تعليقات

لا بد من وضع قواعد عالمية تنظِّم مشاركة البيانات الجينومية 

دروس مهمة تتعلق بمشاركة البيانات، مستفادة من الجهود المبذولة لحماية خصوصية المرضى والمتطوعين في مشروعٍ دولي ضخم معنِيّ بمرض السرطان.

مارك فيليبس، وفروجينا مولنار جابور، ويان أو. كوربل، وإدريان ثوروجود، ويان جولي، ودون تشالمرز، وديفيد تاونِند، وبارثا إم. كنوبرز، من اتحاد مشروع تحليل الجينومات الكاملة للأنواع السرطانية المختلفة.
  • Published online:
خلية سرطان ثدي مهاجرة.

خلية سرطان ثدي مهاجرة.

Steve Gschmeissner/SPL

يمكن للباحثين في جميع أنحاء العالم الاطلاع على أكثر من 800 تيرابايت من البيانات الجينومية، وذلك بفضل مشروعٍ دولي ضخم لاكتشاف السمات الجينية المرتبطة بأنواع شتى من السرطان، نشر باحثوه مؤخرًا ست ورقاتٍ بحثية في دورية Nature (ونُشِرَت 16 ورقة بحثية أخرى في غيرها من الدوريات).

شاركنا نحن الثمانية في هذا المشروع الذي استغرق ستة أعوام. وساعد أربعةٌ منا في وضع تدابير وقائية؛ لحماية خصوصية آلاف المرضى والمتطوعين، الذين وافقوا على استخدام بياناتهم في البحث. وهنا، نتأمل في بعض الدروس المستفادة من تلك الجهود فيما يتعلق بمشاركة الباحثين لكمياتٍ هائلة من البيانات الجينومية، إذ يزداد تعامل باحثي علم الجينوم في جميع أنحاء العالم مع مجموعاتٍ ضخمة من البيانات، تتولى جمْعها اتحاداتٌ بحثية تشمل بلدانًا عديدة، غير أنَّ أكثر هؤلاء الباحثين يلتبس عليه الأمر فيما يخص الإجراءات الواجب اتباعها لحماية خصوصية الأفراد، وللامتثال للقوانين الدولية والمحلية المتعلقة بحماية البيانات، لا سيما في ظل التغيرات الأخيرة والمستمرة في التشريعات.

ومن ثم، أصبح من الضروري وضع قواعد تنظيمية دولية لمشاركة البيانات الجينومية. وفي حال تولَّى المجتمع العلمي المعنِيّ بدراسات الجينوم وضْع هذه القواعد، سيكون من الأسهل تحديثها مع تطوُّر التقنيات والمعارف، مقارنةً بقابلية التشريعات الوطنية والدولية للتحديث.

استخدام السحابات الحوسبية

في الفترة بين عامي 2013، و2019، عملت 468 مؤسسة من 34 بلدًا، تقع في منطقة أستراليا-آسيا، وقارات آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية، على جمْع 2658 جينومًا لخلايا سرطانية، كلٌّ منها مصحوب بتسلسلٍ جينومي لخلايا غير سرطانية مأخوذة من الشخص ذاته. وقاد الاتحاد الدولي لدراسة الجينومات السرطانية (ICGC)  هذه الجهود.

وقد أُتيحت للباحثين هذه البيانات المُجمَّعة، ويرجع الفضل في ذلك -بدرجةٍ كبيرة- إلى الحوسبة السحابية. ويمثِّل هذا المشروع، المعروف باسم مشروع تحليل الجينومات الكاملة للأنواع السرطانية المختلفة (PCAWG)، أُولَى المحاولات الرامية إلى ضم هذا العدد الكبير من المشروعات الفرعية في بلدانٍ مختلفة تحت لواء واحد، وإلى إتاحة مجموعة البيانات الناشئة عن هذه الجهود بأكملها للباحثين في جميع أنحاء العالم.

