أنباء وآراء

فيزياء تطبيقية: دوائر كهربية تؤدي مهام التصنيف في تقنيات تعلُّم الآلة

قد يكون من الصعب استخدام أجهزة الحوسبة العادية لتنفيذ مهمة التصنيف، التي تُعَد إحدى المهمات الأساسية في تقنيات تعلم الآلة، لكنْ من الممكن تطوير دوائر كهربية غير تقليدية قائمة على السيليكون لإنجاز هذه المهمة.

سايروس إف. هيرجيبيدين
  • Published online:

مكَّنت تقنيات الذكاء الاصطناعي (AI) الحواسيب من حل معضلاتٍ كان يُعتقد في السابق أنَّها تتجاوز قدراتها، بدايةً من هزيمة أفضل الخصوم الآدميين في ألعابٍ معقدة1، ووصولًا إلى تشخيص الأمراض آليًّا2. لذلك، هناك اهتمامٌ كبير بتطوير دوائر كهربية متخصصة، يمكنها إجراء العمليات الحسابية لتقنيات الذكاء الاصطناعي بسرعةٍ أكبر، وبقدرٍ أقل من الطاقة، مقارنةً بالأجهزة الحالية. وفي بحثٍ نُشِرَ مؤخرًا في دورية Nature، قدَّم الباحث تاو تشِن وزملاؤه3 دائرةً كهربية غير تقليدية من السيليكون، يمكن تطويرها في مكانها؛ لتنفيذ عملياتٍ أساسية من عمليات تقنيات تعلُّم الآلة.

تتفوق الحواسيب العادية في أداء العمليات الحسابية ذات الإجابات المحددة، لكنَّها غير قادرة على التخمين بفاعلية. على سبيل المثال.. إذا كنتَ تفكر في بيع سيارتك، يُعَد الحاسوب أداةً مثالية لحساب متوسط ​​السعر الذي بيعت به السيارات المماثلة، من أجل مساعدتك على تحديد سعر بيع السيارة، لكنْ من خلال تحليل مجموعات البيانات الرقمية الهائلة المتوفرة حاليًّا، يمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي -مثل تعلُّم الآلة- أن تُعلِّم الحواسيب كيفية التوصل إلى توقعاتٍ معقولة. وإحدى العمليات الأساسية التي يمكن لخوارزميات تعلُّم الآلة تنفيذها عند تزويدها بمجموعةٍ كبيرة من المُدخلات (مثل عمر السيارة، وعدد الكيلومترات التي قطعتها) هي التصنيف بالاختيار من بين مجموعةٍ من الفئات، أي تحديد مثلًا ما إذا كانت السيارة في حالةٍ سيئة، أم معقولة، أم جيدة، وبالتالي تحديد ما إذا كان بإمكانك توقُّع الحصول على السعر الذي تريده عند بيعها، أم لا.

واستنادًا إلى بِنْية الدماغ البشري، أحرز العلماء والمهندسون تقدمًا كبيرًا في تطوير أجهزةٍ مصمَّمة خصيصًا لتقلل بشكل كبير من الوقت والطاقة اللازمين لأداء مهامٍ كثيرة جدًّا، مثل التصنيف4. وهناك أيضًا كثيرٌ من الأفكار لتصميم الأجهزة غير التقليدية الخاصة بتقنيات تعلُّم الآلة، وهذه الأفكار ما زالت في مراحلها المبكرة، لكنَّها يمكن أن توفر إمكاناتٍ جديدة كليًّا. على سبيل المثال.. يدرس الباحثون حاليًّا ما إذا كان بوسع الدوائر الكهربية القائمة على الموصلات الفائقة -التي تعمل فقط في ظل درجات حرارة تتجاوز الصفر بدرجات قليلة، وتردداتٍ في نطاق الجيجاهرتز، بكفاءةٍ عالية في استهلاك الطاقة- أن تتيح تنفيذ تطبيقاتٍ تعلُّم آلة، غير ممكنة حاليًّا باستخدام المقارَبات التقليدية5.

ودائرة تشِن وزملائه أيضًا مستوحاة من الدماغ، وتختلف اختلافًا كبيرًا عن الدوائر الكهربية التقليدية. فعادةً، يتدفق التيار الكهربي عبر الدوائر كما يتدفق الماء في النهر. وإذا أصبح النهر ضحلًا للغاية إلى درجة تَحَوُّله إلى مجموعةٍ من البِرَك الصغيرة، فعندئذ يعجز الماء عن التدفق، نظرًا إلى انعزال البِرَك عن بعضها البعض بفعل الحواجز التي يُشَكِّلها قاع النهر.

