أخبار

السيناريوهات المحتمَلة لتفشي كوفيد-19

رغم أنَّ عديدًا من سمات الفيروس ما زال مجهولًا، يدرس العلماء السيناريوهات المستقبلية الأفضل والأسوأ لتفشيه حول العالم.

دياني لويس

  • Published online:
عُمّال يطهِّرون مناطق من مدينة تشينجداو في الصين، كجزءٍ من إجراءات مكافحة الفيروس.

عُمّال يطهِّرون مناطق من مدينة تشينجداو في الصين، كجزءٍ من إجراءات مكافحة الفيروس.

YU FANGPING/UTUKU/ROPI/ZUMA/EYEVINE

بينما تُسابِق السلطات الصحية حول العالم الزمنَ لوقف انتشار فيروس جديد نشأ في مدينة ووهان الصينية خلال شهر ديسمبر الماضي، يدرس العلماء السيناريوهات التالية المحتمَلة في ذلك الصدد، وإلى أيّ مدى يمكن أن يصل تفشي الفيروس. فأثناء مثول دورية Nature للطبع، كان أكثر من 20 ألف شخصٍ قد أصيبوا بالفيروس، الذي يُعَد واحدًا من فيروسات «كورونا»، ويسبب مرضًا في الجهاز التنفسي. وبالإضافة إلى ذلك.. بلغ عدد الوفيات من جرّاء الفيروس 426 شخصًا، ويزداد هذا العدد يوميًّا. ورغم أنَّ بعض التفاصيل الحاسمة بشأن الفيروس وكيفية انتشاره ما زال مجهولًا، يدرس العلماء هذه السيناريوهات المحتمَلة؛ الأفضل والأسوأ، استنادًا إلى الأوبئة السابقة، وما أصبحوا يَعْلَمُونه بالفعل عن هذا الوباء.

كم من البشر سيُصابون بالعدوى؟

وضعت السلطات الصينية المدن التي تُعَد مركزًا للوباء تحت الحجر الصحي، وسارع الباحثون بمشاركة البيانات عن الفيروس مع منظمة الصحة العالمية (WHO) والعلماء الآخرين، لكنَّ أعداد الحالات آخِذة في الزيادة. ووفقًا لأحد التوقعات، قد يصيب الفيروس حوالي 46 ألف شخصٍ من بين الثلاثين مليونًا الذين يعيشون داخل مدينة ووهان، وحولها (انظر: go.nature.com/31m9fzz). وعن ذلك.. يقول بِن كاولنج -عالِم الأوبئة بجامعة هونج كونج- إنَّ الفيروس سيصيب عددًا أقل من ذلك في سيناريو أفضل الأحوال، إذ ستبدأ إجراءات مكافحة تفشيه في تحقيق آثارها، لكنَّ الوقت ما زال مبكرًا للغاية على الجزم بفاعلية جهود وضْع سكان المنطقة تحت الحجر الصحي، واستخدام أقنعة الوجه على نطاقٍ واسع. وحسب ما أدلى به كاولنج، فإنَّ فترة حضانة الفيروس -التي تصل إلى 14 يومًا- تعني أنَّ انتشاره ربما يكون قد سبق بدء تنفيذ معظم إجراءات المكافحة.

 وحسب نموذجٍ آخر يتوقع أسوأ سيناريوهات تفشي الفيروس، فقد يبلغ عدد المصابين في مدينة ووهان حوالي 190 ألف شخص (J. M. Read et al. Preprint at medRxiv http://doi.org/dkzb; 2020 ). ويشعر العلماء بالقلق -على وجه الخصوص- إزاء ظهور حالات تفشٍ جديدة خارج الصين، فقد انتشر الفيروس بالفعل في مجموعاتٍ صغيرة محلية بفييتنام، واليابان، وألمانيا، والولايات المتحدة، غير أنَّ السلطات في هذه الدول سارعت بعزل المصابين. وقد سُجِّلَت أكثر من 150 حالة إصابة بالفيروس خارج الصين منذ الثالث من فبراير، من بينها حالة وفاة واحدة في الفلبين.

