تحقيقات

اكتشاف مفتاح تعطيل أنظمة "كريسبر" 

اكتشف باحثون مجموعةً كبيرة من الأدوات التي يمكن استخدامها لتعطيل أنظمة «كريسبر»، والتي قد تُسْهِم بالتالي في مجالَي الطب، والأمن البيولوجي.

إيلي دولجين

  • Published online:

Illustration by Sébastien Thibault

في مرحلة الدراسات العليا في أوائل العقد الماضي، كان جو بوندي دينومي -عالِم الأحياء المجهرية بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو- يحاول إصابة بكتيريا بفيروساتٍ لا تملك فرصة لإصابة هذه البكتيريا من الناحية النظرية. وحسبما يتذكر، بدا له الأمر في البداية "محاولةً عقيمة بعض الشيء"، إذ كان يعلم أنَّ هذه الفيروسات -التي تُعرَف أيضًا باسم «العاثيات»- قابلة للتأثر بنظام «كريسبر-كاس»، وهو نظام الدفاع البكتيري، الذي طوَّعه العلماء كأداةٍ فعَّالة للتعديل الجيني. وفي معظم الحالات، ثبت أنَّه كان على صواب. فقد نجحت آلية «كريسبر» في تقطيع العاثيات الوافدة إلى أجزاءٍ صغيرة، لكنْ في بعض الحالات -وعلى عكس التوقعات- تمكنت تلك العاثيات الدخيلة من النجاة.

ظن بوندي دينومي أنَّه قد أخطأ في شيءٍ ما، لكنْ لمعت في رأسه فكرة فيما بعد، حسبما يروي، هي احتمالية وجود جزء داخل جينوم البكتيريا يعطل دفاعاتها، وأنَّ ذلك الجزء ذاتي التدمير من الحمض النووي قد نشأ عن فيروساتٍ غازيَة سابقة.

وأثبتت مقارنةٌ سريعة بين تسلسلات الحمض النووي صحة حدسه.. فجينات العاثيات الموجودة في جينوم البكتيريا كانت تُعَطِّل نظام «كريسبر-كاس «بالكامل، وهو ما يجعل البكتيريا عرضةً للإصابة بالفيروسات1.

وعن ذلك الاكتشاف يقول ألان ديفيدسون، المتخصص في بيولوجيا العاثيات بجامعة تورنتو في كندا، الذي كان يشرف على رسالة الدكتوراة الخاصة ببوندي دينومي في ذلك الوقت: "توصَّل جو إلى النتيجة التي غيرَّت كل شيء. فقد وقع على اكتشاف مذهل لم نكن نتوقعه على الإطلاق"، إذ كان دينومي قد اكتشف مصادفةً أدواتٍ تُعرف الآن باسم «مضادات كريسبر»، وذلك بمشاركة ديفيدسون، وعالمة الأحياء المجهرية كارين ماكسويل، وزميلته طالبة الدراسات العليا أبريل بولوك. وهذه البروتينات بمثابة الصخرة التي تتحطم عليها المقصّات الجزيئية لأنظمة «كريسبر». وسرعان ما اكتُشِف الكثير منها، إذ تمكّن الباحثون من توصيف أكثر من 50 بروتينًا حتى الآن من «مضادات كريسبر»، ولكلٍّ منها وسائله الخاصة لمنع عملية القص واللصق التي تنفِّذها أنظمة «كريسبر».

وتثير هذه القائمة الطويلة من البروتينات كثيرًا من الأسئلة حول سباق التسلُّح العتيق بين البكتيريا والعاثيات التي تفترسها، لكنَّها أيضًا تزود العلماء بمجموعةٍ من الأدوات للإبقاء على تقنيات التعديل الجيني قيد السيطرة.

