افتتاحيات

فلنضع الرعاية الصحية الشاملة في قائمة أولوياتنا

ينبغي لزعماء الدول والجهات الدولية المانحة للتبرعات تقديم يد العون؛ لتعزيز النظم الصحية في البلدان الأكثر عرضةً لاندلاع الأوبئة.

  • Published online:

في الوقت الذي يواصل فيه فيروس كورونا «سارس-كوف-2» انتشاره المميت، تعمل منظمة الصحة العالمية (WHO) على لفت انتباه العالم إلى الخطر الذي يشكله الفيروس على الدول الأفقر والأكثر عرضةً لخطره، لا سيما في أفريقيا، وذلك لأسباب وجيهة.

ففي أثناء مثول دورية Nature للطبع، كان قد تأكَّد وقوع أكثر من 43 ألف حالة إصابة بالعدوى، وأكثر من ألف حالة وفاة. وعن قريب، سيعود الآلاف من المواطنين الصينيين إلى وظائفهم في قارة أفريقيا، بعد انتهاء عطلة العام الجديد، التي مَدَّتها الحكومة الصينية. وإذا وصل الفيروس إلى أفريقيا أيضًا، فقد ينتشر سريعًا، دون أن تكتشفه السلطات الصحية، لأنَّ النظم الصحية في مناطق عديدة من القارة ضعيفة للغاية، ولا تملك التمويل الكافي للتعامل مع ذلك الموقف.

ونتيجةً لذلك سارعت منظمة الصحة العالمية بتزويد 14 دولة -من بينها جمهورية الكونغو الديمقراطية، وإثيوبيا، ونيجيريا- بتقنيات التشخيص، والخبرات، والمعدات اللازمة لكشف الفيروس واحتوائه. كما دعت المنظمة إلى توفير 675 مليون دولار أمريكي؛ لمساعدة الدول التي يهددها المرض، وهو مبلغٌ تَعتقِد المنظمة -حسب تقديراتها- أنَّه سينفد بحلول نهاية شهر إبريل القادم.

ومع ذلك.. في الوقت الذي تبدأ فيه الجهات المانحة للتبرعات في توفير المساعدات الطارئة -وفي صدارتها مؤسسة «بيل وميليندا جيتس»، التي تعهدت بتوفير 100 مليون دولار لمواجهة المرض- فمن الصعب ألَّا نشعر بأنَّنا قد مررنا بالموقف ذاته من قبل، إذ كثيرًا ما تُصاحِب تفشي الأمراض المُعدية تعهداتٌ من هذا القبيل؛ لتحسين جهود متابعة انتشارها، ووعودٌ بتمويل جهود تطوير العقاقير واللقاحات، بيد أن ما ينقصنا هو توفير التمويل المستدام للعيادات التي تقدِّم خدمات الطب العام على مستوى المجتمعات المحلية. كما أننا بحاجة إلى تمويل تعليم الطب والتمريض، وإلى الاستثمارات اللازمة لدعم المستشفيات بالإمدادات، والكهرباء، وخدمات المياه.

وهذه كلها خطواتٌ ستساعد الدول على مكافحة الأمراض المُعدية، وتحسين الصحة العامة، حسبما أوضح المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم جيبريسوس، في بيانٍ حث فيه على الاهتمام بهذه الإجراءات في نهاية الشهر الماضي. وجديرٌ بالذكر أنَّه وفقًا لأحدث الإحصائيات الصادرة عن البنك الدولي، فإنَّ نسبة العاملين بالتمريض في سبعٍ من الدول التي ستساعدها منظمة الصحة العالمية تبلغ بالكاد عامل تمريض واحدًا لكل ألف نسمة. ويفتقر أكثر من 50% من سكان القارة السمراء، البالغ عددهم 1.2 مليار نسمة، إلى إمكانية الحصول على خدمات الرعاية الصحية الأولية الأساسية.

ولكي نكون منصفين، فقد بدأ الموقِف الحالي يشهد تحولًا بالفعل. ففي عام 2016، خصَّص كلٌّ من البنك الدولي، والصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا مبلغ 24 مليار دولار لدعم الرعاية الصحية الشاملة في أفريقيا، على مدار فترةٍ تمتد من 3 إلى 5 سنوات. كما يقود رئيس رواندا بول كاجامي حاليًّا فرقة عمل تابعة للاتحاد الأفريقي، لتوفير تغطيةٍ صحية شاملة ملموسة في جميع الدول الأعضاء بالاتحاد، البالغ عددها 55 دولة، وذلك جزئيًّا من خلال الالتزام بإنفاق 5% من الناتج المحلي الإجمالي على الرعاية الصحية.