أُتيح معظم بيانات المشروع (والأدوات اللازمة لتحليلها) عبر خدمة الحوسبة السحابية «كانسر جينوم كولابوراتوري» Cancer Genome Collaboratory، التي أُنشئت ليستخدمها المجتمع البحثي المعنِيّ بعلم الجينوم. (واستُخدمت أيضًا خدمات الحوسبة السحابية التجارية التي تقدمها شركة «أمازون ويب سيرفسز» Amazon Web Services)، بيد أن البيانات خضعت قبل ذلك لمعالَجة باستخدام مراكز حوسبية عالية الأداء، وسحاباتٍ حوسبية خاصة بمعاهد أكاديمية في ألمانيا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، وإسبانيا، واليابان، وكوريا الجنوبية. وعُولِجَ بعضها أيضًا باستخدام خدمات الحوسبة السحابية التجارية (مثل خدمات «أمازون ويب سيرفسز»، و«ميكروسوفت أزور» Microsoft Azure، و«سيفن بريدجِز» Seven Bridges).

ومنذ بدء مشروع تحليل الجينومات الكاملة للأنواع السرطانية المختلفة، اتجهت عدة مشروعات دولية أخرى مختصة بعلم الجينوم إلى استخدام الخدمات السحابية (انظر: «الاستفادة من الحوسبة السحابية»)، منها مشروع أطلس الخلايا البشرية، وهو مشروعٌ دولي لوضع خريطةٍ مرجعية لجميع الخلايا البشرية1، وأيضًا مشروع السحابة الأوروبية للعلوم المفتوحة، وهي سحابة مخصصة للباحثين والخبراء في مجالات العلوم، والتكنولوجيا، والإنسانيات، والعلوم الاجتماعية2.

تمثل الخدمات السحابية -منذ ظهورها- نقطة تحول كبرى فيما يتعلق بإتاحة التحليلات الجينومية واسعة النطاق.
في العادة، حين يرغب أيّ فريقٍ بحثي في تحليل مجموعة بيانات مجمعة تخص اتحادًا بحثيًّا ما، فعليه أن يسعى أولًا للحصول على تصريحٍ من مكاتب الأخلاقيات البحثية، أو مكاتب الامتثال لقواعد الحصول على البيانات التابعة لكل شريكٍ في المشروع. بعد ذلك، يتعين عليه تحميل تلك البيانات من كل مشروعٍ فرعي عبر الإنترنت، أو أن يحصل على محركات الأقراص الصلبة المحتوية على البيانات المطلوبة عبر البريد، وهو الاحتمال الأرجح. أمّا في حال مشروع تحليل الجينومات الكاملة للأنواع السرطانية المختلفة، الذي يشتمل على 800 تيرابايت من البيانات الأولية، فقد تمكَّن الباحثون من اختصار عدة أشهر من العمل، وتوفير آلاف الدولارات، وذلك من خلال الوصول مباشرةً إلى البيانات التي يحتاجونها، وتجربة الأدوات التحليلية التي طوَّرها المجتمع البحثي، بل وتعديلها حسب حاجتهم. وفضلًا عن ذلك.. أمكنهم الحصول على التصريح اللازم للوصول إلى أغلب البيانات من جهةٍ واحدة، وهي مكتب الامتثال لقواعد الوصول إلى البيانات، التابع للاتحاد الدولي لدراسة الجينومات السرطانية. مارك فيليبس وزملاؤه.

ومن المرجح أن يستمر هذا التوجه، إذ تقل مع الوقت كلفة الخدمات السحابية، وتزداد سهولة الوصول إليها، بالإضافة إلى أنَّ الباحثين يحصدون أكثر فأكثر ثمار مشاركة هذه الكميات المتنامية من البيانات الجينومية مع زملاءٍ من مختلف أنحاء العالم3 (انظر: «بيانات مفتوحة»)، بيد أنَّ الخدمات السحابية تطرح تحدياتٍ جديدة فيما يتعلق بحماية بيانات المشاركين، لا سيما مع الاهتمام المتزايد بالوصول إلى تلك البيانات، الذي تبديه الحكومات الوطنية، ومؤسسات إنفاذ القانون، والشركات الخاصة. فسلطات الحدود الكندية -على سبيل المثال- تختار البلدان التي تُرحِّل إليها المهاجرين حسب نتائج اختبارات الحمض النووي، التي تجريها الجهات المُقدِّمة لخدمات تحديد التسلسل الجينومي للأفراد4.