ويَستخدم بعض العلماء حاليًّا هذه البروتينات كمفاتيح، للتحكم بدقةٍ أكبر في نشاط أنظمة «كريسبر» في تطبيقات التعديل الجيني بمجالَي التكنولوجيا الحيوية، أو الطب، بينما يُجرِّب آخرون ما إذا كانت تلك البروتينات، أو غيرها من الجزيئات المُعطِّلة لأنظمة «كريسبر»، يمكن أن تُستخدم كتدابير مضادة، يُلجأ إليها كحلٍّ أخير لمواجهة تهديدات الأمن البيولوجي، بحيث تكون قادرة –على سبيل المثال- على ردع سلاحٍ بيولوجي ما، عُدِّل الجينوم الخاص به، أو التحكم في نظام دفعٍ جيني خارج عن السيطرة.

ويقول عنها كيفن فورسبرج، المتخصص في علم جينومات الميكروبات بمركز فريد هاتشينسون لأبحاث السرطان، الواقع في مدينة سياتل بولاية واشنطن: "مهما كان السبب الذي قد يَرِد بخاطرك لتعطيل أنظمة كريسبر، ستستخدم مضادات كريسبر".

ورغم العدد المتزايد من التطبيقات المقترحة لأنظمة «مضادات كريسبر»، وتجارب إثبات جدواها في المختبر، ما زال يتعين على الباحثين استكشاف إمكاناتها العلاجية. وفي هذا الصدد.. تطرح جينيفر دودنا -عالمة الكيمياء الحيوية بجامعة كاليفورنيا في مدينة بيركلي، وهي واحدة من رواد تقنية «كريسبر» للتعديل الجيني- سؤالًا تقول إنَّه يتردد على ألسنة الجميع: "كيف تَستخدِم هذه الأنظمة فعليًّا بطريقةٍ تتيح لك تحَكُّمًا مجديًا؟".

وتضيف دودنا: "هذه بلا شك هي المسألة التي ينبغي لأبحاث مضادات كريسبر بأكملها أن تتطرق إليها، لكنَّها لم تفعل ذلك بعد".

جدل مستعِر

رغم التركيز المتزايد على «مضادات كريسبر»، الذي نتج عنه نشْر ورقةٍ بحثية كل أسبوعٍ تقريبًا عنها، فإنّ الاكتشاف الأوّلِي الذي توصل إليه ديفيدسون وطلابه ظل بعيدًا عن دائرة الضوء، إذ بدا لمعظم العلماء كما لو كان مثالًا معقدًا -لا يُعني به إلا مختص- على حربٍ تطوُّرية ما، خاصةً لأنَّ جميع البروتينات المضادة لأنظمة «كريسبر» التي اكتُشِفها الباحثون كانت ترتبط بنوعٍ معين من الدفاعات البكتيرية، يُعرَف باسم «النوع الأول من أنظمة كريسبر». أمَّا النوع المفضل لدى الباحثين في عملية تعديل الجينوم، فكان النوع الثاني، وبروتينه التقليدي المُستخدَم لقطع الحمض النووي، المعروف باسم «كاس 9».

وتوضح بولوك -التي تعمل حاليًّا محررةً بدورية «سِل» Cell - هذا قائلة: "لكي ينتبه المجتمع البيولوجي الأوسع نطاقًا لهذا الاكتشاف، كان لا بد للأمر أن يتعلق ببروتين «كاس 9»".

وفي شهر ديسمبر عام 2016، تمكنت بولوك -التي كانت ما تزال تعمل حينها في مختبر ديفيدسون- ومعها بوندي دينومي -الذي كان يقود مجموعته البحثية المستقلة- من اكتشاف مُثبطاتٍ لإنزيم «كاس 9». وفي هذه المرة، سرعان ما اغتنم الباحثون حول العالم نتائج الدراسة. وعن ذلك.. يقول إريك زونتهايمر، عالِم البيولوجيا الجزيئية في كلية الطب بجامعة ماساتشوستس في مدينة ووستر، وأحد المؤلفين المشاركين لورقة بولوك البحثية2: "على غرار كل شيءٍ في عالم كريسبر، فإنّ أيّ تطورٍ بسيط... يندلع على أثره فجأة جدل شاسع مستعر".

