أخبار

ما يريد العلماء معرفته عن تفشي فيروس كورونا

الباحثون يضعون تسلسل جينوم مسبب المرض المميت، ويسارعون الآن إلى اكتشاف كيفية انتشاره، ومدى قدرته على الفتك.

إيون كالاوي، وديفيد كيرانوسكي 
  • Published online:
المسعِفون الطبيُّون ينقلون رَجُلًا يُعتقَد أنه أول شخص في هونج كونج يُصاب بفيروس كورونا الجديد.

المسعِفون الطبيُّون ينقلون رَجُلًا يُعتقَد أنه أول شخص في هونج كونج يُصاب بفيروس كورونا الجديد.

SLAM YIK FEI/NYT/REDUX/EYEVINE

يتهافت العالَم كله على معرفة المزيد من المعلومات عن تفشي عدوى فيروسية جديدة، اكتُشفت أول ما اكتُشفت في مدينة ووهان الصينية خلال الشهر الماضي، وتُسَبِّب هلعًا متزايدًا في جميع أنحاء العالم.

وفي أثناء مثول دورية Nature للطبع، كان المسؤولون الصينيون قد أكّدوا إصابة ما يزيد على 4500 شخص بالفيروس، الذي يسبب مرضًا تنفسيًّا، ووفاة 100 شخص بسبب الفيروس، كما تَأَكَّد ما يقرب من 50 حالة إصابة في بلدان أخرى في آسيا، والولايات المتحدة، وأوروبا.

يخشى الباحثون أوجه التشابه مع وباء المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة «سارس» SARS، الذي تفشى في عامَي 2002-2003، والذي ظهر في جنوب الصين، وأودى بحياة 774 شخصًا في 37 دولة، إذ ينتمي الفيروسان إلى فصيلة فيروسات كبيرة، يُطلَق عليها فيروسات كورونا، التي تشمل أيضًا الفيروسات المسبِّبة لنزلات البرد.

هذا.. وقد اتخذت الصين إجراءات غير مسبوقة؛ في محاولةٍ لاحتواء تفشي الفيروس؛ مِن ضِمْنها وَضْع مدينة ووهان والمدن المجاورة تحت الحجر الصحي، لتقييد الانتقال منها وإليها. ولم تعلِن منظمة الصحة العالمية (WHO) حتى الآن أن الفيروس يشكل حالة طوارئ متعلقة بالصحة العامة، ومثار قلق دولي (وهي أعلى مستويات القلق لدى المنظمة)، وذلك عقب التقاء المسؤولين خلال الأسبوع الماضي، غير أن هذا قد يتغير.

جمعت دورية Nature الأسئلة التي يتقصاها العلماء لفَهْم الفيروس، وهي:

كيف ينتشر الفيروس؟

هذا هو السؤال الأكثر إلحاحًا فيما يتعلق بتفشي هذا الفيروس، إذ أكدت السُّلطات الصينية انتقال الفيروس من شخص إلى آخَر عقب اكتشاف زيادة أعداد الحالات المصابة بين أفراد العائلة الواحدة، وكذلك انتقاله من المرضى إلى عمّال الرعاية الصحية. ومن شأن رصْد معدل ظهور الحالات الجديدة، وتوقيت بدء أعراض كل حالة أن يكشفا مدى سهولة انتقال الفيروس بين البشر، ومدى احتمالية استمرار التفشي.

مِن بين الأرقام التي يرغب متخصصو علم الأوبئة في التوصل إليها هو عدد الأشخاص الذي يمكن أن يُعْدِيهم شخصٌ مصاب بالفيروس، المعروف بعدد التكاثر الأساسي (R0). وإذا زاد هذا العدد عن 1، فهذا يعني أنه لا بد من اتخاذ إجراءات مضادة، مثل الحجر الصحي؛ لاحتواء انتشار الفيروس. وكانت منظمة الصحة العالمية قد نشرت خلال الأسبوع الماضي تقديرًا لعدد التكاثر الأساسي، بلغ 1.4-2.5، في حين أن فِرقًا بحثية أخرى قَدّرَتْه بقِيَم أعلى قليلًا1،2. تُمَاثِل هذه القيم تقديرات عدد التكاثر الأساسي لفيروس «سارس» خلال المراحل الأولى من تفشيه في عامَي 2002-2003، وكذلك تقديرات عدد التكاثر الأساسي للسلالة الجديدة للإنفلونزا «H1N1»، التي سببت جائحة في عام 2009، على أنّ هذه التقديرات تفوق قِيَم عدد التكاثر الأساسي المُقَدَّرة خلال تفشي فيروس متلازمة الشرق الأوسط التنفسية MERS، وهو أحد فيروسات كورونا المشابهة لفيروس «سارس».