وفي المناطق التي تتسم فيها الأنظمة الصحية بدرجة معقولة من القوة، ربما تكفي زيادة المساعدات زيادةً مؤقتة؛ بهدف متابعة انتشار الأمراض المُعدية، كما يحدث حاليًّا، لكنْ في البلدان الأفقر، ذات الأنظمة الصحية الأضعف، فسنجد أنَّ حتى أفضل المشروعات ستعاني بمجرد نفاد تلك المنح، وهو ما يتضح جليًّا في حالة مرض الإيبولا.

وبعد انتهاء أكبر تفشٍ للإيبولا شهده العالَم، الذي انتهى في عام 2016، خصصت الجهات المانحة -ومنها الحكومة الأمريكية، والبنك الدولي- أكثر من 100 مليون دولار لتمويل مبادراتٍ تهدف إلى تعزيز الأنظمة الصحية، وأنظمة متابعة انتشار الأمراض، وذلك في البلدان الثلاثة الأكثر تضررًا من ذلك التفشي، وهي ليبيريا، وسيراليون، وغينيا.

ويُلاحَظ أنّ عديدًا من هذه المبادرات في طريقه إلى الانتهاء، وقد بدأت تظهر علامات التدهور على خدمات الرعاية الصحية في تلك الدول. فمنذ الصيف الماضي، اندلعت احتجاجاتٌ في ليبيريا على خلفية انهيار الاقتصاد والنظام الصحي الوطني. وتفيد تقاريرٌ بأنَّ المستشفيات الكبرى تفتقر إلى أدوية الطوارئ، ويقول العاملون في مجال الصحة وفَنِّيُّو المختبرات إنَّهم لم يتقاضوا رواتبهم منذ شهور. هذا.. بالإضافة إلى أنَّ هناك مرضى لم يتمكنوا من الحصول على خدمات العيادات. وهذه المشكلة لا تواجهها ليبيريا فقط، ففي كثيرٍ من البلدان الأفقر، يجني العاملون في النظم الصحية بالكاد ما يكفي من المال لمعيشتهم.

وللجهات المانحة الدولية أسبابٌ تجعلها تعزِف عن توفير تمويلٍ طويل الأجل لدفع رواتب الموظفين الحكوميين. وأحد أكبر مخاوف هذه الجهات يتمثل في أنَّ فعل ذلك يعني انخراطها بشدة في أعمال كياناتٍ حكومية، وهذه الكيانات تكون -في كثير من الأحيان- منظماتٍ معقدة، يصعب التعامل معها. وإضافةً إلى ذلك.. قد يُنظر إلى تلك الجهات المانحة وكأنَّها تُملِي على الحكومات المستقلة ما يجب أن تفعله.

لا شك أنَّ إيجاد حلولٍ لهذه المشكلات لن يكون بالأمر السهل، لكنْ ينبغي للجهات المانحة أن تفكر كيف يمكن لمبادراتها أن تساعد على تعزيز النظم الصحية الوطنية على المدى الطويل؛ فعلى سبيل المثال.. يمكن لتلك الجهات أن تتخذ إجراءاتٍ لضمان استمرار العاملين بقطاع الصحة -الذين يُدرَّبون على التعامل مع المرضى المُشتبَه في إصابتهم بفيروس كورونا- في العمل بالمستشفيات ذاتها لخمس سنوات. وقد لا يبدو ذلك أمرًا ذا أولوية في خضم حالة طوارئ، لكنَّه سيكون مثمرًا للغاية مستقبَلًا.

يُذكِّرنا زَحْف فيروس كورونا من جديد بعدم انتباه زعماء الدول والمؤسسات الخيرية المانحة إلى الأوبئة، إلا عندما تقترب العدوى بشدة من بلادهم، لكنَّهم لا بد أن يدركوا أنَّ التخطيط لمواجهة الأوبئة القادمة ينبغي أن يبدأ من الآن.