تحقيق إخباري

الليمور الفأر ...عالَمٌ من الآمال العريضة

إذا نجح عالِم كيمياء حيوية أمريكي في أبحاثه، فقد يصبح أصغر حيوان في رتبة الرئيسيات في العالَم أحد أهم حيوانات التجارب المستخدَمة في علم الوراثة.

ليزلي روبرتس
  • Published online:
ليمور فأر يكشف عن قوّته في مختبر ميداني بمدغشقر قبل إعادته للبرية

ليمور فأر يكشف عن قوّته في مختبر ميداني بمدغشقر قبل إعادته للبرية

Rijasolo/Riva Press

واجهَتْ أونجا وقتًا عصيبًا هذه الليلة، حيث كانت يداها لا تنفكّان تنزلقان عن مقبض معدني صغير يُستخدَم لقياس قُوَّتها. هَمَسَ زيف بندلتون: "هَيّا، بوسعِك القيام بما هو أفضل من ذلك"، لتشجيع أنثى الليمور الفأر وهي تحاول إحكام قبضتها على المقبض المعدني. أخيرًا.. أحكمَتْ الليمور الفأر أصابعها حول المقبض، وسحبته، مسجلةً قوة بلغت كيلوجرامًا واحدًا، وهو أمر مذهل عند الحديث عن كائن حيّ يزن 41 جرامًا فقط. يقول بندلتون، باحث مساعد يعمل في الغابة المطيرة في مركز فالبيو البحثي، الذي يقع في متنزه رانومافانا الوطني في مدغشقر: "أحسنتِ".

وقف بندلتون -القادم من جامعة ستانفورد بولاية كاليفورنيا- غارقًا في ضوء أحمر خافت، بينما يختبر قوة أونجا، حيث جعلها تضع يديها على جهاز آيفون معدّل؛ لقياس النشاط الكهربائي لقلبها. فحص بندلتون أيضًا طولها، ووزنها، حيث اكتسبت جرامين في أقل من أسبوع، ثم التقط صورةً لوجهها، وأخيرًا.. سَجَّل هذه البيانات في قاعدة بيانات، يجري تحديثها باستمرار حول واحدة من أصغر أنواع الرئيسيات على الكوكب، وأكثرها انتشارًا.

في النهاية، دفع بندلتون أونجا برفق داخل قفص، وغطّاه بحقيبة سوداء؛ لحماية عينَي هذا الكائن الليلي بينما يسير به في ممرّ مضيء؛ ليعيده إلى الغابة المطيرة.

أونجا، ومعناها موج المحيط، هي واحدة من بين حوالي 500 حيوان خضعوا للدراسة إلى الآن في إطار مشروع الليمور الفأر، وهو جهد تعاوني يهدف إلى تحليل التكوين الوراثي لهذا الكائن الصغير، المنتمي إلى رتبة الرئيسيات السفلى. يدرس المشروع -وهو فكرة مارك كرازنو، عالِم الكيمياء الحيوية بجامعة ستانفورد- مجموعة كبيرة من الليمورات الرمادية والبُنّية (Microcebus murinus، وMicrocebus rufus) بالترتيب في البرية؛ لتحديد تأثير جيناتها على ما يَظهَر بينها من اختلافات بيولوجية، وصحية، وسلوكية.

يَعتقِد كرازنو أن الليمور الفأر قد يصبح حيوانًا مهمًّا لأبحاث علم الوراثة، بل وربما ينافس فأر التجارب الشهير (Mus musculus) في بعض المسائل البحثية على الأقل. يشترك الليمور الفأر مع البشر في العديد من الخصائص، من الناحية الوراثية، لكنه يحمل -في الوقت ذاته- العديد من مميزات الفئران من حيث صغر حجمه، وسرعة تكاثره، وكثرة عدد مواليده نسبيًّا. وهكذا، يمكن أن تساعد الليمورات الفأر في الإجابة عن بعض الأسئلة المتعلقة ببيولوجيا البشر، والأمراض التي تصيبهم، وهو ما تعجز الفئران عن تحقيقه. يقول كرازنو: "تسمع كثيرًا عن نجاحات أسهمت في كشف الغموض حول بيولوجيا البشر باستخدام الفئران، لكنك لا تسمع عن تلك الجوانب التي لا يوجد لها مثيل في الفئران"، بدايةً من السلوك، وصولًا إلى الأمراض، والسمات الجسدية، مؤكدًا أن الليمور الفأر يمكن أن يساعد كثيرًا في إلقاء الضوء على هذه الجوانب.