وصرّح مارك وولهاوس -وهو عالِم أوبئة في جامعة إدنبره البريطانية- قائلًا: "يقع عدد التكاثر الأساسي للفيروس الآن في النطاق نفسه لهذه الأوبئة البارزة الأخرى، ما يشير إلى احتمالية تَسَبُّبه في مخاوف للصحة العامة بالحجم نفسه، ما لم يمكن تداركه".

وغير أن الباحثون يحذِّرون مِنْ أنّ تقديرات عدد التكاثر الأساسي عادةً ما تكتنفها شكوك كبيرة، بسبب الفجوات في البيانات والافتراضات المستخدَمة في حساب هذا الرقم. كما يشيرون أيضًا إلى أن هذا العدد متغير، وأن تقديراته تتغير خلال فترة التفشي عند تطبيق إجراءات احتواء الفيروس. ولسوف تترقب السلطات والباحثون المعنيون بالصحة في الأيام المقبلة أيّ أمارات قد تشير إلى انخفاض هذا العدد هناك، على إثر الإجراءات المُتخَذة لكبح انتشار الفيروس، مثل فرض القيود على التنقل في ووهان والمدن الصينية الأخرى.

وَضْع مدينة ووهان الصينية تحت الحجر الصحي في الوقت الحالي، في محاولةٍ لاحتواء تفشِّي فيروس كورونا.

وَضْع مدينة ووهان الصينية تحت الحجر الصحي في الوقت الحالي، في محاولةٍ لاحتواء تفشِّي فيروس كورونا.

HECTOR RETAMAL/AFP/GETTY

هل يمكن للمصابين نشْر الفيروس، دون أن تظهر عليهم أيّ أعراض؟

من بين الأسئلة المهمة الأخرى التي لم تجد إجابة حتى الآن: هل يمكن للأشخاص الذين لم تظهر عليهم الأعراض أن ينقلوا العدوى إلى الآخرين، وما مدى انتشار ذلك؟ تشير دراسة3 أجريت على مجموعة تتكون من ستة مصابين في أسرة واحدة في مدينة شنجن الصينية إلى إصابة طفل بالفيروس، دون أن تظهر عليه أيّ أعراض. ويقول الباحثون إنه إذا كانت مثل هذه الحالات المصابة غير المصحوبة بأعراض هي حالات شائعة، ثم سنحت لتلك الحالات الفرصة لنشر الفيروس، فإنّ احتواء تفشيه سيكون أشد ضراوة. فمِنْ بين العوامل الأساسية التي أسهمت في احتواء فيروس «سارس»: قِلّة الحالات المصابة غير المصحوبة بأعراض.

وفي بيان صدر عن مركز إعلام العلوم البريطاني، صرّح جوناثان بول -عالِم الفيروسات بجامعة نوتنجهام البريطانية- قائلًا: "يظل تحديد حجم انتقال العدوى من الحالات المصابة غير المصحوبة بأعراضٍ أمرًا مهمًّا، فإذا كان ذلك نادرًا، فإنّ أثره يُفترَض أن يكون محدودًا بالنسبة إلى عملية تفشي الفيروس ككل، لكنْ إذا كانت طريقة العدوى هذه تسهم بشكل كبير في انتشار الفيروس، فعندئذ تزداد صعوبة التحكم فيه".

أشارت شيلا بيرد -عالمة الإحصاءات البيولوجية بجامعة كامبريدج البريطانية- إلى أن دراسة انتشار الفيروس داخل الأُسْرة الواحدة في الصين تمثل إحدى طرق تحديد ما إذا كان الأشخاص المصابون بدون أعراض ينشرون الفيروس، أم لا؟ فمِنْ شأن مراقبة جميع أفراد الأسرة الواحدة، التي تضم شخصًا مصابًا، أنْ تحدد مَن يصاب بالعدوى، وكيف يحدث ذلك. وتضيف بيرد قائلة إنّ هذه الدراسات مِن المفترَض أن تساعد على تحديد سبل إيقاف انتشار الفيروس في الأُسْرة الواحدة.

