أخبار

إنتاج الخلايا الجذعية المكوِّنة للدم بكميات ضخمة في المختبر

لعب أحد مكوِّنات الصمغ دورًا رئيسًا في إنماء الخلايا الجذعية لدى فئران التجارب.

ديفيد سيرانوسكي

  • Published online:
إنماء الخلايا الجذعية في المختبر عملية صعبة.

إنماء الخلايا الجذعية في المختبر عملية صعبة.

Science Photo Library

تمكَّن باحثون من إنتاج أعداد كبيرة من الخلايا الجذعيّة المكوِّنة للدم في المختبر، باستخدام مكوّن بسيط -إلى حد مذهل- من مكونات الصمغ. وعندما حُقِنَت الفئران بهذه المادة، بدأت الخلايا في إنتاج عناصر أساسية مكوِّنة للدم.

يقول جون ديك، اختصاصي بيولوجيا الخلايا الجذعيّة بمركز الأميرة مارجريت للسرطان في العاصمة الكندية تورونتو: "هذه النتيجة لم تكن متوقَّعة مطلقًا. إنها مثيرة للغاية".

وإذا أمكن تطبيق هذه التقنية على الإنسان، فمن الممكن أن تُستخدم في إنماء الخلايا الجذعية المُكوِّنة للدم، التي يمكن الاستفادة منها في حالات المصابين بسرطانات الدم، مثل اللوكيميا، والذين تضرَّرت أجهزتهم المناعية بسبب العلاج الكيماوي. وإضافة إلى ذلك.. فإن هذا النهج قد يُتيح طريقة أكثر أمانًا لعلاج المصابين باضطرابات الدم، مثل مرض فقر الدم المنجلي، حيث يُضطرون -في الوقت الراهن- إلى الخضوع لعملية خَطِرَة تهدف إلى تثبيط أجهزتهم المناعيّة، قبل خضوعهم لعملية زراعة نخاع عظمي.

حاول الباحثون، على مدار عقود، إنماء أعدادٍ كبيرة من «الخلايا الجذعية المُكوِّنة للدم» HSCs في المختبر. تتميز هذه الخلايا بقدرتها على أن تتجدد ذاتيًّا، وأن تنتِج مكوِّنات أخرى من الدم، بيْد أنه لم يتمكن أحد من الباحثين إلى الآن من إنتاج العدد الكافي من الخلايا الجذعية اللازمة لعملية التطعيم على نحو موثوق -أو البدء في إنتاج خلايا الدم- عند إعادة إدخال الخلايا الجذعية مرة أخرى إلى الجسم.

يُقدِّم هيروميتسو ناكاوتشي -اختصاصي بيولوجيا الخلايا الجذعيّة، الذي يقود فرقًا بحثية بجامعة طوكيو وجامعة ستانفورد في ولاية كاليفورنيا- في دورية Nature تفاصيل حول الطريقة التي تَمَكَّن بها فريقه من تطعيم خلايا جذعيّة مكوِّنة للدم في الفئران بنجاح (A. C. Wilkinson et al. Nature http://doi.org/gf3h99; 2019). في البداية، أجرى الباحثون عملية إكثار لعنقود من الخلايا الجذعية المكوِّنة للدم لدى الفئران، ليصل مستواها إلى نحو 900 ضعف مستواها الأصلي، ثم أعادوا زراعتها في مجموعة مختلفة من الفئران، حيث نَمَت الخلايا وتطورت إلى مكوِّنات الدم. يقول ناكاوتشي: "لقد كان هذا هدف حياتي".

عادةً ما يحاول الجهاز المناعي لدى الحيوان تدمير الخلايا الممنوحة في حال عدم ملاءمتها جينيًّا. ولهذا السبب.. يكون من الضروري القضاء على الجهاز المناعي، أو تثبيطه، قبل إجراء أغلب عمليات زراعة الأعضاء. وعندما حَقَن ناكاوتشي الخلايا في الفئران التي تتمتع بصحة جيدة، والتي تمتلك أجهزة مناعية سليمة، نمت الخلايا، وهذا يمكن أن يُعزى -حسب قوله- إلى الأعداد الكبيرة من الخلايا التي زُرعت. ويعكف ناكاوتشي حاليًّا على تطويع هذه التقنية؛ بحيث يمكن استخدامها في إنماء خلايا جذعية مكوِّنة للدم لدى الإنسان.

وحتى وقتنا هذا تقدِّم هذه الدراسة أفضل الأدلة على أن الخلايا الجذعية المكوِّنة للدم التي يجري إنماؤها في المختبر قد تعيش لأكثر من بضعة أيام، وتُطَعَّم عند إعادة إدخالها إلى الجسم، على حد قول جورج ديلي، اختصاصي بيولوجيا الخلايا الجذعيّة بكلية طب هارفارد في بوسطن بولاية ماساتشوستس، الذي عمل هو أيضًا على إكثار الخلايا الجذعية المكوِّنة للدم. وأضاف ديلي قائلًا: "هذه بيانات مثيرة للغاية".