البيانات المفتوحة
على مدار العقود الثلاثة الماضية، تزايدت كميات البيانات التي يشاركها علماء الوراثيات حول العالم.
ففي العام الماضي، حَمَّل أكثر من 83 ألف باحث من 146 بلدًا 6.7 بيتابايت من بيانات الأحماض النووية (أغلبها يخصّ بشر) من معهد نُظُم المعلومات الحيوية الأوروبي، التابع لمختبر البيولوجيا الجزيئية الأوروبي. ويُخزِّن هذا المعهد كثيرًا من مجموعات البيانات البيولوجية، ويتيحها للباحثين في جميع أنحاء العالم. وتعبِّر هذه البيانات عمّا يقترب من 230 مليار جينوم بشري كامل.
وستزداد مشاركة البيانات الجينومية حتمًا بزيادة كمية البيانات المتاحة. وبحلول عام 2025، من المتوقع أن تكون قد حُددت تسلسلات الجينومات، أو الإكسومات (مناطق تشفير البروتينات) الخاصة بأكثر من 60 مليون مريض من شتى أنحاء العالم، كجزءٍ من إجراءات الرعاية الصحية الروتينية16، وهذا من شأنه أن يوفر للباحثين مورد بياناتٍ مذهلًا. مارك فيليبس وزملاؤه.

الاستمرارية طويلة الأجل

يَعتمِد استمرار عمل المؤسسات -مثل مؤسسة خدمة الحوسبة السحابية «كانسر جينوم كولابوراتوري»- على استمرار تمويلها. وحتى في شركة «أمازون» وغيرها من شركات التكنولوجيا الكبرى، قد يتعرقل وصول الباحثين إلى البيانات في أي وقت، بسبب انقطاع الخدمة التي تقدمها الشركة؛ نتيجة المشكلات التقنية، أو التغييرات في شروط تقديم الشركة للخدمة، أو حتى الإغلاق المفاجئ للشركات. وبالإضافة إلى ذلك، كثيرًا ما يجهل الباحثون المستخدِمون للخدمات السحابية إلى أيّ مدى يمكنهم ضمان عدم الكشف عن بياناتهم لأطرافٍ ثالثة، كتلك الجهات التي تنفِّذ عمليات مراقبة غير قانونية على مستوى الدول. ويحيط ذلك الغموض أيضًا بالخطوات الواجب اتخاذها لحماية البيانات من مثل هذه الانتهاكات لخصوصيتها.

وبخصوص مشروع تحليل الجينومات الكاملة للأنواع السرطانية المختلفة، فإنَّ مكتب الامتثال لقواعد الوصول إلى البيانات -التابع للاتحاد الدولي لدراسة الجينومات السرطانية (ICGC)- قد ساعد في الحيلولة دون وقوع بعض هذه المشكلات، إذ توجَّب على أي جهةٍ راغبة في استخدام بيانات المشروع إبرام عقدٍ مع لجنة الوصول إلى البيانات التابعة له، لتؤكد -بموجب هذا العقد- أنَّها لن تحاول مثلًا تحديد هويّات المرضى أو المتطوعين بمجرد تجريد بياناتهم من المعلومات الشخصية. ولم تُكتشَف حتى الآن أيّ حالة انتهاك لخصوصية المتبرعين.

وحتى عندما يطلب الباحثون الاطلاع على البيانات من لجنةٍ معنية بالوصول إليها (كما في حالة هذا المشروع، أو غيره من المشروعات)، يظل هناك بعض المعضلات. فعلى سبيل المثال، ليس من الواضح أي إجراءات تدقيق ينبغي للمشروعات تنفيذها، قبل السماح للباحثين بالوصول إلى البيانات الجينومية الحساسة، ولا أيّ إجراءات تَحَقُّق يلزم إجراؤها قبل مشاركة البيانات الجينومية دوليًّا. وحتى الجهات المشارِكة في مشروع تحليل الجينومات الكاملة للأنواع السرطانية المختلفة لم تتمكن من إنشاء سحابة بيانات دولية بمعنى الكلمة، نظرًا إلى القيود المفروضة على نقل البيانات عبر الحدود (التي تُعزَى في هذه الحالة إلى مخاوف الهيئات التنظيمية الأوروبية من حيازة جهات في الولايات المتحدة لبياناتٍ جينومية خاصة بمواطنين أوروبيين).

