افتتاحيات

عالَمٌ خالٍ من الجوع بفضل التفكير في الأنظمة

إطعام جياع العالم يستلزم التطرُّق إلى النظام الغذائي بشتى جوانبه.

  • Published online:

اعتادت دونيلا ميدوز -عالمة البيئة الراحلة- أن تطرح على طلابها في كلية دارتموث في هانوفر بولاية نيوهامبشير في سبعينيات القرن الماضي السؤال الآتي: «كيف كان يمكن أن يبدو العالَم، لو كان خاليًا من الجوع؟». كتبت ميدوز -في وقت لاحق- أن الطلاب وجدوا صعوبة في الإجابة على هذا السؤال، ذلك أن تصوُّر أمرٍ ليس بجزءٍ من الحياة الواقعية، فضلًا عن تعلُّم طرق تحقيقه، هي مهارة نادرة. يُدَرَّس هذا الأمر للفنانين، والكُتّاب، والمهندسين، لكنّ العلماء نادرًا ما يدرسون أمورًا كهذه. عزمت ميدوز على تغيير ذلك، وساعدت في إنشاء حركة عالمية. واليوم، يُنظر إلى نتيجة جهودها –ذلك النهج الذي يُعرَف بالتفكير في الأنظمة– على أنها جزء أساسي من مواجهة التَّحديات العالمية الكبرى، مثل تحقيق أهداف التَّنمية المُستَدَامة.

إن التَّفكير في الأنظمة ضروري للغاية لتحقيق أهداف معينة، مثل القضاء على الجوع، وتحسين التغذية، لأنه يتطلب النظر في الطريقة التي يجري بها إنتاج الغذاء، ومعالجته، وتوصيله، واستهلاكه، كما يتطرق إلى كيفية تداخل هذه الأشياء مع صحة الإنسان، والبيئة، والاقتصاد، والمجتمع. وهي أمور صعبة بالفعل، ولكنها ليست مستحيلة إذا كانت العوائق معروفة. لقد تم تناول بعض هذه العقبات، والحلول الممكنة، في منتصف يناير الماضي في سلسلة مقالاتٍ ضَمَّها العدد الأول من «نيتشر فوود» Nature Food، وهي إحدى ثلاث دوريات في مجموعة «نيتشر ريسيرش» Nature Research (الدوريتان الأخريان هما: «نيتشر كانسر» Nature Cancer، و«نيتشر ريفيوز إيرث آند إنفايرومينت» Nature Reviews Earth & Environment)، وقد صدرت في شهر يناير الماضي. ووفقًا لمَدخَل التَّفكير في الأنظمة، فإن تغيير النظام الغذائي –أو أيّ نظام شبكي آخر– يتطلب تحقيق ثلاثة أمور؛ أوَّلها: يحتاج الباحثون إلى معرفة جميع الأطراف الفاعلة في تلك المنظومة؛ وثانيها: يجب عليهم تحديد كيفية ارتباطهم ببعضهم البعض؛ وثالثها: عليهم فهْم تأثير هذه العلاقات على بعضها البعض، وعلى الأطراف التي لا تنتمي إلى هذا النظام، وقياسه.

لنتناول التغذية كمثال؛ ذكرت منظمة الأغذية والزراعة -التابعة للأمم المتحدة- في تقريرها الأخير بشأن الأمن الغذائي العالمي أن عدد الأشخاص الذين يعانون من نقص التغذية في العالم في ازدياد منذ عام 2015، على الرغم من التقدُّم الكبير في علم التغذية. وعلى سبيل المثال.. أسهم تتبُّع وزارة الزراعة الأمريكية لتأثير 150 مادة كيميائية حيوية في الغذاء، وكذلك الاطلاع على قواعد بيانات مختلفة إسهامًا كبيرًا في الكشف عن العلاقات بين السعرات الحرارية، والسُّكَّر، والدهون، والفيتامينات، وبين حدوث الأمراض الشائعة، غير أن ألبرت لازلو باراباسي -عالِم الشبكات في جامعة نورث إيسترن في بوسطن بولاية ماساتشوستس- وزملاؤه استعانوا بتقنيات تعلُّم الآلة والذكاء الاصطناعي، واقترحوا أن الأنظمة الغذائية البشرية تتألف من 26 ألف مادة كيميائية حيوية على الأقل، وأن الغالبية العظمى منها غير معروفة (Nature Food 1, 33–37; 2020). يُبيِّن هذا أنه لا يزال أمامنا شوط طويل لنقطعه قبل تحقيق هدفنا الأول من التفكير في الأنظمة، وهو في هذه الحالة.. تحديد المزيد من المكونات في نظم التغذية.

يستند منهج التفكير في النُّظُم كذلك من أجل إحداث التَّغيير إلى افتراضٍ أن جميع مَن في النظام يتمتعون بنفوذ متساو، ومكانة متساوية، أو التفويض (باللغة الأكاديمية)، غير أنه حسب ما أوضحته شارون فريّل -الباحثة في مجال العدالة الصحيّة في الجامعة الوطنية الأسترالية في كانبرا- وزملاؤها، فإن النظام الغذائي ليس نظامًا متكافئًا، ويُمكِن لنفوذ التجارة العالمية أن تتيح لها تجاهل الاحتياجات البيئية والغذائية (S. Friel et al. Nature Food 1, 51–58; 2020). وعلى البلدان أن تسنّ قوانين ولوائح ذات صلة من أجل تحقيق الأهداف العالمية فيما يخص التغذية وتغيُّر المناخ، غير أن هذه المسألة أصبحت صعبة، لأنّ قوانين التجارة العالمية التي وضعتها منظمة التجارة العالمية (WTO) مُلزِمة قانونًا للبلدان المختلفة، في حين أن السياسات المتعلقة بتغيُّر المناخ أو التَّغذية ليست مُلزِمة في أغلب الأحيان.

أدّت الحاجة إلى ثِقَل عالمي مُوازِن لمنظمة التجارة العالمية إلى توجيه نداءات من أجل إنشاء منظمة بيئية عالمية (انظر: go.nature.com/2th18yc، على سبيل المثال). تتمثل طريقة أخرى لتدارك اختلال موازين القوى في أن يحذو المزيد من الجامعات حذو ميدوز في تعليم الطلاب كيفية التَّفكير بالاستعانة بمنهج النُّظُم.

وهو ما فعله بالضبط فريق من الباحثين، من خلال «البرنامج متعدد التخصصات لتعليم النُّظُم الغذائية وتعلُّمها»، (J. Ingram et alNature Food 1, 9–10; 2020)، وفيه يتعلم طلاب متخصصون في مجالات معينة، كالزراعة، وعلم النظم البيئة، والاقتصاد معًا، من خلال الاستفادة من خبراتهم الجماعية في معالجة مشكلات العالم الواقعي، مثل كيفية الحدّ من هدر الطعام. ومنذ إطلاق البرنامج في عام 2015، تلقَّى أكثر من 1500 طالب من 45 قِسمًا جامعيَّا التدريب فيه.

يجب أن يتعلم المزيد من الباحثين، وصُناع السياسات، وممثلي صناعة الأغذية النظر إلى ما وراء حدود مسؤولياتهم المباشرة، وتبَنِّي منهج النُّظُم، وهو ما يدعو إليه محررو دورية «نيتشر فوود» في افتتاحية إطلاقها (Nature Food 1, 1; 2020). أدركت ميدوز أن الرؤى وحدها لا تصنع نتائج، لكنها خلصت -في نهاية المطاف- إلى أننا "لن نتوصَّل أبدًا إلى نتائج لا يُمكِننا تخيّلها".