كتب وفنون

مخاطر الفرضيات الاقتصادية غير المُثبَتة

يقدم إحسان مسعود ثلاثة كتب تحذِّر من مخاطر الأفكار الاقتصادية غير المُثبَتة، ناصحًا الحكومات بالانتباه إلى الأدلة على الأفكار الاقتصادية

إحسان مسعود

  • Published online:
بَنَى الرئيس الأمريكي رونالد ريجان سياسة التخفيضات الضريبية في الثمانينيات على أفكارٍ مشكوكٌ في صحتها.

  بَنَى الرئيس الأمريكي رونالد ريجان سياسة التخفيضات الضريبية في الثمانينيات على أفكارٍ مشكوكٌ في صحتها.

 Bettmann

توفيت الخبيرة الاقتصادية فيرا شلاكمان في شهر نوفمبر من عام 2017، عن عمرٍ بلغ 108 أعوام. ويُعدُّ كتابها الصادر في عام 1935 بعنوان «التاريخ الاقتصادي لمدينةٍ صناعية» Economic History of a Factory Town مَعلمًا في مجال الاقتصاد. وفي هذا الكتاب، ومن خلال سعيها لأنْ تؤرخ الكيفية التي غيرَتْ بها صناعة النسيج مدينة شيكوبي في ولاية ماساتشوستس الأمريكية، ركزَّت على حياة النساء العاملات، متناولةً تحليلات بيانات الأجور، ومُدد نوبات العمل، لتتطرق إلى قيمة مهور الزواج، والمعلومات الواردة في الخطابات واليوميات. وجديرٌ بالذكر أنَّ شلاكمان لم تنشر كتابًا بخلاف هذا، بسبب إقصائها عن تدريس الاقتصاد خلال الحقبة المكارثية في خمسينيات القرن العشرين.

وأثناء تفحُّص كتاب «عندما يتصل الرئيس» When the President Calls، الذي نشره المؤلف سيمون بومايكر في عام 2019، تذكَّرتُ شلاكمان، وإلى أيّ مدى ابتعدنا عن مثل هذه التحليلات المتكاملة للواقع الاقتصادي. وحسبما أوضح بومايكر، فإنَّ المستشارين الاقتصاديين لرؤساء الولايات المتحدة على مدار نصف القرن المنصرم، بدايةً من ريتشارد نيكسون، ووصولًا إلى دونالد ترامب، سمحوا لمسؤولي البنك المركزي والخزانة بتنفيذ أفكارٍ ليست لها ضوابط. وهذه الأفكار المجردة، التي كثيرًا ما توصَف بمصطلحاتٍ مستعارة من الرياضيات أو الفيزياء (مثل سرعة تداوُل النقد)، لا تحظى بإجماع آراء الخبراء، ولا يمكن بالضرورة تطبيقها في اقتصاداتٍ أخرى.

ويجسد كتابان جديدان آخران روح تنوُّع الفِكر الذي تميَّزت به شلاكمان، وكلاهما من إنتاج مؤلِّفَين حازا جائزة نوبل في الاقتصاد، وهذان الكتابان هما: «جدالٌ مع الموتى الأحياء» Arguing with Zombies للأكاديمي الاقتصادي بول كروجمان، و«أفكارٌ اقتصادية جيدة للأوقات العصيبة» Good Economics for Hard Times للأكاديميَّين أبهيجيت بانيرجي، وإستر دوفلو.