أمَّا الجزء الأمريكي من المشروع، وهو أطلس الجينومات السرطانية (TCGA)، الذي أسهم بثلث عينات المشروع، فأُتيح للباحثين من خلال سحابة البيانات المحمية التابعة لجامعة شيكاغو. وأُلزم الباحثون الراغبون في الحصول على تلك البيانات بالامتثال لاتفاقية وصولٍ أخرى، متوافقة -إلى حد كبير- مع الاتفاقية الخاصة بمكتب الامتثال لقواعد الوصول إلى البيانات، التابع للاتحاد الدولي لدراسة الجينومات السرطانية، غير أنَّ أطلس الجينومات السرطانية ظل في النهاية منفصلًا من الناحية النظرية عن بقية المشروع، لأنَّ الباحثين اضطروا لاتباع إجراءٍ مختلف للوصول إلى البيانات، ودمج مجموعتي بيانات المشروع بأنفسهم.

حامل خوادم في مركزٍ بمدينة برلين.

حامل خوادم في مركزٍ بمدينة برلين.

Thomas Trutschel/Photothek/Getty

القواعد المُنظِّمة

يحتاج باحثو علم الجينوم بشكل عاجِل إلى قواعد واضحة لتنظيم مشاركة البيانات، بحيث تكون تلك القواعد مُوحَّدةً في شتى مناطق السلطات القضائية.

ومن شأن هذه القواعد التنظيمية العالمية أن تساعد الباحثين على التغلب على بعضٍ من العقبات الحالية، بالإضافة إلى غيرها من الصعوبات التي قد تنشأ مع تطوُّر التشريعات المعنية بحماية البيانات.

ويُمكن لتلك القواعد أن توضح الخطوات الواجب على الباحثين اتخاذها للامتثال للائحة الاتحاد الأوروبي العامة لحماية البيانات (GDPR)، التي دخلت حيز التنفيذ في عام 2018، والقانون الأمريكي الخاص بإخضاع التأمين الصحي لقابلية النقل والمساءلة (HIPAA)، وغيرهما من القوانين. وفي الواقع، فإنَّ لائحة الاتحاد الأوروبي العامة لحماية البيانات تحضّ صراحةً في المادة رقم 40 على وضع قواعد تنظيمية لحماية البيانات خاصة بكل قطاع. وفي يونيو الماضي، أصدر أيضًا المجلس الأوروبي لحماية البيانات (وهو هيئة مستقلة معنية بإصدار التوجيهات بشأن اللائحة العامة لحماية البيانات، والتشجيع على وضع القواعد التنظيمية) مبادئ توجيهية خاصة بتقديم مثل هذه القواعد المنظمة لمعالجة البيانات، وإقرارها، ومتابعة تنفيذها. وتعهد المجلس أيضًا بإصدار مزيدٍ من التوجيهات بشأن استخدام القواعد التنظيمية كوسيلةٍ ممكنة لتيسير نقل البيانات عبر الحدود (انظر: go.nature.com/322nkkv).

وفي عام 2017، أعلنت شبكةٌ أوروبية لتوفير البِنْية التحتية البحثية اللازمة لإنشاء البنوك البيولوجية -وهي شبكة تُعرف باسم (BBMRI-ERIC)- أنها ستضع قواعد موحدة على مستوى دول الاتحاد الأوروبي لتنظيم تداوُل البيانات الصحية، وستقدمها للمفوضية الأوروبية (انظر: go.nature.com/2j3ihce). وتلك القواعد ستكون مفيدةً -على الأرجح- عند الانتهاء من وضْعها، وإقرارها. وإلى أن يحدث ذلك، نناشد مجتمع أبحاث الجينوم بأنْ يعطي أولوية لوضع مجموعة من القواعد التنظيمية الدولية، توضح كيفية الوفاء بالالتزامات الأخلاقية والقانونية الحالية فيما يتعلق بالسحابات الجينومية الدولية.  

