أخبار

حاسوب فائق يتتبع أحداث الانقراض الغامضة

علماء الحفريات يضعون مخططًا تفصيليًّا مبهرًا لتاريخ التنوع البيولوجي على كوكب الأرض على مدار 300 مليون سنة.

إوين كالاواي

  • Published online:
اختفت ثلاثيات الفصوص من السجل الأحفوري خلال حدث انقراضٍ جماعي وقع قبل 252 مليون عام.

اختفت ثلاثيات الفصوص من السجل الأحفوري خلال حدث انقراضٍ جماعي وقع قبل 252 مليون عام.

Shutterstock

يشوب رؤية علماء الحفريات عن تاريخ الأرض شيء من التشويش، إذ صَعَّبَت عوامل -مثل عدم اكتمال السجل الأحفوري، وافتقار تقنيات التأريخ إلى الدقة- من عملية تحديد الأحداث التي وقعت خلال العصور الجيولوجية، التي امتدت إلى ملايين السنوات، لكنْ بدأت حاليًّا تتضح بالتفصيل معالم حقبةٍ زمنية شهدت طفرةً في مستوى تعقيد الحيوانات، ووقع فيها واحدٌ من أكبر أحداث الانقراض الجماعي في التاريخ، إذ استعان فريقٌ من العلماء -يقيم أغلبهم في الصين- برابع أقوى حاسوب فائق في العالم، وهو حاسوب «تيانهو-2» Tianhe II، بغرض التنقيب في قاعدة بيانات حفرياتٍ تخصّ أكثر من 11 ألف نوع عاش خلال الفترة ما بين 540 مليون، و250 مليون سنة مضت.

وهكذا تمكَّنوا من وضع سجلٍ تاريخي للحياة أثناء هذه الفترة من التاريخ، المعروفة باسم «حقبة الحياة القديمة» المبكرة، يمكن من خلاله تحديد توقيت نشأة أنواع معينة وفَنائها أثناء فترات التنوع والانقراض الجماعي، بدقةٍ تحصر الحدث في فترةٍ تبلغ حوالي 26 ألف سنة تقريبًا (J.-x. Fan et al. Science 367, 272–277; 2020).

يقول بيتر واجنر، عالِم الحفريات المتخصص في علم البيولوجيا التطورية بجامعة نبراسكا لينكولن، الذي لم يشارك في الدراسة: "إنّه إنجازٌ مذهل". وأوضح واجنر أنَّ القدرة على دراسة التنوع البيولوجي للأنواع في هذا النطاق الزمني أشبه بالانتقال من نظامٍ "يُعَد فيه مَن يعيشون في القرن نفسه معاصرين، إلى نظامٍ يتقلص فيه مفهوم المعاصَرة إلى ستة أشهر"، وفقًا لما كتبه في مقالٍ نُشِرَ مع الدراسة (P. Wagner Science 367, 249;2020(ر فص معاصرون إلى ).

ويضيف واجنر قائلًا إنّ هذه النظرة سوف تساعد العلماء على تحديد أسباب أحداث الانقراض الجماعي - مثل ذلك الذي وقع في نهاية العصر البرمي قبل حوالي 252 مليون عام، والذي أباد أكثر من 95% من الأنواع البحرية - بالإضافة إلى فهْم الأحداث الأصغر نطاقًا لانقراض الأنواع، وزيادة أعدادها مرةً أخرى، حيث كان من الصعب اكتشافها بسبب الفجوات في السجل الأحفوري. ويُمَكِّننا فَهْم هذه العمليات مِن كشْف حالاتٍ مشابهة لأزمة فقدان التنوع البيولوجي التي يشهدها كوكبنا حاليًّا.

سجلٌّ غير مكتمل

لم يُخَلِّف معظم الكائنات الحية التي شهدها كوكب الأرض عبر تاريخه أي حفريات، فضلًا عن أنَّ العلماء لم يستطيعوا أن يتعرَّفوا سوى على نسبةٍ ضئيلة من تلك الأنواع التي تبقَّت حفرياتها. ونتيجةً لذلك.. قد يصعب أن نجزم بما إذا كانت التغيرات في السجل الأحفوري حقيقية بالفعل، مثل وقوع أحداث انقراض جماعي، أم أنَّ سببها نقْص الحفريات المكتشفة فحسب.