ورغم صعوبة طرح كائن حي نموذجي جديد، بدأ العلماء وجهات التمويل في الانتباه إلى الليمور الفأر، حيث نجح الباحثون في ترتيب تسلسل جينوم الليمور (P. A. Larsen et al. BMC Biol. 15, 110; 2017)، وسينشر كرازنو وزملاؤه في جامعة ستانفورد ومركز أبحاث تشان زكربرج بيوهب في سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا قريبًا أطلس الخلية الواحدة لحيوان الليمور – وهو يُعتبر وصفًا تفصيليًّا للنشاط الجيني في مئات الآلاف من الخلايا من جميع أنحاء جسم الحيوان. وسيكون هذا الأطلس هو ثاني أطلس خلايا لكائن من الثدييات، بعد الفأر. وقد أنشأت مختبرات عديدة حول العالم مستعمرات لحيوان الليمور الفأر؛ لدراسة موضوعات شتى، مثل: مرض ألزهايمر، والتطور.

بعد مرور عقد على بدء المشروع، يقول كرازنو إنه حقق بالفعل "نجاحًا كبيرًا". فقد حدّد فريقه العشرات من السمات المميزة لليمور الفأر، وكثير منها وثيق الصلة من الناحية الطبية، مثل اضطراب ضربات القلب، واضطرابات الحركة، وارتفاع معدل الكوليسترول. وقد بدأ الباحثون لِتَوّهم في المهمة الأصعب، وهي ربط هذه السمات بالطفرات التي اكتُشفت في جينومات الحيوانات، وهو نهج ربما يكشف عن الأساس الجيني لسلوكيات الرئيسيات المعقدة، والأمراض البشرية.

تقول روشيل بفنستاين، المتخصصة في علم الأحياء المقارن في شركة «كاليكو لأبحاث الشيخوخة»، المملوكة لشركة «جوجل» في ساوث سان فرانسيسكو: "تروق لي فكرة استخدام نموذج جديد". وتضيف بفنستاين، التي قادت أبحاث استخدام فأر الخلد العاري (Heterocephalus glaber) ككائن حي نموذجي: "أسهمت الفئران إسهامًا كبيرًا في فهم علم الأحياء، لكنها لن تقدم أكثر مما قدّمته.. فعلاجات السِّمنة ومرض ألزهايمر في الفئران لم يصلح تطبيقها على البشر قط". وعلى الأرجح.. لن يحلّ الليمور الفأر أبدًا محلّ نماذج الرئيسيات الأكثر شهرة والأوسع استخدامًا، مثل قرد المكاك، لكنّ بفنستاين تؤيد فكرة التوسع في أنواع كائنات التجارب، مؤكدةً: "كلما زاد عدد النماذج، كانت النتائج أفضل".

مغامرة جريئة

بدأ مشروع الليمور الفأر في صيف عام 2009، عندما كانت مايا -ابنة كرازنو المراهِقة- وأصدقاؤها يتطلعون إلى العمل في مختبر كرازنو في ستانفورد. تقول كاميل إزران، التي تبلغ من العمر الآن 24 عامًا، وتدرِس الطب في جامعة روتشستر بولاية نيويورك: "طلبنا ذلك من مارك ألف مرة، وأخيرًا استجاب". ظنت إزران في البداية أنها ستعمل مع أحد باحثي ما بعد الدكتوراة لبضعة أشهر، لكنْ منذ اليوم الأول كلّفها كرازنو هي ومايا وصديقهما جيسون ويليك بمهمة البحث عن كائن حيّ يصلح كنموذج جيني أقرب إلى الطبيعة البيولوجية للإنسان من الفأر.