وفي هذا الصدد، لا بد من وضع خمس مسائل -على الأقل- بعين الاعتبار.

أولى تلك المسائل هي إمكانية تحديد الهوية. فعلى الرغم من أن بعض المشكلات5 يصاحب عملية إخفاء الهوية، التي تُجرَّد فيها البيانات الصحية من أي معلوماتٍ يمكن استخدامها لتحديد هوية المشاركين (مثل الاسم، أو رقم التأمين الاجتماعي، أو العنوان)، فإن هذه العملية أُشيد بها، باعتبارها وسيلةً لحماية خصوصية الأفراد في الأبحاث العلمية6، لكن نظرًا إلى تضارُب المصطلحات الخاصة بتلك العملية، ووجود ثغراتٍ في فهْمها، فنادرًا ما يعرف الباحثون ماهية المعايير التي ينبغي لهم الوفاء بها؛ لكي تصبح بيانات أبحاثهم خاليةً من البيانات المُحدِّدة للهوية، أو شبه خالية من تلك البيانات (أي يتيح فيها كودٌ ما كشف هويات الأفراد)، على الوجه الملائم7. وبالإضافة إلى ذلك.. يصعب -من الناحية العملية- إنفاذ القوانين في ذلك الشأن، لأنَّ الغموض كثيرًا ما يحيط بكيفية وقوع انتهاكات الخصوصية، والمؤسسة، أو الباحث المسؤول عن ارتكابها9،8.

وتتطلب دائمًا قوانين حماية البيانات -مثل اللائحة العامة لحماية البيانات، أو قانون كاليفورنيا لخصوصية المستهلك- دراسة إمكانية تحديد الهوية من البيانات على أساس كل حالةٍ على حدة، وهو ما يُعزى جزئيًّا إلى التغيرات المستمرة التي تطرأ على الأدوات التكنولوجية التي تتيح تحديد الهوية. وصحيحٌ أنَّه من الصعب وضْع قواعد تنظيمية محددة وثابتة مسبقًا للتعامل مع تلك التغيرات، غير أنَّ تلك القواعد التنظيمية يمكنها أن توفر بعض التوجيهات بشأن كيفية تحديد الحالات المقبول فيها إيداع البيانات الجينومية -والبيانات الصحية عامةً- في مستودعاتٍ مفتوحة الوصول. وقد تشمل هذه التوجيهات -على سبيل المثال- النظر في ما إذا كانت مجموعة التغيرات الجينومية قد حدثت في الخلايا الجسدية، أم في خلايا الخط النسيلي الذي يتسبب في وراثة هذه التغيرات (إذ أثبت الباحثون إمكانية تحديد هوية الفرد باستخدام عددٍ قليل من المتغيرات في خلايا الخط النسيلي10، لكنْ لم ينجح أحدٌ حتى الآن في تحديد هوية شخصٍ بناءً على متغيراتٍ مرتبطة بالأورام السرطانية في الخلايا الجسدية). 

أمَّا ثاني تلك المسائل الخَمس، فهي الموافقة العامة.. إذ تقرّ اللائحة العامة لحماية البيانات صراحًة بوجود استثناءٍ لما يُعرَف باسم "الموافقة الخاصة". والموافقة الخاصة تعني تلك الموافَقة التي يبديها الأفراد على استخدام بياناتهم في مشروعٍ بحثي معين. أما الاستثناء (الموافقة العامة)، فهو يهدف إلى السماح باستخدام بيانات المشاركين في مجالات بحثية بالكامل، بما يتسق مع المعايير الأخلاقية المتفق عليها11. لذا، هناك حاجة إلى توجيهاتٍ متعلقة بما ينبغي للباحثين فِعْله؛ للوفاء بمتطلبات الموافقة العامة، والإجراءات التي يُفترَض بهم اتخاذها، لإبقاء المرضى والمتطوعين على اطلاع بالكيفية التي تُستخدَم بها بياناتُهم في الأساس.

