبارات الأولى لتقنيةٍ يأمل الباحثون أن يتمكّنوا من استخدامها في اكتشاف قوانين جديدة للفيزياء، وربما إعادة صياغة ميكانيكا الكَمّ، عن طريق اكتشاف الأنماط في مجموعات البيانات الكبيرة. ومن المقرر أن تُنشر النتائج في دورية «فيزيكال ريفيو ليترز» Physical Review Letters (R. Iten et al. Phys. Rev. .Lett تحت الطبع).

أراد الفيزيائي ريناتو رينر -من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيوريخ- وزملاؤه تصميم خوارزمية يمكنها تلخيص مجموعات بيانات كبيرة في عدد قليل من الصيغ الأساسية، في محاكاةٍ للكيفية التي يتوصَّل بها الفيزيائيون إلى معادلات مختصرة، مثل المعادلة الشهيرة: E = mc2. ولتحقيق ذلك.. كان عليهم تصميم نوع جديد من الشبكات العصبية، وهو نظامٌ لتعلُّم الآلة، مستوحى من بِنْية الدماغ.

تتعلم الشبكات العصبية التقليدية كيف تتعرف على الأشياء - مثل الصور، أو الأصوات – عن طريق التدريب على مجموعات بيانات ضخمة. فهي تكتشف سمات عامة للأشياء؛ فعلى سبيل المثال.. يمكن الاستدلال على صور القطط من خلال «أربع أرجل»، و«آذان مدببة». ومن ثمَّ، تعمل هذه الشبكات على ترميز تلك السمات في صورة «عُقد» رياضية تمثِّل المكافئ الاصطناعي للخلايا العصبية، ولكنْ بدلًا من تكثيف هذه المعلومات في صورة عدد قليل من القواعد التي يسهُل تفسيرها، مثلما يفعل الفيزيائيون، تعمل الشبكات العصبية مثل الصندوق الأسود، حيث تنشر المعرفة التي اكتسبتها عبر الآلاف -أو حتى الملايين- من العُقد بطرق لا يمكن التنبؤ بها، ويصعب تفسيرها.

لذا.. قام فريق رينر بتصميم شبكة عصبية شبيهة بشخص أُجريت له عملية «بضع الفص»؛ أي أنها تتألف من شبكتين فرعيتين، ترتبط كل منهما بالأخرى من خلال عدد محدود من الروابط. تتعلم الشبكة الفرعية الأولى من البيانات، كما هو الحال في الشبكات العصبية المعتادة، بينما تَستخدِم الشبكة الثانية تلك «التجربة» في وضع تنبؤات جديدة، واختبارها. ونظرًا إلى قلة عدد الروابط التي تصل ما بين الجانبين، فقد كانت الشبكة الأولى مجبَرة على تمرير المعلومات إلى الشبكة الثانية بصيغة مكثفة. يقول رينر إن ذلك يشبه الطريقة التي يستخدمها معلمٌ قدير في نقل معرفته المكتسَبة إلى طالب.

مواقع الكواكب

زوَّد الفريقُ الشبكة ببيانات محاكاة حول حركات المريخ والشمس في السماء، كما يجري رصدها من الأرض. ومن هذا المنظور، يبدو مدار كوكب المريخ حول الشمس غريبًا، وغير منتظم؛ فعلى سبيل المثال.. يتحرك الكوكب دوريًّا حركة «تنكسية»، عاكسًا مساره. وقد ظل علماء الفلك يعتقدون لقرون عديدة أن الأرض هي مركز الكون، وفَسَّروا حركة المريخ بافتراضهم أن الكواكب تتحرك في دوائر صغيرة، تسمى أفلاك الدوران، في القُبَّة السماوية، ولكنّ نيكولاس كوبرنيكوس اكتشف في القرن السادس عشر أن الحركات يمكن التنبؤ بها بواسطة نظام أبسط كثيرًا، لو كان كوكب الأرض وكل كوكب من الكواكب الأخرى يدور حول الشمس.

توصّلت الشبكة العصبية التي صمّمها الفريق إلى معادلات تشبه معادلات كوبرنيكوس لوصف مسار المريخ. وبذلك.. أعادت اكتشاف "أحد أهم تحولات النماذج الفكرية في تاريخ العِلْم"، على حد تعبير ماريو كرين، عالِم الفيزياء بجامعة تورنتو في كندا، الذي يعمل في مجال استخدام الذكاء الاصطناعي في الاستكشاف العلمي.ويُشدِّد رينر على أنه بالرغم من أن الخوارزمية تمكَّنت من اشتقاق المعادلات، فلا تزال ثمة حاجة إلى نظرةٍ بشرية مُتفحصة؛ من أجل تفسير المعادلات، وفهْم كيفية ارتباطها بحركة الكواكب حول الشمس.

يقول هود ليبسون –عالِم الروبوتات بجامعة كولومبيا في مدينة نيويورك– إن هذا البحث مهم، لأنه يستطيع تحديد المعايير الحاسمة التي تصف نظامًا فيزيائيًّا ما. ويُردف قائلًا: "أعتقد أن مثل هذه الأنواع من التقنيات هي أملنا الوحيد لفهْم الظواهر التي تزداد تعقيدًا في الفيزياء وما وراءها، ومواكبتها".

ويودّ رينر وفريقه ابتكار تقنيات ذكاء اصطناعي يمكنها مساعدة الفيزيائيين على حل التناقضات الظاهرية لميكانيكا الكَمّ. فنظرية الكَمّ تبدو أنها تنتج لنا تنبؤات متعارِضة بشأن نتائج التجارب، وكيفية النظر إليها بعين مُراقِب خاضع لقوانينها (D. Frauchiger and R. Renner Nature Commun. 9, 3711; 2018).

يقول رينر: "يمكن أن تكون الطريقة الحالية [التي صيغت بها ميكانيكا الكمّ] مجرد حقيقة تاريخية جميلة بصورة ما، أو بأخرى". ويضيف قائلًا إن الحاسوب يمكن أن يتوصل إلى صيغة تخلو من مثل هذه التناقضات، غير أن أحدث التقنيات التي يستخدمها الفريق ليست متطورة بعد بما يكفي لتحقيق ذلك. ومن أجل التحرك في اتجاه تحقيق هذا الهدف، يسعى رينر وزملاؤه إلى تطوير نسخة من شبكتهم العصبية، لا تقتصر قدرتها على  التعلم من البيانات التجريبية، ولكنها تستطيع أيضًا اقتراح تجارب جديدة كليًّا لاختبار فرضيّاتها.