صدر كتاب بانيرجي ودوفلو قبل شهرٍ من حصولهما على جائزة نوبل لعام 2019، التي تَقاسَماها مع الأكاديمي الاقتصادي مايكل كريمر. ويوجِز الكتاب ما يقرب من عقدين من الأبحاث، التي تطرح للرأي العام تجارب ميدانية للسياسات في البلدان منخفضة الدخل؛ من سياسات تحسين نتائج التعليم إلى سياسات استخدام التطعيمات المتوفرة. أمَّا كتاب كروجمان الضخم، فيتيح نظرة متأملة إلى أخطاء العقدين الماضيين، و«الموتى الأحياء» في عنوان كتابه تمثلهم النظريات والسياسات الاقتصادية التي كان من المفترَض في الأدلة أن تقضي عليها، لكنَّها تعاود الظهور مرارًا وتكرارًا؛ مثل فكرة أنَّ انعدام المساواة ضرورة لتحقيق النمو الاقتصادي. وفي عالَمٍ ما زال يعاني آثار الأزمة المالية لعام 2008، يوجه كروجمان (الذي حصل على جائزة نوبل في العام نفسه) كلماتٍ قاسية للاقتصاديين الذين يتشبثون بالطرق القديمة.

أحد الأمثلة البارزة على تلك الطرق هو «منحنى لافر»، المُسمَّى تيمنًا بآرثر لافر، الذي أصبح فيما بعد المستشار الاقتصادي للرئيس الأمريكي رونالد ريجان. ومن الواضح أنَّ بومايكر قد استمتع بفرصة محاورة لافر، الذي يُقال إنَّه رسم فكرة المنحنى على منديلٍ أثناء تناول وجبة الغداء في أحد أيام عام 1974 مع اثنين من مسؤولي البيت الأبيض، هما: دونالد رامسفيلد، وديك تشيني. زعم لافر عندئذ أنَّه إذا زادت الحكومات الضرائب المفروضة على ذوي الدخول المتواضعة، وخفَّضت الضرائب المفروضة على الأثرياء، فقد تتمكن بهذين الأمرين من زيادة الإيرادات، وتعزيز النمو. وكانت حجته في الجزء الأول من الفكرة أنَّ أصحاب الدخل المنخفض يفوقون الأثرياء عددًا، وهو ما يزيد من إجمالي إسهاماتهم الضريبية. أما حجته في الجزء الثاني، فكانت أنَّ أصحاب الأعمال الأثرياء من المحتمل أن يستخدموا الأموال الموفَّرة من التخفيضات الضريبية للاستثمار في منتجاتٍ جديدة، أو المزيد من الوظائف أو المعدات؛ وهو ما يؤدي إلى تعزيز النمو.

التخفيضات الضريبية غير المُثبَتة

لا يوجد إجماعٌ على دقة «منحنى لافر» من عدمها. وتتعرض الفكرة لانتقاداتٍ، حتى من بعض الاقتصاديين المحافظين البارزين، من أمثال جريجوري مانكيو. ومع ذلك.. أصبح المنحنى أساس التخفيضات الضريبية، بدايةً من قرار الرئيس الأمريكي ريجان بتخفيض نسبة الضريبة على الدخل في أعلى الشرائح الضريبية، من 70% إلى 28%، وذلك خلال الفترة من أوائل الثمانينيات إلى منتصفها. وقد اكتشف بومايكر أنَّ لافر ما زال مسرورًا بفكرته، وواثقًا منها، إذ قال له في مقابلتهما: "هذه فكرتي المفضلة، وقد أحببتُها. وكانت تلك أفضل فاتورة ضريبية في تاريخ الولايات المتحدة". وقد منحه الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب وسام الحرية الرئاسي في عام 2019.

ووفقًا لما تكشفه هذه الكتب الثلاثة، فإنَّ الأفكار التي أصبح لافر وغيره يمثلونها تتعرض الآن لنقد شديد، حتى من أحزاب يمين الوسط في الدول مرتفعة الدخل، التي أيّدت تلك الأفكار في البداية، إذ لم يحدث رخاءٌ شامل من جرّاء ما دعمته هذه الأفكار لعقود، من خفض مستويات الإنفاق العام، أو تثبيتها، والتجارة الحرة غير المُقيَّدة، وتخفيف صرامة اللوائح التنظيمية المفروضة على المؤسسات المالية، وخفض الضرائب على الشركات وعلى ذوي الدخل المرتفع. ويتجلَّى ذلك –على وجه الخصوص- في الولايات المتحدة، وبريطانيا، اللتين تُعَدان حاليًّا من أكثر البلدان التي تنعدم فيها المساواة بين الدول ذات الاقتصادات المكافئة. ففي عام 2016، على سبيل المثال، بناءً على نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، كانت ست مناطق من تلك المناطق العشر الأكثر فقرًا في شمال أوروبا تقع في المملكة المتحدة.