وتتعلق المسألة الثالثة بكشف نتائج الأبحاث للأفراد المشاركين فيها، وقابلية نقل تلك النتائج، وإمكانية الوصول إليها، إذ ينبغي توضيح كيفية ضمان حق المشاركين في نقل بياناتهم. وعلى سبيل المثال، بمَنْحهم هذه البيانات في صورة ملفاتٍ يمكن الاطلاع عليها باستخدام الحاسوب، لا على هيئة مطبوعاتٍ من ملفاتٍ بصيغة (PDF). ويمكن للقواعد التنظيمية أيضًا أن توضح الخطوات اللازمة لتزويد المرضى والمتطوعين ببياناتهم الصحية على نحوٍ مسؤول13،12. وعلى سبيل المثال.. هل ينبغي توفير استشاراتٍ جينية للمرضى أو المتطوعين الذين يُبلغون باكتشاف تغيراتٍ جينومية في عيّناتهم، تكون مرتبطة بأورام سرطانية، أو ذات دلالةٍ مبهمة؟

ورابع تلك المسائل هي انسحاب المشاركين.. إذ يحتاج الباحثون إلى توجيهاتٍ تتعلق بكيفية الوفاء بحق المشاركين في الانسحاب من الأبحاث. وفي هذا الصدد.. تقضي اللائحة العامة لحماية البيانات بأنْ يحتفظ القائمون على بيانات المشاركين بسجلاتٍ للأطراف الثالثة الذين أفصحوا لها عن تلك البيانات. وفي حال إلغاء المشارِك لموافقته، يجب على هؤلاء القائمين على البيانات إبلاغ الأطراف الثالثة بذلك. ورغم ذلك.. ما تزال هناك أسئلة كثيرة مطروحة تتعلق بتلك المسألة، منها -على سبيل المثال- هل ينبغي مراجعة تحليلات البيانات المجمّعة بعد حذف بيانات المشاركين الذين ألغوا موافقاتهم، فضلًا عن قضايا أخرى.

أمَّا المسألة الخامسة والأخيرة، فهي الإفصاح الإجباري عن البيانات.. إذ يمكن لتلك القواعد التنظيمية أن توفر توجيهاتٍ للباحثين فيما يخص التعامل مع المطالبات الحكومية بالكشف عن البيانات الشخصية للمشاركين. وتشمل تلك التوجيهات وسائل الحماية القانونية التي يمكن للباحثين اللجوء إليها. ففي الولايات المتحدة الأمريكية -على سبيل المثال- تُطبَّق فكرة شهادات السرية، التي تصدرها معاهد الصحة الوطنية؛ لحماية الباحثين من مثل هذه المطالَبات14.

الخطوات التالية

تُبشِّر إنجازات مشروع تحليل الجينومات الكاملة للأنواع السرطانية المختلفة -فيما يتعلق بمشاركة البيانات الجينومية، والتعامل معها- بإمكانية وضع قواعد تنظيمية دولية، يستطيع الباحثون في جميع أنحاء العالم الرجوع إليها.

ويمكن أن تأتي بداية وضع تلك القواعد عن طريق اتحادات بحوث الجينوم، أو جهات التمويل العامة والخاصة، أو القائمين على تطوير القواعد التنظيمية الإقليمية الموضوعة بالفعل (كاللائحة الموضوعة لحماية البيانات في أوروبا). وينبغي أن تكون الخطوة الأولى في هذه العملية عَقْد اجتماعٍ؛ لتحديد الموضوعات التي ستتناولها القواعد التنظيمية، والطريقة المثلى للتشاوُر مع المشاركين في الأبحاث بشأن احتياجاتهم، فضلًا عن إرساء عملية صنع قرار، تتيح إقرار الصياغة النهائية لتلك القواعد في أقرب وقتٍ ممكن.  