أجرى الطلاب الثلاثة بحثًا موسعًا داخل المملكة الحيوانية، وأنشأوا جدول بيانات يضم خصائص الكائنات المقترَحة، بما في ذلك سن النضج الجنسي، وعدد المواليد، وحالة حفظه. دَرَس الفريق زبابيات الشجر الشمالية (Tupaia belangeri)، والسيبويلا القزمي (Callithrix pygmaea)، وغيرها من الرئيسيات السفلى، ومن بينها حيوان الجلاجو، المعروف أيضًا باسم أطفال الأدغال (Galagoides demidoff)، وحيوان أبخص ( (Tarsius tarsier، لكنّ الليمور الفأر كان أكثر ما لفت انتباههم؛ إذ تبلغ مدة حمل الأنثى شهرين، ويصل الحيوان إلى مرحلة النضج الجنسي خلال 6-8 أشهر، وهو من أكثر الرئيسيات خصوبة، إذ يضع 4 صغار كل مرة. وهذه العوامل تتيح إمكانية دراسة عدة أجيال في بضع سنوات فقط. أما قرد المكاك (Macacca mulatta)، فعلى النقيض تمامًا، حيث إنه يستغرق نحو 4 سنوات للوصول إلى النضج الجنسي، وتبلغ مدة حمل الأنثى 5 أشهر ونصف الشهر، وينجب مولودًا واحدًا كل مرة.

وكما هو الحال مع كلّ حيوانات الليمور، يعيش الليمور الفأر في مدغشقر فقط، وبعض أنواعه مهدَّد بالانقراض، لكن الليمور الفأر المعروف منتشر للغاية لدرجةٍ يمكن معها دراسته بسهولة في البرية، على حد قول إزران. ويُذكر أنه على مدار عقود، كان علماء الأحياء الميدانيون يزرعون الرقاقات الإلكترونية الدقيقة في أجسام حيوانات الليمور الفأر، ويتتبعونها على مدار حياتها التي تتراوح بين 5 سنوات، و10 سنوات؛ لدراسة كل شيء عنها، بدءًا من التواصل الصوتي، وصولًا إلى سلوكها في البحث عن الطعام. تُظهِر مستعمرات الليمور في المختبرات الكبرى أن هذه الحيوانات قادرة على التكيف بسهولة مع ظروف احتجازها.

أثار هذا الاكتشاف حماس كرازنو... فخلال العطلات المدرسية، كان كرازنو والطلاب يذهبون في جولة استكشاف لحيوان الليمور، يستشيرون خلالها المتخصصين في رتبة الرئيسيات، ويزورون مستعمرات الليمور الفأر في ولاية كارولينا الشمالية وباريس، قبل التوجه إلى مدغشقر في عام 2010. يقول كرازنو: "عُدنا مفعمين بالبهجة. فقد استقبلَنا الباحثون بحفاوة في مختبراتهم. والكثيرون منهم أصبحوا شركاء ومرشدين لنا".

عَلِم كرازنو أن كثيرًا من الباحثين لم يلتقوا ببعضهم البعض قط. ولذا.. في عام 2011، نظَّم هو وميجان ألبرتيلي -الباحثة في رتبة الرئيسيات، والطبيبة البيطرية المتخصصة في حيوانات التجارب بجامعة ستانفورد- أول مؤتمر على الإطلاق عن الليمور الفأر، الذي عُقد في مجمع بحوث جانيليا، التابع لمعهد هوارد هيوز الطبي في آشبورن بولاية فيرجينيا. دعا كرازنو وميجان إلى المؤتمر حوالي 40 عالِمًا يمثلون نحو 20 فريقًا بحثيًّا؛ لدراسة الليمور الفأر حول العالم، إلى جانب علماء الجينات البشرية، ومتخصصي الكائنات الحية النموذجية. كان الحاضرون متحمسين، لكنْ سادت حالة من الانقسام فيما بينهم.

يقول كرازنو: "سرعان ما اتضح لنا أن علماء الأحياء الميدانيين ينظرون إلى الحيوانات التي يدرسونها نظرةً تختلف عن علماء المختبرات".. فبعض التقنيات الفعالة لدى علماء المختبرات -مثل التعديل الوراثي- لم يكن لِيَرِد على ذهن علماء الأحياء الميدانيين. ويضيف قائلًا: "لديهم شغف تجاه حيوانات الليمور الفأر التي يدرسونها، كما هو الحال مع باقي علماء الرئيسيات، وكأنها علاقة كالتي تنشأ بين البشر".