هل سيستمر الفيروس في الانتشار؟

تُعَد الفيروسات مستوطنةً عندما تنتشر باستمرار بين سكان مجتمعٍ ما. فعلى سبيل المثال.. تستوطن الفيروسات المسبِّبة لمرضَي الجدري المائي، والإنفلونزا عديدًا من الدول. وإذا فشلت جهود احتواء مرض فيروس كورونا 19  (المعروف اختصارًا بـ«كوفيد-19» CoVID-19)، وأمكن له الانتقال من أشخاصٍ مصابين لا تظهر عليهم أي أعراض، ستزداد صعوبة الحدّ من انتشاره، وهو ما يزيد احتمالية تَحوُّله إلى فيروسٍ مستوطِن.

وكما هو الحال مع الإنفلونزا، قد يعني ذلك وقوع وفياتٍ كل عام مع انتشار الفيروس بين البشر، إلى أنْ يُطوَّر لقاحٌ مضاد له، لكنْ إذا كانت إجراءات المكافحة فعالةً، وتباطأ انتقال الفيروس، بحيث أصبح كل مصابٍ لا ينقل العدوى سوى إلى شخصٍ واحد فقط، يمكن حينها -ببساطة- لتفشي الوباء أن يتوقف تدريجيًّا، حسبما أوضح كاولنج.

وقد اكتُشفت بالفعل عدة حالاتٍ لأشخاصٍ مصابين، لا تظهر عليهم أيّ أعراض، لكنْ لم يتضح بعد مدى شيوع مثل تلك الحالات عديمة الأعراض، أو غيرها من الحالات ذات الأعراض الطفيفة، وما إذا كانت هذه الحالات مُعْدِيةً، أم لا، ومدى قدرتها على نشر العدوى. وهذه الحالات عديمة الأعراض تُميِّز الفيروس الجديد عن فيروس كورونا الآخَر المُسبِّب لمرض المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة، المعروف باسم «سارس» SARS، إذ تفشَّى فيروس «سارس» حول العالَم في عامي 2002، و2003، لكنَّه انتشر فقط عندما مرِض المصابون بالقدر الكافي الذي تتطلب معه الرعايةُ الطبية. وقد نجحت جهود احتوائه في نهاية المطاف. ولا توجد أدلةٌ على استمراره في التفشي بين البشر، حسبما أوضح إيان ماكاي، عالِم الفيروسات بجامعة كوينزلاند في مدينة بريزبِن بأستراليا.

هل من المحتمَل أن يتحوَّر الفيروس؟

تَسبَّب الفيروس حتى الآن في مرضٍ حادّ، وحالات وفاة بين كبار السن بشكل واضح، وخاصةً هؤلاء الذين كانوا يعانون بالفعل من مشكلاتٍ صحية. ويتخوف بعض الباحثين من احتمال أن يتحوّر مسبِّب المرض، بحيث يصبح قادرًا على الانتشار بفاعليةٍ أكبر، أو تزداد احتمالية إمراضه لمَن هم أصغر عمرًا.

يقول كريستيان أندرسن -الباحث في الأمراض المعدية بمركز سكريبس في لا هويا بكاليفورنيا- إنَّ هذا  مستبعَد. وأوضح أنَّ الفيروسات تتحور باستمرار، لكنَّ تلك الطفرات لا تعزِّز عادةً قدرة الفيروس على الإمراض، أو تزيد من حدة المرض الذي يسببه للمصابين. فمعظم الطفرات إمّا يضرّ الفيروس نفسه، أو يكون عديم التأثير. وحسبما وجدت دراسةٌ أجريت خلال عام 2018 على الفيروس المسبِّب لمتلازمة «سارس» في خلايا الرئيسيات، هناك طفرةٌ حدثت في الفيروس أثناء تفشيه في عام 2003، ربما تكون قد حَدَّت من قدرته على الإمراض (D. Muth et al. Sci. Rep. 8, 15177; 2018).