وصرّحت راينا ماكينتاير -عالمة الأوبئة بجامعة نيو ساوث ويلز في مدينة سيدني الأسترالية- قائلة إنه برغم أنّ ارتفاع عدد الحالات غالبًا ما يعكس زيادة في اختبارات الفيروس واكتشافه، يظل ارتفاع حالات الإصابة على هذا النحو الهائل مقلقًا. وتضيف قائلة إنّ "المشهد شديد التأجج والنشاط، وسيظل مقلقًا إلى حين ظهور أمارات على انخفاض عدد الحالات المصابة"، غير أنها تشير أيضًا إلى أن الباحثين يجدون صعوبة في نمذجة التفشي بدقة، وفي التنبؤ بما قد يتمخض عنه، وذلك لأنّ بيانات تقرير حالات الإصابة الذي تصدره السلطات الصينية غير مكتملة. وتُتَابِع بقولها: "إنّ ما نريد معرفته هو وقت إصابة الحالات بالفيروس، وليس وقت الإبلاغ عن الحالات. وما لدينا من بيانات حتى الآن يتعلق جميعها بتوقيت الإبلاغ عن الحالات".

موظفو الصحة العامة يقيسون درجة حرارة أجسام الوافدين من الصين في مطار بانكوك.

موظفو الصحة العامة يقيسون درجة حرارة أجسام الوافدين من الصين في مطار بانكوك.

VICHAN POTI/PACIFIC PRESS/ZUMA WIRE

ما مدى ضراوة الفيروس؟

أثار ارتفاع معدلات الإصابة بالالتهاب الرئوي بين أوائل المصابين بالفيروس مخاوفَ الباحثين بأنّ فيروس ووهان شديد الفتك، غير أن هذه المخاوف تقلصت قليلًا بعد ظهور حالات معتدلة. وبالنظر إلى أنّ الفيروس قد أودى بحياة 100 شخص من بين 4500 حالة مصابة، يبدو أنه أقل فتكًا من فيروس «سارس»، الذي أودى بحياة 10% من الحالات المصابة، لكنّ نيل فيرجسون -عالِم النمذجة الرياضية للأوبئة بالكلية الملكية في لندن- يرى أنه "من السابق لأوانه أنْ نكون متفائلين بشأن مدى ضراوة الفيروس".

مِنْ أين جاء الفيروس؟

تتخذ السلطات إجراءاتها وفقًا لافتراض أن الفيروس نشأ في حيوان أو حيوانات لم تُحدَّد هويتها بعد، وأنه انتقل إلى البشر في سوق للحيوانات والمأكولات البحرية في ووهان، وهو مغلق الآن. ويرى الباحثون أن التعرف على الحيوانِ مَصْدَرِ الفيروس قد يساعد المسؤولين في السيطرة على التفشي الفيروسي الحالي، وتحديد حجم المخاطر، وربما منْع ظهور أوبئة مستقبَلًا.

يشير التسلسل الجيني إلى أن فيروس ووهان ينتمي إلى عائلة فيروسات كورونا المنتشِرة في الخفافيش، بما فيها فيروس «سارس» وأقاربه من العائلة نفسها، لكنْ يمكن أن تنقل الثدييات الأخرى هذه الفيروسات، إذ يُحتمل انتقال فيروس «سارس» إلى البشر عن طريق قطط الزباد.

يُذْكَر أن السوق المعنِيّ في ووهان تُبَاع فيه حيوانات برية أيضًا. وفي دراسة4 مثيرة للجدل، نُشرت في الأسبوع الماضي، أشار فريق من باحثين في الصين كانوا قد أجروا تحليلًا جينيًّا إلى أنّ الفيروس انتقل إلى البشر من الثعابين، لكنْ شَكّك باحثون آخرون في هذه الدراسة، معلِّلين ذلك بأنه لا يوجد دليل على أن الفيروسات المُسَبِّبَة لهذا التفشي قد تصيب أنواعًا أخرى غير الثدييات والطيور. وفي هذا الصدد.. صرّح ديفيد روبرتسون -عالِم الفيروسات بجامعة جلاسكو البريطانية- قائلًا: "لا توجد أدلة على أن الثعابين هي مصدر هذا الفيروس".

يرى الكثير من الباحثين أنه لن يُمْكِن التعرف على مضيف أو مضيفات الفيروس، دون إجراء المزيد من العمل الميداني والمختبري. ويأمل الكثيرون أن تتوصل الاختبارات الجينية التي أُجريت على الحيوانات أو المصادر البيئية إلى مفاتيح لحل هذه المعضلة.

وترى سوي جيا -عالمة الفيروسات في معهد باستور في شانجهاي، وواحدة من أعضاء الفريق الذي اكتشف الفيروسات المرتبطة بـ«سارس» في خفافيش تعيش في كهف يُوجَد في مقاطعة يونان في جنوب غرب الصين في عام 2017- أن أحد الثدييات هو -على الأرجح- مصدر هذا الفيروس، إذ ينتمي فيروس «سارس» والفيروس الجديد إلى مجموعة فرعية تُعرَف باسم «فيروسات كورونا بيتا». وتقول سوي إنّ العمل الميداني في أعقاب تفشي فيروس «سارس» لم يعثر على هذه الفيروسات، إلا في الثدييات.