ففي خلال أقل من ثلاثة أشهر، كان علماء البيولوجيا البنيوية بمعهد هاربن للتكنولوجيا -الكائن في الصين- قد اكتشفوا الآلية الجزيئية التي يتمكن من خلالها بروتين AcrIIA4 - وهو أحد البروتينات المضادة لكريسبر التي اكتشفها بوندي دينومي - من تعطيل نشاط «كاس 9»4، (انظر شكل «مضادات كريسبر»). وبعد أشهر قليلة، استطاعت دودنا -بالتعاون مع بوندي دينومي، وعالِم الكيمياء الحيوية جيكوب كورن، الذي يعمل حاليًّا في المعهد الفريدالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ- تقديم أول دليلٍ على جدوى «مضادات كريسبر» في التطبيقات العملية، إذ أثبتوا أنَّ تزويد الخلايا البشرية ببروتين AcrIIA4 يمكنه تعطيل نشاط التعديل الجيني5، سواءً فعلوا ذلك بعد تزويد الخلايا ببروتين «كاس 9»، أم في الوقت ذاته.

ولهذه العملية فوائدها، لأنَّه عند استمرار نشاط «كاس 9» لفترةٍ زمنية أطول من اللازم، يزيد ذلك من خطر تَسَبُّبه في تعديلاتٍ غير مقصودة. وأفادت دودنا ومعاونوها بأنَّ البروتينات المضادة لأنظمة «كريسبر» يمكنها أن تحدّ من التأثيرات "غير المقصودة" لأنظمة التعديل الجيني، التي أعرب الباحثون والمستثمرون عن قلقهم بشأنها منذ بدايات تطوير تقنية «كريسبر».

كبر الصورة

وهذه القدرة على الحد من التأثيرات غير المقصودة سوف يكون لها دورٌ كبير في مجال علاج الأمراض باستخدام أنظمة «كريسبر»، وذلك حسبما يرى ديفيد رابوكا، المدير التنفيذي لشركة «أكريجين بيوساينسز» Acrigen Biosciences، التي شارك في تأسيسها مع بوندي دينومي، ويقع مقرها في مدينة بيركلي، والتي ترفع الشعار الترويجي"سنجعل تعديل الجينات أكثر كفاءةً وأمانًا"، حسبما أضاف رابوكا.

ويمكن أيضًا أن تساعد «مضادات كريسبر» في حصر نشاط التعديل الجيني في خلايا وأنسجة معينة بالجسم. ففي عام 2019، حاولت فِرقٌ بحثية منفصلة في ألمانيا، واليابان، والولايات المتحدة أن تستخدم البروتينات إلى جانب جزيئات تحكُّم صغيرة تُسمَّى الأحماض النووية الريبية المجهرية (microRNAs)، وذلك لإجراء تعديلٍ جيني على أنسجة معينة فقط6-8، بل إنَّ الفريق الأمريكي بقيادة زونتهايمر أثبت إمكانية نجاح هذا النهج في الفئران. وتُعَد دراسة هذا الفريق الدراسة الوحيدة المنشورة حتى الآن التي تثبت أنَّ البروتينات المضادة لأنظمة «كريسبر» يمكن أن تنجح عند استخدامها في الحيوانات الحية، وليس فقط في الخلايا8.

أراد زونتهايمر وزملاؤه السماح بعملية التعديل الجيني في الكبد، ومنعها في الوقت ذاته في جميع أنسجة الفئران الأخرى. لذلك.. صمموا بروتينًا مضادًّا لأنظمة «كريسبر»، يتوقف نشاطه فقط في وجود جزيئات الحمض النووي الريبي المجهري، المعروف باسم «microRNA-122»، الذي لا يوجد إلا في الكبد. وفي الفئران، نجح هذا البروتين المضاد لأنظمة «كريسبر» في تعطيل نشاط التعديل الجيني الخاص ببروتين «كاس 9» في جميع أنحاء الجسم، عدا الكبد.