ظهرت استراتيجية علمية تهدف إلى استخدام الأدوات الوراثية الفعالة بأقل قَدْر من التدخل الجراحي. سيدرس الباحثون الحيوانات في البرية، ويفحصونها؛ لاستكشاف خصائصها المميزة، ويجمعون عينات من حمضها النووي؛ لتحليله لاحقًا. لن يتضمن هذا الإجراء أي تعديل جيني، أو نقل للحيوانات إلى ستانفورد، أو غيرها من المؤسسات البحثية في الخارج. وباستثناء احتجاز الحيوان لفترات دورية، ستبقى الحيوانات في الغابة. وإضافة إلى ذلك.. سيعمل الفريق على تدريب باحثين من مدغشقر، ليكونوا جزءًا من المشروع. يقول كرازنو: "أردنا إيجاد طريقة لائقة لعمل الأبحاث الوراثية".

لم يمر وقت طويل قبل أن تنضم باتريشيا رايت -عالمة الرئيسيات الشهيرة المتخصصة في فصيلة الليمور بجامعة ستوني بروك في نيويورك، ومؤسِّسة ومديرة مركز فالبيو الميداني- إلى فريق المساهمين الرئيسين في المشروع. وبحلول منتصف عام 2012، كان كرازنو والطلاب قد حصلوا على معدّات ومستلزمات تقدَّر قيمتها بمئات الآلاف من الدولارات، لتجهيز مختبر للبيولوجيا الجزيئية هناك، حيث أصبح مقرًّا رئيسًا لهم.

احتجاز مؤقت

في عصر أحد الأيام في شهر مايو عام 2019، توجَّه فريق كرازنو إلى الغابة المطيرة؛ لنصب الفخاخ. قدّم فيكتور راسيندري -الخبير في تقفّي الأثر، الذي عمل مع الليمور الفأر في متنزه رانومافانا الوطني لأكثر من عشر سنوات- نصائحه إلى الفريق حول نَصْب الفخاخ؛ ففروع الأشجار التي ينصبون عليها الفخاخ يجب أن تُوضَع بزاوية معينة؛ لاصطياد الليمور الفأر. ويضع الباحثون شرائح الموز لاستدراج الليمور في نحو 30 فخًا، ثم يغادرون. وقرابة الساعة التاسعة مساءً، يعودون مرة أخرى.

مطرٌ خفيفٌ يتساقط وسط الظلام الدامس، بينما يشقّ الباحثون طريقهم وسط هذا الظلام باستخدام مصابيح الرأس. تَنَقَّل راسيندري ببراعة بين الأشجار؛ ليفحص الفخاخ بمساعدة هاجا رازافيندراكوتو، وزوجها ماهري رازافيندراكوتو، وهما عالِما أحياء مالاجاشِيّان، يعملان في المشروع منذ بدايته تقريبًا، ولكنهم عادوا واحدًا تلو الآخر، صِفْر اليدين. بعدها، وبالقرب من سفح التلة، صاحت هاجا في حماس: "وجدتُ واحدًا". وبعد بضع دقائق، وجدوا واحدًا آخر. كانت أونجا واحدة منهما.

تمنّى الفريق العثور على المزيد من الليمورات، لكنْ مع انخفاض درجات الحرارة، كانت الحيوانات قد بدأت الدخول في فترة سُبات، يقل فيها نشاطها. كان الفريق قد خطّط لبدء تلك المهمة الميدانية في وقت سابق، لكنه اضطر لتأجيل الرحلة، بسبب إعصار ضرب البلاد، فضلًا عن وباء الطاعون الدَبلي، الذي تفشّى فيها على نحو لم يسبق له مثيل.

بدأ بندلتون العمل داخل مختبر مركز فالبيو. وإضافةً إلى أونجا، أمسك الفريق ذكرًا يافعًا، اسمه لاهاترا، وهو اسمٌ أقرب في معناه إلى "القَدَر". كان لاهاترا الأضعف، إذ سحب ما لا يزيد على 300 جرام في اختبار المقبض؛ إضافة إلى أنه كان أحدَّ طبعًا من أونجا، حيث كان يحرّك رأسه محاوِلًا قرض قفازات بندلتون السميكة، لينتهي الأمر بإطلاق زمجرة خفيفة. يقول بندلتون: "إنه غاضب، ويريد إخبارنا بذلك".