وفي المقابل، إذا لم تُوفَّر للباحثين في مجال علم الجينوم التوجيهات اللازمة بشأن أسلوب التعامل الصائب مع قضايا حماية البيانات، ومشاركتها، فإنَّهم إمّا سيُفرِطون في توخي الحذر، ومن ثم يعزفون عن مشاركة البيانات بما يتفق مع ما تسمح به موافقات المشاركين في البحوث، أو أنَّهم سيعجزون عن توفير الحماية الملائمة15 لهؤلاء المشاركين. وبعبارةٍ أخرى.. فإنَّ استمرار حالة الغموض التنظيمي الحالية يهدد بإعاقة الدراسات الجينومية الجديدة، وتقويض ثقة الأفراد في المشروعات العلمية التعاونية، الهادفة إلى تحقيق الصالح العام.   

References

  1. Rozenblatt-Rosen, O. et al. Nature 550, 451–453 (2017).
  2. Nature 523, 136–137 (2015).
  3. Stein, L. D., Knoppers, B. M., Campbell, P., Getz, G. & Korbel, J. O. Nature 523, 149–151 (2015).
  4. Mochama, V. ‘DNA testing to aid deportations leaves plenty of room for misinterpretation and mistreatment’ (The Star, 29 July 2018).
  5. Ohm, P. UCLA Law Rev. 57, 1701–1777 (2010).
  6. El Emam, K. & Arbuckle, L. Anonymizing Health Data (O’Reilly, 2013).

  7. Phillips, M. & Knoppers, B .M. Nature Biotechnol. 34, 1102–1103 (2016).
  8. Phillips, M., Dove, E. S. & Knoppers, B. M. J. Bioeth. Inq. 14, 527–539 (2017). |
  9. Rocher, L., Hendrickx, J. M. & de Montjoye, Y.-A. Nature Commun. 10, 3069 (2019).
  10. Shringapure, S. S. & Bustamante, C. D. Am. J. Hum. Genet.97, 631–646 (2015).
  11. Contreras, J. L. & Knoppers, B. M. Annu. Rev. Genom. Hum. Genet. 19, 429–453 (2018).
  12. Thorogood, A. et al. Hum. Genomics 12, 7 (2018).
  13. Thorogood, A., Dalpé, G. & Knoppers. B. M. Eur. J. Hum. Genet. 27, 535–546 (2019).
  14. Wolf, L. E. et al. J. Law Med. Ethics 43, 594–609 (2015).
  15. Knoppers, B. Nature 558, 189 (2018).
  16. Birney, E., Vamathevan, J. & Goodhand. P. Preprint at bioRxiv https://doi.org/10.1101/203554 (2017).

مارك فيليبس أكاديمي مساعد في مركز علوم الجينوم والسياسات بجامعة ماكجيل في مدينة مونتريال الكندية، ومحامٍ يقدم استشاراتٍ قانونية متعلقة بحماية البيانات.

فروجينا مولنار جابور مديرة مجموعة بحثية في أكاديمية هايدلبرج للعلوم والإنسانيات بمدينة هايدلبرج الألمانية.

يان أو. كوربل عالِم أوَّل في مختبر البيولوجيا الجزيئية الأوروبي بمدينة هايدلبرج الألمانية.

إدريان ثوروجود أكاديمي مساعد في مركز علوم الجينوم والسياسات بجامعة ماكجيل في مدينة مونتريال الكندية.

يان جولي أستاذ مساعد في مركز علوم الجينوم والسياسات بجامعة ماكجيل، وكان مسؤولًا عن مراقبة الوصول إلى البيانات في الاتحاد الدولي لدراسة الجينومات السرطانية (من عام 2009 إلى عام 2018)، وشملت مسؤولياته مشروع تحليل الجينومات الكاملة للأنواع السرطانية المختلفة.

دون تشالمرز أستاذ متميز في القانون بجامعة تازمانيا، الواقعة في مدينة هوبارت الأسترالية.

ديفيد تاونِند أستاذ التشريع في مجالات الصحة وعلوم الحياة بكلية معهد بحوث الرعاية والصحة العامة في جامعة ماستريخت بهولندا.

بارثا إم. كنوبرز مديرة مركز علوم الجينوم والسياسات بجامعة ماكجيل في مدينة مونتريال الكندية.

وهناك قائمةٌ كاملة لأعضاء اتحاد مشروع تحليل الجينومات الكاملة للأنواع السرطانية المختلفة، مرفَقة مع النسخة الإلكترونية من هذا المقال (انظر: go.nature.com/2usqhj7).