ويقول زونتهايمر إنَّه رغم تركيز الورقة البحثية على التعديل الجيني الموجَّه إلى الكبد، إلا أنّ تلك الآلية "يمكن استخدامها في أعضاء أخرى، دون تعديلاتٍ كبيرة"، بمعنى أنَّ أيّ أعضاء تنتج حمضًا نوويًّا ريبيًّا مجهريًّا فريدًا بمستوياتٍ عالية من التعبير يمكن استهدافها بهذه الطريقة، بشرط ألا تتسبب البروتينات المضادة لأنظمة «كريسبر» في آثارٍ مناعية غير مرغوبٍ فيها.

تقنيةٌ غير منيعة

يمتلك كثيرٌ من الأشخاص أجهزةً مناعية مهيَّأة بالفعل لمهاجمة بروتين «كاس 9»، وتعطيله، وذلك نتيجة تعرُّضهم في السابق لميكروباتٍ تحتوي على أنظمة «كريسبر-كاس». وهذا قد يُشكِّل تحديًا.. ففي الفئران -على سبيل المثال- يمكن أن تؤدي جرعةٌ واحدة فقط من دواءٍ يَعتمِد على تقنية «كريسبر» إلى استثارة استجابةٍ مناعية، قوية بما يكفي لإبطال فاعلية العلاجات اللاحقة.

ويرى زونتهايمر أنَّ البروتينات المضادة لأنظمة «كريسبر» يمكن أن تكون عُرضةً للمشكلة ذاتها، فيرفضها الجهاز المناعي، وهو ما قد يهدد استخدام تلك التقنية، ويتسبب في استجاباتٍ التهابية خطيرة بأجسام المرضى، لكنَّ الأنواع الأخرى من مثبطات أنظمة «كريسبر» لا يُفترض فيها أن تواجه القيود ذاتها. ففي مايو الماضي، وصف فريقٌ بحثي بقيادة أميت شودري -عالِم البيولوجيا الكيميائية في معهد برود، التابع لكلٍّ من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وجامعة هارفارد في مدينة كامبريدج بولاية ماساتشوستس- طريقةً جديدة لاكتشاف عقاقير مكوَّنة من جزيئاتٍ صغيرة، قادرة على تعطيل نشاط بروتين «كاس 9»9. وفي حين أن المُركَّبات التي اكتشفها فريق شودري لا تتسم بفاعلية البروتينات الطبيعية المضادة لأنظمة «كريسبر»، فإنَّ فرصتها أكبر في التسلل، متجاوزةً الجهاز المناعي، والحواجز الخلوية، وفي السماح بالتحكم العاكس لنشاط «كاس 9».

وفي دراسةٍ أخرى.. صمَّم باحثون سلاسل قصيرة من الأحماض النووية تُمسك بجزءين من مُركَّب «كاس 9»، وتُعطِّل تمامًا عملية تعديل الجينات في الخلايا البشرية10. وحول ذلك.. يقول كيث جاجنون، المتخصص في الكيمياء الحيوية للحمض النووي الريبي بجامعة جنوب إلينوي في مدينة كاربونديل، الذي قاد تلك الدراسة: "نحن متأكدون بدرجةٍ كبيرة من أنَّ ما صممناه أكثر فاعلية من أفضل البروتينات المضادة لأنظمة كريسبر الموجودة حاليًّا جميعها". وتمكنت فِرقٌ بحثية أخرى كذلك -من بينها الفريق الخاص بعالمة الفيروسات بروك هارمون في مختبرات سانديا الوطنية، الواقعة في مدينة ليفرمور بولاية كاليفورنيا- من تصنيع أجزاءٍ صغيرة من البروتينات، تُبدِي إمكاناتٍ واعدة كمضاداتٍ لأنظمة «كريسبر». وتقول هارمون عن ذلك: "من الجيد أن يتوفر لديك الكثير من الخيارات المتنوعة".

وهذا التنوع قد يكون مهمًّا في التطبيقات الطبية، ومثال ذلك.. في الحد من نشاط التعديل الجيني للأدوية المُستهدِفة للجينات، أو في ابتكار علاجاتٍ من العاثيات قادرة على إبادة البكتيريا التي يصعب علاجها، دون أن تعوقها دفاعات «كريسبر» الخاصة بالبكتيريا. وقد تساعد تلك الخيارات المتنوعة أيضًا في التطبيقات الأخرى المقترحة لتقنيات تعطيل أنظمة «كريسبر».