تساعد هذه اللقطات لوجه الليمور الفأر العلماءَ في رصد السمات الجسدية وكذلك الطباع الشخصية المختلفة لهذه الحيوانات

تساعد هذه اللقطات لوجه الليمور الفأر العلماءَ في رصد السمات الجسدية وكذلك الطباع الشخصية المختلفة لهذه الحيوانات

Jozeph L Pendleton, Caitlin Karanewsky & Mark Krasno

كان الباحثون قد أمسكوا كلا الحيوانين من قبل، وزوّدوهما برقاقات دقيقة تتيح التعرّف عليهما فورًا. ويُذكر أنه عندما يمسِك الباحثون بأحد الحيوانات للمرة الأولى، يخضع الحيوان لعملية فحص شامل، تتضمن حوالي 70 اختبارًا على مدار الساعتين اللتين يقضيهما في المختبر. وبعد تزويد الحيوان بالرقاقة، يأخذ الفريق عينة دم صغيرة من الساق، ونسيجًا صغيرًا من الأذن بطول ملِّيمترين، حيث يزرع العلماء خلايا جلد الليمور الفأر؛ للحصول على مصدر جاهز للخلايا والحمض النووي. وبعد ذلك.. يخضع الحيوان لمجموعة قياسية من الفحوص.

يفحص العلماء قوة سمع الليمور وإبصاره، ويقيسون قاعدة الذيل، حيث تُختزن الدهون، وعَرْض الجمجمة، الذي يُعَد مؤشرًا جيدًا على عُمْر الحيوان. وفضلًا عن ذلك.. يحللون طريقة مشي الحيوان أثناء مروره عبر أنبوب شفاف، وهو نسخة معدّلة من جهاز يُستخدم لقياس أنماط المشي لدى ذبابة الفاكهة الدروسوفيلا.

يقول كرازنو إنهم وجدوا عبر هذه الدراسات الموسعة للتباين الطبيعي أن حوالي واحد من كل خمسة حيوانات لديه سمة مميزة، أو متطرفة، ويمكن أن تكون هذه الصفة ثانوية، مثل لون العين، أو مؤثِّرة، مثل اضطراب ضربات القلب. وإلى الآن، تمكّن الفريق من رصد أكثر من 20 سمة مميزة. وبعض هذه السمات ذو صلة وثيقة من الناحية الطبية الحيوية، كمرض العين المتطور، والسمنة المرضية، والعلامات المبكرة للسكّري، والصّعَل، أو ما يُعرف بصِغر الرأس.

ظهرت اختلافات الشخصيات بين حيوانات الليمور بوضوح هي الأخرى، وهو ما انعكس غالبًا على الأسماء التي أطلقها الباحثون عليها. وكثير من هذه الحيوانات يتسم بالهدوء والوداعة؛ أمّا "فيستي"، ومعناه المشاكس، فكان دائم الهجوم. وهناك أيضًا "ميردرفيس"، وترجمته الحرفية "وجه الجريمة"، وهو حيوان شرس آخر، اعتاد إطلاق صراخ غريب عالي النبرة. وهناك "بلينكي"، الذي تَطْرُف عيناه باستمرار، و"ستويك" صاحب الطباع الهادئة، مثلما تدل أسماؤهما.. لكنّ بندلتون متعلقٌ بالليمور ألفي أكثر من غيره، وهو ذكر اعتاد الوقوع في فخاخهم كل عام، باستثناء عام 2018. يقول بندلتون: "إنه حيوان رائع. وأعتقد أنه يحب الموز كثيرًا"، غير أنه قلِق، لأنه لم يره مؤخرًا.

وبالعودة إلى ستانفورد، نجد الباحثين يرسمون خريطة للجينات التي تتسبب في ظهور السمات المميزة للحيوانات. وإلى الآن، حدّد الباحثون كيفية تجمُّع عدد من الصفات في مجموعات، وأنشأوا سجلات نَسَب ستمكّنهم من التركيز على الطفرات الجينية المسؤولة. يركز الباحثون أولًا على أحد أنواع اضطرابات الحركة، حيث يرفع الحيوان إحدى يديه فور ملامستها للأرض، كما يدرسون متلازمة العقدة الجيبية المريضة، وهي حالة تسبب الموت -في بعض الأحيان- لدى البشر، حيث يعمل منظّم ضربات القلب الطبيعي (وهو العقدة الجيبية للقلب) بشكل أبطأ أو أسرع من المعتاد.