ورغم أنَّ الحواجز بين بِرَك المياه في النهر تكون واسعةً جدًّا، بحيث يتعذَّر على جزيئات الماء القفز من بِرْكةٍ إلى أخرى، فإنَّ الأمر يختلف بالنسبة إلى الشحنات الكهربية في "بِرَك الشحنات"، التي تفصل بينها مسافاتٌ نانوية. وتستخدم أدواتٌ مثل مجاهر المسح النفقي الحساسية العالية لعملية قفزٍ تُعرف باسم «الانتقال النفقي الميكانيكي الكمي»، لتُصوِّر عادةً سماتٍ في صِغَر الذرات المفردة على سطوح المواد.6وتُعَد أيضًا ظاهرة الانتقال النفقي هذه جوهر تقنيات الحوسبة الكمية، التي حققت تطوراتٍ مذهلة خلال العقد الماضي7.

وقد تَمَكَّن بعض مؤلفي هذا البحث في دراسةٍ سابقة8 من إنتاج بِرَكٍ منعزلة من الشحنات، وذلك من مجموعةٍ من جسيمات الذهب النانوية، المُرسَّبة عشوائيًّا على سطحٍ من السيليكون، التي توجد بينها جزيئاتٌ عازلة. واستُخدمت هذه البِرَك لصنع دوائر تُجْرِي عملياتٍ حسابية تقليدية، وليس العمليات الحسابية لتقنيات تعلُّم الآلة، وفكرة هذه البِرَك هي جوهر تصميم دائرة تشِن وزملائه (الشكل 1.أ)، إذ يجري إدخال المعلومات في هذه الدائرة من خلال جهودٍ كهربية، تُعرَّض لها الدائرة باستخدام أسلاكٍ عادية. وتستطيع المجالات الكهربية الناجمة عن هذه الأسلاك تحديد ما إذا كان يمكن للشحنات القفز بين البِرَك المتجاورة، أم لا. وبالتالي، يمكن لتلك المجالات تعديل مسار قفز الشحنات الكهربائية عبر الدائرة (الشكل 1.ب). وتتحدَّد مُخرَجَات الدائرة حسب ما إذا كان التيار الكهربي يتدفق عبر سلكٍ معيَّن آخر، أم لا.

الشكل 1 | دائرة غير تقليدية لتقنيات تعلُّم الآلة. أ:يقدم تشِن وزملاؤه3دائرةً كهربيةتقفز فيهاالشحنة بين "بٍرَك" من الشحنات، مرسبة على مادة أساس.ويُضبط عمل الدائرة عن طريق تعريض أسلاكتحكم لجهودٍ كهربية. وتصل المُدخلات إلى الدائرة من خلال تمرير جهودٍ كهربية في أسلاك المدخلات،ويُحدّد مُخرَج الدائرة بما إذا تدفقت الشحنات عبر سلك المخرجات، أم لا.ب: تُعدِّل أسلاك التحكم مناطق الدائرة التي يمكن أن تقفز فيها الشحنة، ومن ثم تحددمساراتالقفزالممكنة. ويوضح الشكل هنا مثالًا على التأثير الناتج عن تغيير جهد أحد سلوك التحكم. ويستخدم الباحثون دائرتهم هذه لأداء عملياتٍ أساسية من العمليات التي تنفّذها تقنيات تعلُّم الآلة.

الشكل 1 | دائرة غير تقليدية لتقنيات تعلُّم الآلة. أ:يقدم تشِن وزملاؤه3دائرةً كهربيةتقفز فيهاالشحنة بين "بٍرَك" من الشحنات، مرسبة على مادة أساس.ويُضبط عمل الدائرة عن طريق تعريض أسلاكتحكم لجهودٍ كهربية. وتصل المُدخلات إلى الدائرة من خلال تمرير جهودٍ كهربية في أسلاك المدخلات،ويُحدّد مُخرَج الدائرة بما إذا تدفقت الشحنات عبر سلك المخرجات، أم لا.ب: تُعدِّل أسلاك التحكم مناطق الدائرة التي يمكن أن تقفز فيها الشحنة، ومن ثم تحددمساراتالقفزالممكنة. ويوضح الشكل هنا مثالًا على التأثير الناتج عن تغيير جهد أحد سلوك التحكم. ويستخدم الباحثون دائرتهم هذه لأداء عملياتٍ أساسية من العمليات التي تنفّذها تقنيات تعلُّم الآلة.

