افتتاحيات

كفى إنكارًا لمخاطر تلوث الهواء

الأبحاث التي تربط بين تلوث الهواء بالجسيمات الدقيقة وخطر الموت المبكر في مرمى النيران في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي بلدان أخرى.

  • Published online:

إنّ تلوث الهواء يسبِّب الوفاة. فالجسيمات الدقيقة التي تنبعث من السيارات، والمصانع، والعديد من المصادر الأخرى تُشكِّل خطورةً بالغة على صحة البشر. هذا ما أثبته العلماء حول العالم على نحو مقنِع على مدار الربع قرنٍ الماضي. وقد أدى ذلك إلى تشديد تدريجي للضوابط التنظيمية التي تَحكُم تعامل البشر مع الهواء في معظم البلدان الغربية. وبالرغم من ذلك.. فإن التعرض لتلوث الهواء في الأماكن الخارجية يودي بحياة 4.2 مليون شخص كل عام، وفقًا لتقديرات منظمة الصحة العالمية. وفي الأعوام الأخيرة، حدث شيء ينطوي على نوع من المكر الخفي في بعض المناطق؛ حيث أصبحت الأبحاث العلمية التي تربط بين تلوث الهواء والموت المبكر عرضة للهجوم.

هذه المشكلة أشد وطأة في الولايات المتحدة، حيث تُصمِّم إدارة الرئيس دونالد ترامب على الإلغاء التدريجي لمجموعة من اللوائح التنظيمية والرقابية المتعلقة بالبيئة والصحة العامة. وفي اجتماع عُقِدَ خلال مارس 2019، شهدت اللجنة العلمية التي تقدِّم المشورة إلى وكالة حماية البيئة الأمريكية بشأن معايير نوعية الهواء انقسامًا بين أعضائها حول المدى الذي يؤدي فيه تلوث الهواء بالجسيمات الدقيقة إلى الموت المبكر. وقد ترأَّس هذه اللجنة  توني كوكس، وهو إحصائي واستشاري، عيَّنه ترامب، يتلقى التمويل اللازم لأبحاثه من قطاعي النفط، والغاز، وغيرهما من القطاعات، ولطالما شَكَّك كوكس في الأدلة التي تدعم الربط بين تلوث الهواء بالجسميات الدقيقة والموت المبكر.

وقد أُثيرت شكوك حول الآثار الصحية المترتبة على تلوث الهواء في بلدان أخرى كذلك، من بينها فرنسا، وبولندا، والهند. وفي ألمانيا، وقَّع 140 من اختصاصيي أمراض الرئة بيانًا صدر في يناير 2019، ألقى بظلال من الشك على الآثار الصحية الناجمة عن أكاسيد النيتروجين، وانبعاثات الجسيمات الدقيقة من المَركَبات. وقد أَقَرَّ البيان بالأدلة الوبائية التي تشير إلى أن الأشخاص في المناطق التي ترتفع فيها نِسَب أكاسيد النيتروجين والجسيمات الدقيقة غالبًا ما يُفارِقون الحياة قبل غيرهم مِن المقيمين في مناطق أخرى بفترة وجيزة، لكنه تساءل عما إذا كان التلوث هو السبب وراء ذلك، أَمْ غيره.

وفي إبريل 2019، وضعت الأكاديمية الألمانية الوطنية للعلوم الأمور في نِصابها الصحيح.. فأكاسيد النيتروجين -وبالأخص ثاني أكسيد النيتروجين- تؤدي إلى زيادة معدلات الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي، مثل الربو، كما أنها تسهم في تكوين الجسيمات الدقيقة. وهذه الجسيمات تسهم بدورها في الموت المبكر؛ من خلال زيادة خطر الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي، وأمراض القلب والأوعية الدموية، بالإضافة إلى سرطان الرئة.

تَستنِد هذه النتائج إلى مجموعة من الأدلة، جرى جَمْعها على مدار عقود. ففي عام 1993، أجرى باحثون في كلية هارفارد للصحة العامة في بوسطن بولاية ماساتشوستس دراسة تاريخية؛ لتقييم الآثار المترتبة على التلوث في ست مدن أمريكية (D. W. Dockery et al. N. Engl. J. Med. 329, 1753–1759; 1993). وبعد تثبيت عامل التدخين، وغيره من العوامل المُربِكة المحتمَلة، توصَّل الباحثون إلى أن قاطني المدن ذات الهواء الملوث غالبًا ما تُوفوا قبل نظرائهم المقيمين في المدن ذات الهواء النظيف؛ وهو ما يُعزى -بصفة أساسية- إلى وجود الجسيمات الدقيقة. وإضافة إلى ذلك.. أفادت دراسة أُجريت في عام 2017 على حوالي 61 مليون شخص بوجود ارتباط بين التلوث بالجسيمات الدقيقة والأوزون -حتى بمستويات تقل عن المعايير الأمريكية الحالية- وزيادة معدلات الوفاة (Q. Di et al. N. Engl. J. Med. 376, 2513–2522; 2017).

وكثيرًا ما يحتجّ كوكس وغيره من المتشككين بأن الأدلة الوبائية لا يمكنها أن تُثْبِت أن تلوث الهواء يؤدي إلى الموت المبكر، لكنّ هذا يُعَد تجاهلًا متعمدًا لقوة وأهمية الأدلة المستمَدة من مجموعة واسعة من الدراسات الوبائية عالية الدقة، تتسق مع مصادر أخرى. وقد حدَّد العلماء الآليات التي تؤثر من خلالها الجسيمات الدقيقة على الصحة، مُحلِّلين التأثيرات السُّميَّة والفسيولوجية باستخدام طرق مختبرية، وإجراء دراسات على الفئران والبشر. ولذا.. تعمل دول عديدة على تحسين إجراءات مكافحة التلوث.

لا شك أن اللوائح التنظيمية البيئية التي تهدف إلى الحدّ من تلوث الهواء تفرض تكلفة باهظة على العديد من القطاعات، لكنّ التشكيك في الأدلة لن يحلّ المشكلة. إنّ أكثر من 90% من سكان العالم يعيشون في مناطق تخرق القيود التي تفرضها المبادئ التوجيهية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية بشأن نوعية الهواء. ولذا.. ليس هذا هو وقت تقويض الجهود المبذولة لتنقية الهواء، بل هو وقت تعزيزها.