يدعم أبهيجيت بانيرجي، وإستر دوفلو تجربة السياسات الاقتصادية ميدانيًّا، لا سيما في الدول منخفضة الدخل.

يدعم أبهيجيت بانيرجي، وإستر دوفلو تجربة السياسات الاقتصادية ميدانيًّا، لا سيما في الدول منخفضة الدخل.

Jim Davis/The Boston Globe via Getty

وقد نشأت نزعات القومية الاقتصادية من هذه التوجُّهات، رافعةً شعاراتٍ تباينت ما بين شعار «أمريكا أولًا» في الولايات المتحدة، وصولًا إلى شعار «استعيدوا السيطرة» في المملكة المتحدة. وتمثلت النتائج الفعلية لها في استنكار إدارة ترامب علنًا لاتفاقية أمريكا الشمالية للتجارة الحرة (النافتا)، وإعادتها التفاوض بشأنها، وخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي (البريكست).

وفي الوقت نفسه، فإنَّ انهيار ما كان ينظر إليه السياسيون اليمينيون واليساريون كأفكارٍ اقتصادية سائدة قد أفسح المجال أمام مقارباتٍ أخرى لصنع السياسات، أكثر اتساقًا مع الأفكار التقليدية لتيار اليسار الأخضر. وهذا يُفسر جزئيًّا سبب الاهتمام الذي تحظى به أفكار الخبيرة الاقتصادية الإيطالية الأمريكية ماريانا مازوكاتو في أوساط التيارات السياسية المختلفة، إذ تحاجِج مازوكاتو بقوة في كتابها «قيمة كل شيء» The Value of Everything، الصادر في عام 2018، أنه ينبغي للدول أن تتيح تطبيق سياساتٍ اقتصادية تمنح الأولوية للرخاء والاستدامة. وهذه أيضًا هي المسألة التي يتناولها بانيرجي ودوفلو في كتابهما «أفكارٌ اقتصادية جيدة للأوقات العصيبة». وعلى غرار كروجمان، فإنَّهما ينتقدان السياسات غير المُثبَتة، أو القائمة على أدلةٍ ضعيفة، غير أنَّ نهجهما لا يقوم على المجادلة، بقدر ما يترك تلك المهمة للأبحاث والدراسات.

الإجماع، والجدل

تستكشف الدراسات التي يستشهد بها بانيرجي ودوفلو موضوعاتٍ ساخنة، مثل التغيُّر المناخي، والهجرة، وجدوى النمو الاقتصادي المستمر. ويجمع المؤلفان الأدبيات المتعلقة بما هو مُتفقٌ عليه من نظريات، وبما هو مثيرٌ للجدل، بطريقةٍ ممتعة  في الأغلب، ويسهل فهْمها، لكنَّ عملهما ينطوي على ثغرات، إذ كان من الممكن للمؤلِّفين أن يثريا ويعززا أفكارهما حول فوائد الأنظمة البيئية، وتأثير النمو الاقتصادي المدفوع بالاستهلاك على التغيُّر المناخي، وعلى التنوع البيولوجي، وذلك من خلال الإشارة إلى أفكار كايت راوورث، وتيم جاكسون حول الآثار البيئية الناجمة عن النمو الاقتصادي المطرد، وأفكار بارثا داسجوبتا حول قيمة التنوع البيولوجي.