كبر الصورة

© Replace me

ونظرًا إلى أنَّ بِرَك الشحنات موزَّعة عشوائيًّا، فقد يبدو توقُّع سلوك مثل هذه الدائرة مستحيلًا، لكنَّ الحساسية العالية لظاهرة الانتقال النفقي تتيح بدرجةٍ كبيرة تعديل سلوك الدائرة، باستخدام أسلاك تحكم مختلفة. ورغم أنَّ سلوك الدائرة لا يمكن توقعه بسهولةٍ أيضًا في هذه الحالة، فقد أظهرت الدراسة السابقة إمكانية التوصل بصورة موثوقة إلى تشكيلاتٍ في الدائرة تنفذ عملياتٍ منطقية ذات مُدخَلين، مثل الإشارة إلى استشعار أحد المُدخَلين على الأقل، أو كليهما (تُعرَف العملية الأولى بعملية بوابة «اختيار»، (OR gate)، والثانية بعملية بوابة «اقتران»، (AND gate) في المنطق الثنائي).

ورغم أنَّ هذه الدوائر السابقة لم تُؤدّ أيًّا من عمليات تقنيات تعلُّم الآلة، استخدم الباحثون بالفعل خوارزمية من خوارزميات تعلُّم الآلة؛ لتحديد معاملات التحكم اللازمة لجعل الدوائر تؤدي عملياتٍ مختلفة. وهذه الخوارزمية مستوحاة من عملية التطوُّر البيولوجي، إذ تبدأ بمجموعةٍ عشوائية من معاملات التحكم، وتستخدم فقط أفضل النتائج الواعدة "لتوليد" مجموعةٍ جديدة من معاملات التحكم في العمليات التالية. وكانت الدراسة السابقة دراسةً رائدة، لأنَّها أثبتت أنَّه من الممكن إعادة برمجة دائرة مفردة في مكانها لأداء أي عمليةٍ منطقية ذات مدخلين، وذلك بمجرد تغيير الجهود التي تتعرض لها خمسة أسلاك تحكُّم.

أمَّا في هذا البحث، فقد طوّر تشِن وزملاؤه هذه الفكرة الأساسية بدرجة كبيرة، عن طريق التغلب على بعض جوانب القصور الرئيسة فيها، واستخدام الدوائر لأداء عمليات الذكاء الاصطناعي. فقد توصَّل الباحثون –في المقام الأول- إلى طريقةٍ لإنشاء بِرَك الشحنات مباشرةً في السيليكون، عن طريق الترسيب العشوائي لذراتٍ تمنح كمياتٍ ضئيلة من الشحنات للسيليكون نفسه. وهذه الطريقة تجعل الدوائر أكثر قابلية للتصنيع على نطاقٍ أوسع مما كانت في السابق، وتزيد إمكانية توافقها مع الجيل الحالي من الإلكترونيات، الذي يعتمد –في الأساس- أيضًا على السيليكون. ثانيًا، في هذا النظام المادي الجديد، تمكَّن الباحثون من زيادة درجات الحرارة القصوى التي تتحكم عندها ظاهرة القفز في تدفق الشحنات الكهربية عبر الدوائر، والتي تصبح بالتالي عندها العملية الحوسبية المطلوبة قابلةً للتنفيذ، إذ وصلوا بدرجات الحرارة هذه إلى درجة حرارة الغرفة، بعد أن كانت لا تتجاوز الصفر المطلق، إلَّا بقَدْرٍ بسيط للغاية.

ولإثبات تزايُد قدرات هذه الأجهزة، طوَّر تشِن وزملاؤه دوائر تستطيع تصنيف جميع المجموعات الست عشرة التي يمكن أن تكوِّنها أربعة مدخلات من الأرقام الثنائية (0000، 0001، ...، 1111، حيث يمثل الصفر انعدام المدخل عند سلكٍ معين، في حين يمثل الواحد وجود مُدخل عند السلك). وأمكن إجراء عملية التصنيف هذه حتى مع تخفيض عدد جهود التحكم من خمسة إلى ثلاثة.