تأمّلْ -على سبيل المثال- أنظمة «الدفع الجيني»، التي يُوظِّف فيها العلماء تقنية «كريسبر» للتعديل الجيني لنشر تعديلٍ في الحمض النووي بسرعة، عبر مجموعةٍ بأكملها من كائنٍ ما، والتي يأمل بعض مسؤولي الصحة العامة أن تساعد على إبادة حشرات حاملة للأمراض، مثل البعوض، أو القراد.

ثمة مخاوف كثيرة بشأن الآثار البيئية غير المتوقعة لتلك الأنظمة. ويساور القلق أيضًا كثيرًا من المسؤولين العموميين والباحثين بشأن إمكانية استخدامها كسلاح لإبادة النظم الزراعية، أو نشر مرضٍ فتاك.

وقد توفر «مضادات كريسبر» شبكة أمانٍ جزيئية للوقاية من تلك الهجمات البيولوجية المحتملة، حسبما يقول جو شونيجر، عالِم الكيمياء الحيوية في مختبرات سانديا، الذي يضيف قائلًا: "يجب أن يكون لديك زر إغلاق للنظام".

ومعظم هذه التطبيقات ما زال افتراضيًّا في الوقت الحالي. والورقة البحثية الوحيدة المنشورة، التي استخدم فيها باحثون البروتينات المضادة لأنظمة «كريسبر» لتثبيط نظام دفعٍ جيني، تتعلق بتجربةٍ لإثبات الجدوى، أُجريت على الخميرة11. ومع ذلك.. فالفكرة تكتسب تأييدًا واسعًا في الوقت الحالي في أوساط الباحثين، ومنهم أولئك الذين يأملون في وقْف انتشار الملاريا، عن طريق دفع جيناتٍ ضارة إلى الانتشار في أسرابٍ كاملة من البعوض.

ويقول أندريا كريسانتي -المتخصص في دراسة الطفيليات على المستوى الجزيئي بكلية لندن الإمبراطورية- إنَّه استخدم جينات مضادة لنظام «كريسبر»؛ لتعطيل نظام دفعٍ جيني يهدف إلى إبادة البعوض. ونظام الدفع الجيني هذا، الذي يُعقِّم الإناث، يمكنه إبادة البعوض في المختبر خلال حوالي عشرة أجيال12، لكنْ في دراسةٍ لم تُنشَر بعد، أضاف فريق كريسانتي بعوضًا قادرًا على تعطيل نظام الدفع الجيني إلى مزيج البعوض في المختبر، وكان "بإمكان جينات هذا البعوض تعطيل نظام الدفع الجيني بنسبة 100%"، حسبما أوضح كريسانتي، الذي أضاف قائلًا: "بمقدورنا منع إبادة مجموعات البعوض".

بوليصة تأمين

بينما يتطلع كريسانتي إلى تجربة استراتيجيته الخاصة بتعقيم إناث البعوض ميدانيًّا، فإنَّه يخطط لتحضير أقفاصٍ مليئة بمجموعات بعوض قادرة على تعطيل أنظمة الدفع الجيني، لاستخدامها فقط إذا لم تَسِر الأمور وفق استراتيجيته. ويقول عن ذلك: "يشبه الأمر شراء بوليصة تأمين"، لكنَّ الحاجة إلى احتواء أنظمة «كريسبر» تتجاوز أنظمة الدفع الجيني، حيث توضِّح رينيه ويجرزين، عالمة الأمن الحيوي في هيئة المشروعات البحثية المتطورة بوزارة الدفاع الأمريكية (DARPA) في مدينة أرلينجتون بولاية فرجينيا ذلك قائلة: "إذا حدث أثرٌ غير متوقع في تجربةٍ إكلينيكية، أو استُخدِمَ نظامٌ لتعديل الجينوم استخدامًا شائنًا، فلن نعرف كيف يبدو ذلك الأمر، إلا بعد حدوثه بالفعل".