وقد شارك الباحثون عشراتٍ من التسلسلات الجينية لسلالاتٍ من فيروس كورونا الجديد، الذي أُطلق عليه اسم «سارس-كوف-2» SARS-CoV-2. وحسب ما قاله ماكاي، فإنَّ استمرار توفير المعلومات عن تلك التسلسلات سيكشف التغيرات الجينية التي تطرأ على الفيروس مع زيادة تفشيه.

كم عدد ضحايا الفيروس المحتمَلين؟

يصعب في خضم تفشي المرض حساب معدل وفيات الفيروس من بين هؤلاء المصابين بالعدوى، لأنَّ السجلات تُحَدَّث باستمرار أثناء تفشي المرض. ومع وقوع حوالي 400 حالة وفاة حتى الآن من بين أكثر من 20 ألف حالة إصابة بالعدوى، فإنَّ معدل وفيات فيروس كورونا الجديد يبلغ 2-3%. وبهذا.. يقل معدل وفياته بكثير عن معدل وفيات فيروس «سارس»، الذي قضى على نسبةٍ قدرها 10% من المصابين. هذا.. بالإضافة إلى أنَّ معدل الوفيات المعروف لفيروس كورونا الجديد سوف ينخفض -على الأرجح- مع اكتشاف حالاتٍ عديمة الأعراض، أو ذات أعراضٍ طفيفة، حسبما أوضح مارك هاريس، عالِم الفيروسات بجامعة ليدز في المملكة المتحدة.

سيَعتمِد عدد الضحايا كذلك على كيفية تعاُمل النظم الصحية في الصين مع عدد الحالات. فتوفير المحاليل الوريدية، وأجهزة التنفس الصناعي للمرضى يمكن أن يَضْمَنا حصولهم على الأكسجين والسوائل الكافية، بينما تقاوِم أجهزتهم المناعية الفيروس. ويقول سانجايا سينانايك -المتخصص في الأمراض المُعْدية بالجامعة الوطنية الأسترالية في مدينة كانبيرا- إنّه إذا انتقل الفيروس إلى مناطق تعاني شح الموارد، كبعض مناطق أفريقيا، على سبيل المثال، فقد تواجه النظم الصحية هناك صعوبة في مكافحته.

ومن الجدير بالذكر أنه في الثلاثين من يناير الماضي، أعلنت منظمة الصحة العالمية أنَّ تفشي الفيروس "حالة طوارئ صحية تثير قلقًا دوليًّا". وفي ذلك الصدد، قال تيدروس أدهانوم جيبريسوس -المدير العام لمنظمة الصحة العالمية- إنَّ ما يثير قلقه -في الأساس- هو إمكانية تفشي الوباء إلى دولٍ ذات أنظمة صحية ضعيفة.

ولا توجد حتى الآن عقاقير فعّالة مضادة لفيروس كورونا الجديد، لكنْ يجري حاليًّا اختبار فاعلية عقارين مضادَّين لفيروس نقص المناعة البشرية (HIV)؛ لاستخدامهما في علاجه، وتعمل عدة مجموعات بحثية على تطوير لقاحٍ مضاد له.

ويقول آدم كامراتسكوت -المتخصص في الأمن الصحي العالمي بجامعة سيدني في أستراليا- إنَّ معدل وفيات الفيروس الحالي، البالغ ما بين 2-3%، يُعَد مرتفعًا بالنسبة إلى الأمراض المعدية، رغم أنَّه يقل كثيرًا عن معدل وفيات فيروس «سارس». فعلى سبيل المثال.. أصابت جائحة الإنفلونزا في عام 1918 ما يقرب من نصف مليار شخص، أي ما يمثل ثلث تعداد سكان العالَم في ذلك الوقت، وقتلت أكثر من 2.5% من المصابين بالعدوى، إذ قَدَّر البعض أنّ حوالي 50 مليون شخص قد لقوا حتفهم مِن جرّاء الإصابة بها، لكنَّ كامرات سكوت أوضح أنَّ فيروس كورونا الجديد لن يؤدي -على الأرجح- إلى مثل ذلك السيناريو المروّع، لأنَّه لا يصيب أو يقتل في العادة صغار السن من الأصحاء.