رؤية كونية

فيروس كورونا: يجب على المستشفيات التَّعلُّم من الأوبئة الماضية

 ترى ناهد باديليا أنّ علينا استخدام الأساليب التي تعلمناها جيدًا عندما واجهنا حالات تَفَشٍّ سابقة، استعدادًا لما سيستجدّ من هذه الحالات.

  • Published online:

DAVID YELLEN

يختلف عالَمنا الذي يجابه فيروس كورونا الجديد «سارس – كوف – 2» عمّا كان عليه أثناء وبائَي المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة «سارس» SARS، وإنفلونزا الخنازير H1N1. فقد أصبح انتقال المرض نفسه الآن أسرع من أي وقت مضى. وبسرعة مماثلة... نلحظ انتقال المعلومات الصحيحة، بل والمعلومات المُضَلِّلة أيضًا. 

عَمِلْتُ طبيبةً إكلينيكيّةً في غرب أفريقيا أثناء تفشي فيروس إيبولا، وفي مستشفيات مدينة نيويورك خلال فترة انتشار فيروس إنفلونزا الخنازير. وأستعد حاليًّا، في بوسطن في مدينة ماساتشوستس، للتعامُل مع حالات يُحتمل إصابتها بالمرض التنفسي الحادّ الناجم عن فيروس «سارس – كوف – 2». وأجِد أن تحديات كثيرة من تلك التي أواجهها الآن هي نفسها التي واجهتُها في حالات التفشي السابقة.  

ومن الأهمية بمكان معرفة خصائص كل فيروس. ومن الضروري كذلك الإجابة عن سؤال أساسي: ماذا تفعل عندما يلجأ إليك عدد كبير من الأشخاص، آملين في الحصول على الرعاية الطبية على أثر الاشتباه في إصابتهم بعدوى مرض غير مألوف؟ إنّ إجابة هذا السؤال يجب أن تأخذ في الاعتبار ثلاثة قرارات: كيفية التعرُّف سريعًا على الأشخاص المُصابين بالعدوى، وكيفية عزلهم وتوفير الرعاية لهم، وكيفية الحفاظ على سلامة العاملين في مجال الرعاية الصحية. 

ومع تفشي هذا الوباء، هناك اتجاهان سيعززان صعوبة تحديد الأشخاص المصابين بفيروس «سارس – كوف – 2»، وذلك في الوقت الذي يجري فيه التعامل مع المصابين بأعراض مشابهة في منتصف موسم الإنفلونزا الحالي. فأولًا، عَلَّمنا تفشي فيروس «إيبولا» في عامي 2013، و2016 أهمية فحص سجلات سفر الأشخاص، بيد أن تَزايُد أعداد الدول التي تُبلِغ عن حالات إصابة بـ«سارس – كوف – 2» سيصعِّب توجيه العاملين في المستشفيات إلى الأماكن التي يجب عليهم أن يستفسروا عن قدوم الأشخاص منها. كذلك سيتوجب على المستشفيات تصميم استراتيجيات تُبْقِي العاملين فيها على دراية بالخريطة المتغيرة لانتشار المرض.  

ثانيًا، حسبما تَجَلَّى بوضوح في وباء فيروس إنفلونزا الخنازير، فإنّ الأشخاص الذين لا يملكون تاريخ سفر ذا صلة بالمرض ستَعُجّ بهم أقسام الطوارئ وغيرها من مرافق الرعاية. وسيتعيَّن على المستشفيات وهيئات الصحة العامة المحلية تشجيع الأشخاص المُرَجَّح إصابتهم بفيروس «سارس – كوف – 2» على الخضوع للتَّشخيص سريعًا، وذلك في الوقت الذي تثني فيه المصابين بعدوى أقل خطورة عن طلب الرعاية الطبية الطارئة. وتتولى هيئات الصحة العامة جزءًا كبيرًا من عملية التَّوعية هذه. أما المستشفيات، فيجب عليها تعزيز التَّواصل بين العيادات، والمرضى الذين يقصدونها. 

تشير البيانات الحالية إلى أنه يمكن للأشخاص المصابين نقل هذا المرض الجديد، قبل ظهور الأعراض عليهم (C. Rothe et al. N. Engl. J. Med. http://doi.org/ggjvr8; 2020) ويجب على المستشفيات -بجانب التعرّف سريعًا على الحالات التي سبق لها السفر إلى بؤر المرض- تعزيز تدابير مكافحة العدوى، التي تُطَبَّق عند إصابة أي شخص بأعراض تنفسية، مثل التَّشديد على عادات نظافة اليدين، واستخدام الأقنعة الواقية، والحرص على تطهير الأماكن المزدحمة بصورة دورية، وإيجاد مساحاتٍ يُمكِن فيها عزل المرضى الذين ظهرت عليهم الأعراض؛ وتقديم الرعاية لهم. 

ما زال يجري نقل غالبية العيّنات إلى المختبرات المرجعية، في حين أنه من الضروري إجراء الاختبارات في مكان أقرب إلى سرير المريض، من أجل تحديد الأشخاص المصابين بفيروس »سارس – كوف – 2«، وفَصْلهم -على وجه السرعة- عن الآخرين الذين يعانون أعراضًا مماثِلة. كذلك فإن البلدان التي تَأَكَّد فيها وجود حالات إصابة بالمرض تُشارِك غيرها التسلسلات الجينية للفيروس، وهذا يُسَهِّل من عملية تطوير الاختبارات. 