بعد ذلك.. أدمج المؤلفون هذه الدائرة القائمة على السيليكون، القادرة على أداء مهمة تصنيف رباعية المدخلات، في نظام ذكاءٍ اصطناعي أكثر تعقيدًا، ينفذ مهمة تصنيف مجموعةٍ معيارية من الصور البيضاء والسوداء لأرقامٍ مكتوبة بخط اليد، مُكوَّدة في صورة مصفوفةٍ من البكسِلات تتألف من 28 عمودًا، و28 صفًّا، وقيمة كل بكسل فيها إما صفر (أبيض)، أو واحد (أسود)، (انظر الشكل 4 في الورقة البحثية3). ولأداء مهمة التصنيف، قسَّم تشِن وزملاؤه المصفوفة الأصلية إلى مجموعاتٍ من البكسِلات المتجاورة، يتكون كلٌّ منها من أربعة بكسِلات من عمودين وصفين، وغذَّوا الأسلاك الخاصة بالمدخلات في دائرة التصنيف رباعية المدخلات بقيم كل أربعة بكسِلات في كل مجموعة. وضبط الباحثون بعد ذلك أسلاك التحكم؛ لأداء مهمة التصنيف لكلٍّ من المجموعات الست عشرة الممكنة للمُدخلات الأربعة، ومرروا جميع المُخرجات الستة عشر لكل مجموعة مكونة من أربعة بكسلات في خوارزمية من خوارزميات تعلُّم الآلة تعمل على حاسوبٍ تقليدي، فتعرَّفت الخوارزمية على الرقم في الصورة الكاملة لمجموعة الأرقام.

وتتميز دوائر التصنيف التي طوَّرها تشِن وزملاؤه –بطبيعتها- بإمكانية توسعة نطاق استخدامها. ويمكن تشغيل دوائر تصنيف مفردة معًا على التوازي، دون أي تعارضٍ بينها، بيد أنه فى الشكل الحالي من الدوائر، تحُد الإعدادات المستخدَمة لإجراء عمليات القياس المطلوبة من السرعة التي يمكن تشغيل دائرة التصنيف بها، وبالتالي من كفاءة استهلاك الطاقة. ويقترح الباحثون طرقًا بديلة، يمكن بها إجراء عمليات القياس تلك، لتحسين السرعة وكفاءة استهلاك الطاقة في الدوائر بدرجةٍ كبيرة. وإثبات إمكانية تنفيذ هذه التحسينات سيصبح حاسمًا، إذا كان لهذه التصاميم أن تخرج من مختبرات البحوث إلى حيز التطبيق في العالَم الحقيقي.

ونظرًا إلى صعوبة محاكاة التوزيع العشوائي لبِرَك الشحنات في كلٍّ من التصميمَين؛ السابق، والحالي للدائرة، تُعَد حساسية الدائرة المرتفعة لجهود التحكم ضرورية لتطوير مجموعةٍ من معاملات التحكم بعد تصنيع الدائرة. ورغم أنَّ انعدام الحاجة إلى تحديد مواضع بِرَك الشحنات بدقة يجعل تصنيع الدوائر أسهل، فإنّ أداءها ربما يُمكن تعزيزه من خلال وجود ترتيباتٍ محددة مسبقًا لذرات الشوائب المفردة التي تمنح السيليكون الشحنات9، وتتسم بالدقة من ناحية مواضع تلك الذرات. ويمكن أن تشمل هذه التحسينات إمكانية استخدام معاملات التحكم نفسها في أجهزةٍ مختلفة، وتحسين دقة العمليات التي تنفذها الدوائر في درجات الحرارة الأعلى، وخفض استهلاكها للطاقة.

References

  1. Silver, D. et al. Nature 529, 484–489 (2016). | article
  2. Liu, X. et al. Lancet Dig. Health 1, e271–e297 (2019).| article
  3. Chen, T. et al. Nature 577, 341–345 (2020).| article
  4. Merolla, P. A. et al. Science 345, 668–673 (2014).| article
  5. Day, A., Wynn, A. & Golden, E. APS March Meet. 2020 abstr. L48.00008 (2020); go.nature.com/2ti4zt1
  6. Binnig, G., Rohrer, H., Gerber, Ch. & Weibel, E. Phys. Rev. Lett. 50, 120–123 (1983). | article
  7. Arute, F. et al. Nature 574, 505–510 (2019).| article
  8. Bose, S. K. et al. Nature Nanotechnol. 10, 1048–1052 (2015).| article

  9. Schofield, S. R. et al. Phys. Rev. Lett. 91, 136104 (2003). | article

سايروس إف. هيرجيبيدين يعمل ضمن مجموعة علوم المعلومات الكمِّية والأنظمة النانوية المتكاملة في مختبر لينكولن في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، في ليكسنجتون، ماساتشوستس 02421، الولايات المتحدة الأمريكية البريد الإلكتروني cyrus.hirjibehedin@ll.mit.edu