وبينما لا يهدف بانيرجي، ودوفلو في كتابهما إلى طرح سردياتٍ كبرى تفوح منها رائحة الفِكر الاقتصادي القديم، فهما يحتاجان إلى التعبير عن نهجهما بعباراتٍ سردية بالفعل، وإلا فسيبذلان جهدًا هائلًا لنشر أفكارهما. وحسبما أوضح بومايكر، فإنّ ما يرغب فيه الرؤساء الأمريكيون هو سماع النهايات السعيدة للأفكار الاقتصادية، وليس أن ينصتوا إلى قائمةٍ مضجرة من الخيارات تُطرَح عليهم، كما لو كانوا في ندوةٍ نقاشية، إذ يُقال مثلًا إنَّ الرئيس الأمريكي السابق هاري ترومان قال ذات مرة إنَّه يفضل الاقتصاديين ذوي الرأي الواحد؛ لأنَّه لا يحب سماع عبارة "من ناحيةٍ أخرى". وقد كان باراك أوباما استثناءً في هذا الصدد، إذ كان يتخذ القرارات بعد سماع ميزات الأفكار الاقتصادية وعيوبها.

ومن المؤسف أنَّ كلًا من كتابَي «جدال مع الموتى الأحياء»، و«أفكار اقتصادية جيدة للأوقات العصيبة» لا يتطرقان بعمق إلى ما أرى أنَّه التحدي الحاسم للأجيال الجديدة من استشاريِّي السياسات الاقتصادية، وهو كيفية الحد من مخاطر استماع صانعي السياسات فقط إلى الخبراء ذوي الآراء المنحازة إلى أهدافهم. فإذا استمر الباحثون ذوو الأفكار الاقتصادية غير المُثبَتة في تقديم الحجج، دعمًا للنظريات غير المُجرَّبة، سيغزو مزيدٌ من الموتى الأحياء أروقة السُّلْطات.

ويواجه المستشارون العلميون أيضًا هذا التحدي، ولكنْ قد لا يكون بالقدر ذاته. على سبيل المثال.. في التسعينيات، انضمت الحكومات التي تُولِي اهتمامًا كبيرًا لصناعتَي النفط والغاز إلى جماعات الضغط القوية المُناصِرة لصناعة الوقود الأحفوري، وذلك للبحث عن خبراء يمكنهم التشكيك في تأثير الأنشطة البشرية على التغيُّر المناخي، لكنَّ الرأي الذي أجمع عليه أعضاء الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ، ودَعَّمه بتفاصيله كلها عددٌ ضخم من الباحثين البارزين، كان له دورٌ محوري في الحيلولة دون اختراق مثل هذه الأفكار المشبوهة للرأي العام (لكنّه لم يَحُول دون انسحاب ترامب من اتفاقية باريس للمناخ، المبرَمة في عام 2015).

لذا.. يحتاج الاقتصاديون إلى تنظيم صفوفهم على نحوٍ مماثل عبر مدارس الفكر الاقتصادي المختلفة، وإلى تضمين أفكار اقتصاد التنمية، واقتصاد البيئة والأنظمة الإيكولوجية، والاقتصاد النسوي في مناهجهم. فالاتحاد قوة، والتنوع يؤدي إلى التماسُك. وهذا يمكن أن يساعد على الحدّ من المفاهيم الاقتصادية غير المجدية التي تُطرَح باستمرار.

وحسبما توضح هذه الكتب الثلاثة، المتعمقة والملائمة لعصرنا بأساليبها الخاصة، فقد انفتح مجالٌ لطرح أفكارٍ اقتصادية جديدة، في وقتٍ يشيع فيه انعدام المساواة، والانقسامات الاجتماعية والثقافية، ونواجه فيه أزمةً بيئية. وهذه فرصة لتجنب 50 سنةً أخرى من النظريات غير المُثبَتة، التي توجِّه صناع السياسات في أعلى المستويات، كما لو كانت الأدلة لا أهمية لها.

إحسان مسعود محرر بقسم «الافتتاحيات»، ومدير مكتب الشرق الأوسط وأفريقيا في دورية Nature بلندن. وأحدث مؤلفاته كتاب بعنوان: «الاختراع العظيم: قصة الناتج المحلي الإجمالي، وصُنْع العالَم الحديث وهَدْمه» The Great Invention: The Story of GDP and the Making and Unmaking of the Modern World