ويجب أن تحسِم مستشفيات عديدة في البلدان الأكثر ثراءً قراراتها بشأن ما إذا كان ينبغي لها تقديم الرعاية للحالات المصابة بالمرض في وحدات احتواء بيولوجي متخصصة، جرى إنشاؤها لرعاية الأشخاص المُصابين بمرض فيروس إيبولا، أَمْ في غرف مخصَّصة لأولئك المصابين بأمراض أخرى تنتقل عبر الهواء، مثل الدرن، والحصبة. إنّ الحاجة إلى هذين النوعين قد تفوق الإمدادات المتاحة منهما قريبًا، إذا انتشر الوباء. ولذلك.. بوسع المستشفيات وضع خطة تدريجية؛ بحيث يكون جانب منها للتعامل مع عدد قليل من المرضى، ويكون جانب آخَر مخصَّصًا لوقت تقلّ فيه الأَسِرّة المتاحة في أقسام الرعاية المُرَكَّزة، نتيجةَ الأعداد الكبيرة من المرضى. وقد تحتاج المستشفيات إلى التعاون مع المَرافِق المجاوِرة؛ لضمان حصول كل شخص يحتاج إلى رعاية مركزة على هذه الرعاية.  

تواجِه المستشفيات معضلة أخرى، تتمثل في تحديد نوع معدّات الوقاية الشخصية (PPE) التي ينبغي على العاملين في مجال الرعاية الصحية استخدامها؛ لوقاية أنفسهم من الإصابة بالعدوى. وفي هذا الصدد.. تُفيد مراكز مكافحة الأمراض، ومنظمة الصحة العالمية بأنه يمكن للعاملين تجنُّب ملامسة سوائل الجسم، والسطوح الملوثة، وجسيمات الفيروسات المتطايرة في الهواء نتيجةَ العطس والسعال باستخدام مجموعة من المعدات، تتمثل في: القفازات، والمآزِر، أو الأردية، سواء جاءت مرفَقةً بأجهزة تنفًّس مُنَقِّية للهواء، أَمْ بأقنعة الوجه المعتمدة المُرَشِّحة للجسيمات.  

وخلافًا للاعتقاد الشائع، فإن الخيار الذي يحقق حماية أكبر ليس دائمًا مأمون العواقب، فالعاملون في الرعاية الصحية من غير المدرَّبين على استخدام معدات الوقاية الشخصية المعقدة هم الأكثر عُرضة لاستخدام هذه المعدات بطريقة غير صحيحة؛ مما يجعلهم أكثر عرضة للإصابة بالعدوى . وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أنه أثناء تفشي وباء «سارس»، كان أكثر وقت يصبح فيه العاملون عرضة لخطر الإصابة بالعدوى هو أثناء ارتداء هذه المعدّات، وأثناء خلعها. من هنا، ستحتاج المستشفيات أيضًا إلى تدريب الموظفين بصفة مستمرة على استخدام هذه المعدات، فضلًا عن حاجتها إلى توفير الإمدادات منها بصفة متكررة. وإضافة إلى ذلك.. يمكن أن تؤثر معدات الوقاية الشخصية المُقيِّدة للحركة على جودة الرعاية التي يتلقّاها المرضى. وربما يكون الحصول على معدات الوقاية الشخصية غير الشائعة بكميات كبيرة صعبًا. وإذا اقتضت التغييرات في هذه الإمدادات أن يُغَيِّر العاملون مُعِدّاتهم في منتصف فترة تفشي الوباء (مثل ما تعرضْتُ له في غرب أفريقيا)، فإن هذا يؤدي إلى زيادة الارتباك. وفي نهاية المطاف، ما يصلح لكل مرفق يختلف باختلاف الموارد، والوضع. 

وسيتحتّم على المستشفيات أيضًا التعامُل مع الأمراض التي تصيب طاقم الرعاية الصحية؛ فبتعرُّض المزيد من العاملين للإصابة بالمرض، ستواجه المستشفيات والعيادات صعوبة أكبر في التَّعامل مع التفشي. وإذا أتى العاملون في مجال الرعاية الصحية إلى مقر العمل وهم مصابون بالمرض –وما شهدناه في مدينة نيويورك خلال تفشي وباء فيروس إنفلونزا الخنازير أظهر أن ما يصل إلى 60% من الأطباء الإكلينيكيين تعرَّضوا لذلك فعلًا (N. Bhadelia et al. Infect. Control Hosp. Epidemiol. 34, 825–831; 2013)– فبإمكانهم أن ينقلوا المرض إلى مرضى، وإلى زملائهم. وتحتاج المستشفيات أيضًا إلى وضع خطط توظيف؛ للتعامل مع نقص العاملين.

 أمّا عن وجه الارتباط بين هذه المجموعات الثلاثمن القرارات،فهو أن المعرفة العلمية حول مرضٍ ما تتغير، وأن هذه المعرفة–في أفضل الأحوال- عادةً ما تزداد مع تطور وباء جديد. وليس لدينا إلا القليل من الإرشادات حول كيفية صياغة السياسات والإجراءات أثناء التعامل مع حالة الارتباك الناتجة عن فيروس جديد. وعندما ينحسر هذا التَّفشي، سيتحتّم علينا التركيز على تلك الإرشادات؛ لمراجعتها وتنقيحها.

ناهد باديليا أستاذ مُساعِد متخصص في الأمراض المُعدية، ومدير طبي لوحدة العوامل المُمْرِضة الخاصة في كلية طب جامعة بوسطن بولاية ماساتشوستس.

البريد الإلكتروني: nbhadeli@bu.edu