تقول هوبي هوكسترا -خبيرة علم الأحياء التطوري بجامعة هارفارد في كامبريدج بولاية ماساتشوستس- إن فكرة الاستفادة من التباين الطبيعي "أثبتت فاعليتها بدرجة هائلة". تُجري هوكسترا أبحاثها على الفئران البرية، التي تعتبرها نماذج مثالية لدراسة التباين البشري، لأنها متنوعة وراثيًّا مثل البشر. وتضيف قائلة إنّ هذا التباين يخضع للانتقاء الطبيعي في البيئات البرية القاسية.

انتقل فريق كرازنو بعد ذلك إلى المرحلة الثانية الآن، وهي إجراء فحص جيني متعمّق؛ لتحديد المتغيرات التي تحدث بشكل طبيعي، والتي تعطّل عمل جينات بعينها، فيما يُعرف باسم «طفرة فقدان الوظيفة». ولاكتشاف الطفرات.. يعتزم كرازنو وفريقه ترتيب تسلسل جينومات جميع الحيوانات التي يأتون بها إلى المختبر، وليس الحيوانات ذات السمات المميزة فقط، ومقارنتها بالجينوم المنشور في عام 2017. ويأمل كرازنو أن يحصل -في نهاية المطاف- على مكتبة حية للحيوانات التي لديها طفرة فقدان الوظيفة، وذلك لجميع جينات الحيوان المسؤولة عن ترميز البروتين، البالغ عددها نحو 20 ألف جين. ستكون هذه المكتبة شبيهة بالائتلاف الدولي للتنميط الظاهري للفئران، وهو مشروع تعاونيّ متعدد المراكز، يهدف إلى تحديد وظيفة كل جين في جينوم الفئران، عن طريق إحداث طفرة في تلك الجينات - تثبيطها - واحدًا تلو الآخر.

حيوانات الليمور الفأر من أكثر الرئيسيات انتشارًا على سطح الأرض

حيوانات الليمور الفأر من أكثر الرئيسيات انتشارًا على سطح الأرض

Minden Pictures/Alamy

يقول كرازنو: "بينما يُحْدِث الآخرون الطفرات، نحن نكتفي باكتشافها". ويضيف أنّ هذا النهج ليس أسرع وأقل تكلفة فحسب، ولكنه يتلافى أيضًا المشكلات التقنية والأخلاقية المرتبطة بالهندسة الوراثية في الرئيسيات غير البشرية. ويمكن للباحثين الراغبين في تحديد وظيفة جين معين أن يبحثوا عن الطفرة في مكتبة كرازنو؛ ليعرفوا ما إذا كانت هناك أي سمات فسيولوجية مميزة في الحيوان، أم لا، بل يمكن لفريق كرازنو إعادة الإمساك بالحيوان نفسه، أو أحد أفراد عائلته، لإجراء دراسات لاحقة.

لاقت هذه الفكرة استحسان بفنستاين، التي قالت: "إذا استطاع مارك الاستفادة من التباين الطبيعي، دون إجراء أي تلاعب جيني، فسيكون ذلك أمرًا مذهلًا".

آمال عريضة

لا يمكن الجَزْم بأن الليمور الفأر سينضم إلى نماذج الكائنات الحية المستخدَمة، وكرازنو هو أول من يُقِرّ بذلك، لكنه يعلّق آمالًا عريضة على هذا الأمر.. فهو لا يَعْتبر الحيوان نموذجًا متخصصًا لدراسة موضوع بعينه، بل نموذجًا عامًّا، ومتعدد الأغراض، تمامًا مثل الفأر، يمكن استخدامه في دراسة العديد من الجوانب المختلفة في بيولوجيا الرئيسيات، وأمراضها، ونظامها البيئي. وجدير بالذكر أيضًا أن تطوير أي نموذج يستغرق سنوات طويلة. ورغم أن عمل كرازنو يضم أقل قَدْر من التدخل الجراحي - مجرد قدر ضئيل جدًّا من نسيج الأذن، وعينة دم حجمها 200 ميكرولتر- فأي بحث على الرئيسيات ينطوي على قدر من الحساسية.