ما الذي يمكن أن نستفيده من التسلسل الجيني للفيروس؟

يقدِّم التسلسل الجيني لفيروس كورونا، الذي ظهر في ووهان، بعض الدلائل على أصول الفيروس، وانتشاره. فقد أَجْرَت مختبرات في الصين وتايلاند تسلسُلًا لجينومات أكثر من 20 سلالة وُجدت في المصابين، وأتاحت هذه البيانات للجمهور. وعن هذا.. يقول تريفور بيدفورد، عالِم الوراثة التطورية بمركز فريد هاتشينسون لبحوث السرطان في مدينة سياتل بولاية واشنطن، الذي يحلل التسلسلات الجينية فور توفُّرها: "هذا أمر رائع، فهناك تميُّز، وسرعة في مشاركة البيانات".

يستخدم بيدفورد، وغيره من علماء الوراثة، البيانات؛ ليحددوا موعد ظهور الفيروس. وتشير التقديرات الحالية إلى ظهوره في نوفمبر 2019. ويضيف بيدفورد قائلًا إنّ التسلسلات الجينية للفيروسات قد تستطيع كَشْف أيّ تغيرات جينية ربما ساعدت الفيروس على الانتقال من الحيوانات إلى البشر. وإذا كان معدَّل انتقال العدوى بين البشر كبيرًا؛ فسيبحث بيدفورد وعلماء الوراثة الآخرون عن علامات على اكتساب الفيروس لطفرات إضافية تساعده على الانتشار بفعالية أكبر بين البشر.

وينوِّه بيدفورد إلى أنّ أيّ استنتاجات ستكون مبدئية، نظرًا إلى قِلّة البيانات المتوفرة. ويضيف قائلًا: "إنّ إضافة بعض العينات الرئيسة يمكن أن تغيِّر المشهد تمامًا".

هل يمكن تطوير عقار لعلاج فيروس كورونا؟

لم تثبت فعالية أيّ عقاقير في علاج فيروس «سارس»، أو عدوى فيروسات كورونا الأخرى في البشر، كما لم تُرخَّص أيّ لقاحات تستهدِف الوقاية من هذه العدوى.

ويعكف فريقٌ في المركز الوطني للبحوث الهندسية للعقاقير الناشئة في العاصمة الصينية بكين على العثور على علاجات يمكنها أن تثبط المُستقبِل الموجود في الخلايا البشرية، الذي يلتصق به الفيروس، ويستخدمه في إصابة الخلايا. وقد توصلت دراسة مقارنة للتسلسلين الجينيين لفيروس «سارس» والفيروس الجديد -نُشرت في السادس عشر من يناير الماضي- إلى أن الفيروسَين يرتبطان -على الأرجح- بالمُستقبِل نفسه. ويأمل الفريق في إحياء جهود تطوير علاجات لفيروس «سارس»، وتطويعها؛ في محاولةٍ لتطوير عقار قد يقاوِم فيروس كورونا الجديد.

ويأمل باحث آخر، يعكف منذ فترة طويلة على تطوير عقاقير لفيروسات كورونا، منذ تفشِّي فيروس «سارس»، أنْ يَختبِر العقاقير المحتمَلة النجاح على نماذج حيوانية مصابة بفيروس ووهان.

وتُجْرِي السلطات الصينية أيضًا اختبارات؛ لتحديد ما إذا كان بإمكان عقاقير فيروس نقص المناعة البشرية (HIV) الحالية معالجة العدوى الفيروسية، أم لا؟ ووفقًا لتقارير إعلامية، ولبيان صَدَرَ عن فرع لجنة الصحة الوطنية الصينية في بكين في السادس والعشرين من يناير، فإنه يجري إعطاء عقارَي ريتونافير، وليبونافير -المعتمَدَين لمعالجة فيروس نقص المناعة البشرية- للمرضى الذين يعانون من الالتهاب الرئوي الناتج عن فيروس كورونا.

References

  1. Read, J. M. et al. Preprint at MedRxiv https://www.medrxiv.org/content/10.1101/2020.01.23.20018549v1 (2020).
  2. Liu, T. et al. Preprint at BioRxiv https://www.biorxiv.org/content/10.1101/2020.01.25.919787v1 (2020)
  3. Chan, J. F.-W. et al. Lancet https://doi.org/10.1016/S0140-6736(20)30154-9 (2020). | article
  4. . Ji, W., Wang, W., Zhao, X., Zai, J. & Li, X. J. Med. Virol. https://doi.org/10.1002/jmv | article
Affiliation