لهذا السبب.. أطلقت هيئة المشروعات البحثية المتطورة بوزارة الدفاع الأمريكية في عام 2017 برنامج «الجينات الآمنة» Safe Genes، وهي مبادرة مدّتها أربع سنوات، وتكلفتها 65 مليون دولار أمريكي، تهدف إلى مواجهة مخاطر تقنيات «كريسبر». وتتضمن تلك المبادرة اكتشاف مثبطاتٍ جديدة لجميع أنواع أنظمة «كريسبر-كاس»، ومضاداتٍ لأنظمة «كريسبر» تعمل بطرقٍ استثنائية ومفيدة. وجديرٌ بالذكر أنَّ بوندي دينومي، وشودري، وكريسانتي، ودودنا، وفريق مختبرات سانديا، جميعهم من بين متلقِّي هذا التمويل.

وبالإضافة إلى تطبيقات تلك الاستراتيجيات المضادة لأنظمة «كريسبر» في مجال التكنولوجيا الحيوية، فإنَّها  تفتح آفاقًا جديدة للبحوث البحتة، إذ يقول شون لو، الباحث في التغيرات العصبية فوق الجينية بالمركز الطبي لجامعة كولومبيا في مدينة نيويورك: "لقد أصبحت إحدى أدواتنا المفضلة". ويدرس لو كيف يمكن لنظامٍ مُعدَّل من أنظمة «كريسبر-كاس 9» أن يغيِّر مستويات التعبير عن جينٍ معين، من خلال تعديلاتٍ فوق جينية، أي دون تغيير التسلسل الأساسي للحمض النووي. وقد ساعدته البروتينات المضادة لأنظمة «كريسبر» في توضيح المدة الزمنية التي دامت خلالها الآثار الناتجة13.

ساعدت تلك البروتينات العلماء أيضًا في البحث عن سلالاتٍ طافرة من البكتيريا، يمكنها صدّ هجمات العاثيات بفعاليةٍ أكبر من السلالات العادية. ومن هؤلاء العلماء.. الفريق البحثي الذي يقوده سيلفان موانو، المتخصص في بيولوجيا العاثيات بجامعة لافال في مدينة كيبيك بكندا. ركَّز هذا الفريق على بكتيريا العقدية الحَرِّيِّة Streptococcus thermophilus، وهي ميكروب يُستخدَم في تصنيع الجبن، والزبادي14. وحول ذلك.. يقول موانو: "استخدمنا عاثيةً تحتوي على بروتينٍ مضاد لأنظمة كريسبر، كأداةٍ للبحث عن آلياتٍ دفاعية أخرى".

ويدمج علماء آخرون «مضادات كريسبر» في أدواتٍ مثل المستشعرات الحيوية، التي يمكنها تتبُّع مدى نشاط أنظمة التعديل الجيني العلاجية داخل الخلايا، وكذلك استراتيجيات التحكم الجيني الضوئي، التي تتيح للباحثين تشغيل نظام الاستهداف الجينومي لبروتين «كاس 9» بسرعةٍ وسهولة بمجرد تصويب شعاعٍ ليزري.

ويعلِّق على تلك الأبحاث تشايس بايزل، المتخصص في الهندسة البيولوجية في معهد هيلمهولتز لأبحاث العدوى القائمة على الحمض النووي الريبي، الواقع في مدينة فرتزبرج بألمانيا، إذ يقول: "ما زال الكثير من تلك الأنظمة "نماذج أولية"، لكنَّ الفكرة موجودة على الأقل".