 يعتقد كرازنو أنه سيعرف في غضون عام أو عامين هل سيقبل علماء أحياء آخرون فكرته، أم لا. ويقول: "حين تكون لدينا مجموعة علماء يتبادلون النتائج، والتقنيات، والمواد الكاشفة، ستزداد معرفتنا بذلك الحيوان، وتزداد معها احتمالية اهتمام المزيد من الأشخاص باستخدامه". وهذا هو سبب حماسه البالغ تجاه المشروع التعاوني، الذي تقدَّر قيمته بمليون دولار أمريكي بين جامعة ستانفورد، ومركز أبحاث تشان زكربرج بيوهب؛ لإعداد أطلس الخلية الواحدة.

بدأت فكرة الأطلس بالتزامن مع وفاة ستامبي، أحد حيوانات الليمور الفأر القليلة المسنّة، التي أحيلت إلى التقاعد من دراسة كانت تُجرى في مكان آخر. كان ستامبي يبلغ من العمر حوالي 10 أعوام، أي ما يعادل عمر المائة تقريبًا لدى الإنسان، عندما أُصيب بالتهاب رئوي. وفي ضوء حالته الصحية المتدهورة، شكَّل كرازنو -بالتعاون مع ستيف كويك، عالم الهندسة البيولوجية بجامعة ستانفورد، والرئيس المشارك لمركز بيوهب- فريقًا يضم 52 خبيرًا، للعمل؛ استعداداً لوفاة ستامبي. عمل الفريق بسرعة؛ لفصل الخلايا من كل عضو، وترتيب تسلسل الحمض النووي الريبي (RNA) للخلية الواحدة. ويضم الأطلس الناتج عن هذا الجهد مجموعة الجينات الموجودة في 250 ألف خلية من 30 عضوًا رئيسًا.

ويضيف كويك أنّ الأطلس "سيُحدث نقلة كبيرة في أبحاث الليمور الفأر". وبالنظر إلى أطلس خلايا الفأر المنشور في عام 2018، يتوقع كويك أن يستخدم الباحثون الأطلس الجديد "في أغراض شتى"؛ منها -على سبيل المثال- دراسة العلاقات بين الأنسجة، أو الكشف عن الاختلافات بين الذكور والإناث، أو البحث عن بروتينات جديدة تتفاعل مع الأدوية.

تقول آن يودر، وهي خبيرة في علم الأحياء التطوري، ومتخصصة في الليمور الفأر بجامعة ديوك في دورهام بولاية كارولينا الشمالية: "سيكون ذلك مرجعًا بالغ الأهمية"، مضيفةً أنه نظرًا إلى ارتباط العديد من الأمراض بأنسجة بعينها، سيقدم الأطلس معلومات مفيدة حول دور الجينات في مخاطر الإصابة بالأمراض، وغيرها من الجوانب المتعلقة بالصحة والوظائف البيولوجية. وعند الانتهاء من إعداد أطلس الخلية البشرية، سيتمكن الباحثون من دراسة الأصول التطورية للأمراض.

يرى كرازنو أن معيار نجاح المشروع هو قدرة هذا النموذج على الإجابة عن أسئلة كبرى، لم يفكر فيها العلماء عندما بدأ المشروع، مثل تحديد الجينات التي تؤثر في قدرة الكائن على البقاء في مواجهة ظواهر بعينها، مثل إزالة الغابات، أو تغير المناخ.

ورغم ذلك.. يحذّر آخرون من أنّ بحْث كرازنو ربما لا يرقى إلى مستوى رؤيته الطموحة. ومن بين هؤلاء.. جيفري روجرز من كلية بايلور للطب في هيوستن بولاية تكساس، الذي رتّب تسلسل جينوم الليمور الفأر بالتعاون مع زملائه، والذي يصف فكرة كرازنو بأنها "رائعة"، لكنه لا يعتقد أن الباحثين سيستبدلون قرود المكاك أو البابون، وهي أكثر نماذج الرئيسيات استخدامًا، أو قرود المارموسيت، التي تكتسب اهتمامًا متزايدًا، لأنهم باتوا يعرفون الكثير من المعلومات بالفعل عن هذه النماذج. يقول روجرز: "يبدو لي أحيانًا أن مارك يدير ظهره لنماذج الرئيسيات الأخرى. وفكرة أنّ أيّ نموذج يمكن أن يكون النموذج الأمثل الوحيد هي فكرة مغلوطة".