بدأ علماء الحفريات تحليل السجل الأحفوري على نحوٍ منهجي في ستينيات القرن العشرين، وكشفوا أحداث انقراضٍ جماعي عديدة، وفتراتٍ أخرى ازدهرت فيها الحياة، غير أنَّ هذه الجهود والدراسات اللاحقة لها لم تكن تستطيع عادةً تحديد توقيتات التغيرات في التنوع البيولوجي إلا في نطاق مدد تقريبية تصل الواحدة منها إلى عشرة ملايين سنة، لأنَّ الحفريات كانت تُصنَّف حسب فتراتٍ جيولوجية طويلة نسبيًّا، وتُحلَّل كمجموعات.

ومِن أجل تحسين هذا الوضع، أنشأ وحلَّل فريقٌ بقيادة عالِم الحفريات جون شوان فان -من جامعة نانجينج بالصين- قاعدة بياناتٍ لحفريات تخصّ لا فقاريات بحرية، عُثر عليها في أكثر من 3 آلاف طبقة من الصخور، أغلبها جُمِعَ من مناطق في الصين، لكنَّها تعكس الحالة الجيولوجية في جميع أنحاء الكوكب خلال بدايات حقبة الحياة القديمة. وبعد ذلك.. استخدم الفريق برنامجًا حاسوبيًّا؛ لتحديد توقيتات نشأة كل نوع وانقراضه.

استفاد البرنامج من حقيقة أنَّ حفريات الأنواع كان يعُثر عليها عادةً داخل تكويناتٍ صخرية مختلفة، تتراوح أعمار كل منها ما بين مئات الآلاف، وملايين السنين، في وضع حدودٍ زمنية دنيا وقصوى للفترة التي عاش فيها كل نوعٍ بالفعل. وكشفت تلك الجهود طول الفترات التي عاشتها الأنواع، التي بلغ عددها جميعها 11 ألفًا، بالإضافة إلى ترتيبها الزمني. وقد استغرق الحاسوب الفائق حوالي سبعة ملايين ساعة معالجةٍ لأداء هذه المهمة.

أعان هذا النهجُ الفريقَ على كشف تفاصيل إضافية عن أحداثٍ بعينها، مثل نهاية العصر البرمي، والانفجار الكامبري الذي حدث قبل حوالي 540 مليون سنة، إذ بَيَّنَت التحليلات –على سبيل المثال- تراجُع التنوع البيولوجي خلال الأعوام الثمانين ألفًا السابقة للانقراض الجماعي الذي وقع في نهاية العصر البرمي، والذي استغرق فترةً تزيد على حوالي 60 ألف عام.

تلقي هذه النتائج أيضًا بظلال الشك على وقوع حدث انقراضٍ أصغر نطاقًا، يُعرف باسم «انقراض نهاية الفترة الجوادالوبية»، الذي يُعتقد بأنَّه أباد كثيرًا من الأنواع البحرية قبل حوالي 260 مليون سنة. وكانت هذه هي المفاجأة الأكبر في تلك النتائج، حسب ما ذكره مايك بنتون، عالِم الحفريات بجامعة بريستول في المملكة المتحدة، الذي وثَّق التغيرات في تنوع الفقاريات خلال تلك الفترة. وأضاف بنتون قائلًا إنّ هذه الدراسة "تمثل جهدًا رائعًا في مجال البيانات الضخمة".

يتطلع بنتون إلى توسيع نطاق تلك الجهود؛ لتشمل فتراتٍ أخرى لاحقة، لا سيما المئة مليون عام الأخيرة، إذ يختلف علماء الحفريات حول ما إذا كانت الزيادة الجلية في تنوع الحيوانات خلال هذه الفترة هي نتيجة لانحيازٍ في اختيار العينات، أم نتيجة شيء آخر.

ويقول نورمان ماكليود -عالِم الحفريات في جامعة نانجينج، والمؤلف المشارك للدراسة- إنَّ عمل الفريق ربما يساعد على كشف الأسباب الأساسية للتغيرات في التنوع البيولوجي، وذلك عن طريق تحديد أحداث الزيادة والنقص في التنوع البيولوجي على مخططٍ زمني يمكن مقارنته بمخططٍ للتغيرات البيئية والمناخية.

ويضيف واجنر قائلًا إنّ الفائدة الأكبر للنهج الذي اتبعه الفريق ستكون المساعَدة على اكتشاف أحداث الانقراض الأصغر نطاقًا، المشابِهة لما نشهده حاليًّا، وتفسيرها. وحسبما يرى، فقد يتضح أنَّ أحداث الانقراض هذه تمثل "100 ألف عامٍ سيئة، أو أسبوعًا سيئًا" لبعض مجموعات الكائنات، دون غيرها. وختم واجنر قائلًا: "عندما تصل إلى هذه الدقة، تُتاح لك الفرصة حقًّا لدراسة ما قد يحصل في أحداث الانقراض الأصغر نطاقًا".