أسئلة مفتوحة

في الوقت الذي يستمر فيه متخصصو الهندسة البيولوجية في استكشاف «مضادات كريسبر»، وتسعى فيه شركاتٌ -مثل «أكريجين»- لدمج هذه المُثبطات في أنظمةٍ علاجية، بدأ أيضًا بعض علماء الأحياء الصِّدام مع مزيدٍ من الأسئلة الفلسفية حول تطور أنظمة «كريسبر-كاس» من الأساس. فعلى سبيل المثال.. يرى الباحث إدز فيسترا -الذي يدرس النظم الإيكولوجية لأنظمة «كريسبر» في جامعة إكستر بالمملكة المتحدة- أنَّه إذا كانت البكتيريا التي تمتلك أنظمة دفاعية سليمة من أنظمة «كريسبر» تنطوي عادةً على تسلسلات أحماضٍ أمينية مستمَدَّة من العاثيات، وخاصة بالمُثبطات التي تبطل مفعول هذا النظام المناعي، فإنَّه "من الواضح أنَّ أنظمة كريسبر لا تؤدي دورها الدفاعي في عديدٍ من تلك الحالات". ومع ذلك.. يبدو أنَّ الانتقاء الطبيعي يحافظ على وجود تلك الأنظمة في حالةٍ جيدة، بحيث تظل قادرةً على العمل. لذا.. يتساءل فيسترا: "ما هو دور أنظمة كريسبر، باستثناء توفير التمويل للشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا الحيوية؟".

تشير دراسات إلى استخدام البكتيريا لأنظمة «كريسبر-كاس» في تكوين أغشيةٍ حيوية، وإصلاح الحمض النووي، وإجراء عمليات تعديل أخرى تتعلق بتعزيز قدرتها على الإمراض. ومن المحتمل أنَّه بمجرد أن تتمكن «مضادات كريسبر» من تجريد إنزيمات «كاس» من قدراتها على قَطْع الحمض النووي، فإنَّ البكتيريا ستكون قد أعادت توظيف أنظمة التعديل الجيني في استخداماتٍ أخرى، حسبما تقول ماكسويل، عالمة البيولوجيا المجهرية بجامعة تورنتو.

إنّ هذه الأسئلة المُقلِقَة لن توقف المسيرة العازمة على تطبيق أنظمة «كريسبر» للتعديل الجيني في علاج البشر، ومكافحة الآفات، وغيرها. وبالنسبة إلى كثيرين.. هذا هو ما يجعل «مضادات كريسبر» مهمةً للغاية.

تقول دودنا: "لا بد لنا أن نتجه نحو التحكم التام في أنظمة التعديل الجيني هذه، حتى نتأكد من تنفيذ التعديلات التي نريدها فقط". وتضيف قائلة إنه مثلما بدأت أنظمة «كريسبر-كاس» التي دشنت ثورةً في مجال التكنولوجيا الحيوية ببضعة ملاحظاتٍ فضولية في أحد المختبرات، فكذلك كان اكتشاف المُثبِّطات، التي ربما تكون أداة تصحيح جيني نحتاجها بشدة.

References

  1. Bondy-Denomy, J., Pawluk, A., Maxwell, K. L. & Davidson, A. R. Nature 493, 429–432 (2013). | article
  2. Pawluk, A. et al. Cell 167, 1829–1838.e9 (2016).| article
  3. Rauch, B. J. et al. Cell 168, 150–158.e10 (2017).| article
  4. Dong, D. et al. Nature 546, 436–439 (2017).| article
  5. Shin, J. et al. Sci. Adv. 3, e1701620 (2017). | article
  6. Hoffmann, M. D. et al. Nucleic Acids Res. 47, e75 (2019).| article
  7. Hirosawa, M., Fujita, Y. & Saito, H. ACS Synth. Biol. 8, 1575–1582 (2019).| article
  8. Lee, J. et al. RNA 25, 1421–1431 (2019).| article
  9. Maji, B. et al. Cell 177, 1067–1079.e19 (2019). | article
  10. Barkau, C. L., O’Reilly, D., Rohilla, K. J., Damha, M. J. & Gagnon, K. T. Nucleic Acid Ther. 29, 136–147 (2019).| article
  11. Basgall, E. M. et al. Microbiology 164, 464–474 (2019).| article
  12. Kyrou, K., Hammond, A., Galizi, R. et al. Nature Biotechnol. 36, 1062–1066 (2018).| article
  13. Liu, X. S. et al. Cell 172, 979–992.e6 (2018). | article
  14. Labrie, S. J. et al. Sci. Rep. 9, 13816 (2019). | article