يُبدي دانيال ماكارثر -من معهد برود البحثي التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة هارفارد في كامبريدج بولاية ماساتشوستس- تشككه هو الآخر في بعض أفكار كرازنو. يقول ماكارثر، الذي يدرس طفرات فقدان الوظيفة التي تحدث بشكل طبيعي لدى البشر، إنه "يشك كثيرًا في أن دراسة ظاهرة تعطّل الجينات -التي تحدث بشكل طبيعي في الليمور الفأر- ستُحدِث تغييرًا جذريًا في فهْمنا لعلم الأحياء البشري"، وفسّر ذلك بأن طفرات فقدان الوظيفة المهمة والمسبِّبة للأمراض عادًة ما تكون نادرة للغاية. وأضاف: "إذا أردتَ دراسة تعطُّل الجينات، الذي يحدث بشكل طبيعي، فأفضل نموذج للدراسة هو الإنسان"، لأن معلومات التسلسل متاحة بالفعل لأكثر من مليوني شخص. يقول ماكارثر إنه رغم تفاؤله باحتمالية إضافة نموذج جديد من الرئيسيات إلى مجموعة أدوات البحث، فهو قلِق في الوقت نفسه من أنّ دراسة حيوانات الليمور الفأر في البرية ربما تُحدِث اضطرابًا بين أفرادها، حتى مع اتخاذ أعلى درجات الحذر.

من المؤكد أن كرازنو سيَلقَى معارضة من أقرانه من الباحثين. فقد بذلت بفنستاين جهدًا حثيثًا في دراسة فأر الخلد العاري، وهو من القوارض طويلة العمر، التي تعيش في مستعمرات تحت الأرض، كنموذج لأبحاث الشيخوخة والألم، وتتوقع أنّ "مارك سيواجه ألوانًا من الصعاب، حيث سيقول الباحثون:"إذا لم يكن لديك أحدث الأدوات المناسِبة لهذا النوع من البحث، فلِمَ لا تستخدم الفئران؟""

إنّ كرازنو يبحث بالفعل عن سبل أخرى لتوسيع نطاق جهوده في مدغشقر.. فهدفه هو "إحداث تحوُّل" في دراسة علم الأحياء في البلاد، من خلال حث الطلاب على دراسة ما يُطلَق عليه "المختبر الحي" في البرية. يفكر كرازنو في تنفيذ مشروع علمي جماهيري، يشارك فيه طلاب المدارس الثانوية في مدغشقر بفحص الآلاف -أو مئات الآلاف- من حيوانات الليمور الفأر في أفنية منازلهم، ثم يرتِّبون تسلسلها الجينومي، وهو ما سيسهم في توسيع قواعد البيانات بشكل كبير. وأُولى الخطوات التي اتخذها في هذا الشأن هي تدريس علم الوراثة في الليمور الفأر لطلاب الدراسات العليا في قسم الأحياء بجامعة أنتاناناريفو في مدغشقر.

يتواصل فريق البحث أيضًا مع المجموعات المعنية بالحفاظ على البيئة؛ للتعريف بالمشروع، والتأكيد على أهمية الحفاظ على موائل الليمور الفأر في مواجهة التدمير البيئي المستمر في مدغشقر. تقول يودر: "أيُّ شخص يعمل مع الليمور الفأر هو من أنصار الحفاظ على البيئة".

في الوقت الراهن، تعيش حيوانات الليمور الفأر في متنزه رانومافانا الوطني. وفي منتصف الليل في أواخر شهر مايو، وبينما يغمر الضباب الغابة المطيرة، يترك الفريق المختبر، ويتسلقون التل الزَّلِق؛ لإطلاق سراح أونجا، ولاهاترا. ويحرص الباحثون على وضع الليمورات على الفروع نفسها، حيث سبق واصطادوها. ويتردد الحيوانان قبل مغادرة قفصيهما، كأنما يتلمّسان اتجاههما، ثم يهرعان لتسلق الأشجار. ويتتبع الباحثون أعين الليمورات الكبيرة اللامعة برهةً من الوقت، قبل أن تختفي داخل الغابة المطيرة.

ليزلي روبرتس صحفية متخصصة في العلوم، وتقيم في واشنطن العاصمة.