يقول بول فرينَت، اختصاصي أمراض الدم بكلية طب ألبيرت أينشتاين في مدينة نيويورك: "إكثار الخلايا إلى هذا المستوى قد يكون له أثر هائل من الإكلينيكية".

مادة سحرية

خلال سعي الباحثين لإيجاد طرقٍ لإنماء الخلايا الجذعية المكوِّنة للدم بأعداد ضخمة في المختبر، جرَّبوا استخدام عوامل نمو، لكنهم لم يحققوا نجاحًا كبيرًا في هذا الصدد، إلا أن ناكاوتشي اكتشف أن السبب وراء موت الخلايا هو وجود شوائب في الوسط الذي يتم فيه إنماء الخلايا، وهذا الوسط هو الألبيومين، أحد بروتينات الدم البشري. وهذه الشوائب، التي هي -في أغلبها- بروتينات تفرزها الخلايا المناعية كانت تعوق نمو الخلايا، على حد قول ناكاوتشي، الذي أضاف: "كم أهدرنا من المال، والوقت، والجهد، بسبب هذه الشوائب".

فَحَصَ ناكاوتشي مجموعة مُنتقاة من البوليمرات التي يمكن أن تحل محل بروتين الألبيومين، حسب اعتقاده، واكتشف أن مركّبًا صناعيًّا يُسمَّى «كحول البولي فينيل» PVA -يُستخدم عادةً في الصموغ- قد أوفى بالغرض. واستُخدم كحول البولي فينيل أيضًا في زراعة الأجنّة والخلايا الجذعية الجنينية. وتَعتبِر الهيئات الرقابية هذا البوليمر الذي يُستخدم في كَسْو الأقراص الدوائية مادةً غير سامة.

ترغب كوني إيفز -الباحثة في مجال السرطان والخلايا الجذعية بمختبر تيري فوكس في مدينة فانكوفر في كندا- وآخرون في تجربة هذه التقنية، إلا أن إيفز تُحذِّر مِن أنه ليس واضحًا إلى الآن ما إذا كانت التقنية المذكورة ستُثْبِت فعاليتها عند استخدامها في حالة الخلايا البشرية، أم لا.

يمكن للنتائج التي توصّل إليها ناكاوتشي أن تُجدِّد الاهتمام بمَصْدر آخر للخلايا الجذعية المكوِّنة للدم. ففي عام 2017، أعاد ديلي برمجة خلايا جلد الإنسان، محوِّلًا إياها إلى «خلايا جذعية مُستحثّة متعددة القدرات» iPS، تحوَّلت بعد ذلك إلى خلايا قريبة الشبه للغاية من الخلايا الجذعية المُكوِّنة للدم (R. Sugimura et al. Nature 545, 432-438; 2017). والطريقة الأولى المتمثلة في استخدام الخلايا الجذعية المُستحثّة متعددة القدرات في تصنيع خلايا جذعية مكوِّنة للدم تتميز عن الطريقة الثانية المتمثلة في الحصول على تلك الخلايا من خلال زراعة نخاع عظمي من متبرِّع، نظرًا إلى أن الطريقة الأولى تتيح إمكانية تصنيع الخلايا الجذعية المكوِّنة للدم من خلايا المريض نفسه، ما يُزيل الحاجة إلى البحث عن متبرع متوافِق جينيًّا، إلا أن ديلي سعى جاهدًا لإنتاج أعداد ضخمة من هذه الخلايا في المختبر. وربما تُغَيِّر طريقة ناكاوتشي ذلك الوضع. يقول ديلي: "إذا أمكن تطبيق هذه الطريقة في حالة الخلايا البشرية، فستكون مفيدة للغاية".

أوضح فريق ناكاوتشي كذلك أن الفئران قادرة على تلقِّي الخلايا الجذعية الممنوحة المكوِّنة للدم، دون إخضاعها أولًا لعملية تدمير أو تثبيط لجهازها المناعي، وهو ما يُعرف باسم «عملية التحضير، أو التهيئة».

في بعض الأحيان، يُعالَج المصابون باضطرابات الدم الوراثية -مثل مرض فقر الدم المنجلي- عن طريق زراعة نخاع عظمي من متبرِّع. وبما أن المتبرعين -حتى الأشقاء- غير متوافقين جينيًّا مع المرضى، فيلزم أولًا إخضاع المرضى لعملية تحضير تهدف إلى الحيلولة دون لفْظ أجسامهم خلايا المتبرع، إلا أن عملية التحضير تزيد من خطر مهاجمة الخلايا الجذعية الممنوحة المكوِّنة للدم لأنسجة المضيف نفسه، وهو مرض يمكن أن يكون مُهلِكًا، كما أنه قد يصيب المرضى بالعقم، ويعوق نمو الأطفال.

إنّ تقليل الحاجة إلى العلاج التحضيري من خلال زراعة «جُرعة ضخمة» من الخلايا الجذعية المكوِّنة للدم فكرة جذابة، لكنها تتطلب المزيد من الاختبار في حالة الفئران أولًا، ثم البشر، حسبما يقول لويجي نالديني، الباحث في مجال العلاج الجيني باستخدام الخلايا الجذعية المكوِّنة للدم في مستشفى سان رافاييل بمدينة ميلانو في إيطاليا.