عناوين البريد الإلكتروني: mark.phillips2@mcgill.ca

fruzsina.molnar-gabor@adw.uni-heidelberg.de

References

  1. Rozenblatt-Rosen, O. et al. Nature 550, 451–453 (2017).
  2. Nature 523, 136–137 (2015).
  3. Stein, L. D., Knoppers, B. M., Campbell, P., Getz, G. & Korbel, J. O. Nature 523, 149–151 (2015).
  4. Mochama, V. ‘DNA testing to aid deportations leaves plenty of room for misinterpretation and mistreatment’ (The Star, 29 July 2018).
  5. Ohm, P. UCLA Law Rev. 57, 1701–1777 (2010).
  6. El Emam, K. & Arbuckle, L. Anonymizing Health Data (O’Reilly, 2013).

  7. Phillips, M. & Knoppers, B .M. Nature Biotechnol. 34, 1102–1103 (2016).
  8. Phillips, M., Dove, E. S. & Knoppers, B. M. J. Bioeth. Inq. 14, 527–539 (2017). |
  9. Rocher, L., Hendrickx, J. M. & de Montjoye, Y.-A. Nature Commun. 10, 3069 (2019).
  10. Shringapure, S. S. & Bustamante, C. D. Am. J. Hum. Genet.97, 631–646 (2015).
  11. Contreras, J. L. & Knoppers, B. M. Annu. Rev. Genom. Hum. Genet. 19, 429–453 (2018).
  12. Thorogood, A. et al. Hum. Genomics 12, 7 (2018).
  13. Thorogood, A., Dalpé, G. & Knoppers. B. M. Eur. J. Hum. Genet. 27, 535–546 (2019).
  14. Wolf, L. E. et al. J. Law Med. Ethics 43, 594–609 (2015).
  15. Knoppers, B. Nature 558, 189 (2018).
  16. Birney, E., Vamathevan, J. & Goodhand. P. Preprint at bioRxiv https://doi.org/10.1101/203554 (2017).

مارك فيليبس أكاديمي مساعد في مركز علوم الجينوم والسياسات بجامعة ماكجيل في مدينة مونتريال الكندية، ومحامٍ يقدم استشاراتٍ قانونية متعلقة بحماية البيانات.

فروجينا مولنار جابور مديرة مجموعة بحثية في أكاديمية هايدلبرج للعلوم والإنسانيات بمدينة هايدلبرج الألمانية.

يان أو. كوربل عالِم أوَّل في مختبر البيولوجيا الجزيئية الأوروبي بمدينة هايدلبرج الألمانية.

إدريان ثوروجود أكاديمي مساعد في مركز علوم الجينوم والسياسات بجامعة ماكجيل في مدينة مونتريال الكندية.

يان جولي أستاذ مساعد في مركز علوم الجينوم والسياسات بجامعة ماكجيل، وكان مسؤولًا عن مراقبة الوصول إلى البيانات في الاتحاد الدولي لدراسة الجينومات السرطانية (من عام 2009 إلى عام 2018)، وشملت مسؤولياته مشروع تحليل الجينومات الكاملة للأنواع السرطانية المختلفة.

دون تشالمرز أستاذ متميز في القانون بجامعة تازمانيا، الواقعة في مدينة هوبارت الأسترالية.

ديفيد تاونِند أستاذ التشريع في مجالات الصحة وعلوم الحياة بكلية معهد بحوث الرعاية والصحة العامة في جامعة ماستريخت بهولندا.

بارثا إم. كنوبرز مديرة مركز علوم الجينوم والسياسات بجامعة ماكجيل في مدينة مونتريال الكندية.

وهناك قائمةٌ كاملة لأعضاء اتحاد مشروع تحليل الجينومات الكاملة للأنواع السرطانية المختلفة، مرفَقة مع النسخة الإلكترونية من هذا المقال (انظر: go.nature.com/2usqhj7).

عناوين البريد الإلكتروني:

mark.phillips2@mcgill.ca

fruzsina.molnar-gabor@adw.uni-heidelberg.de