موجزات مهنية

أسرار صياغة مقترحات بحثية تحصد المِنَح التمويلية

علماء مخضرمون يكشفون أسرارًا لتجنُّب الوقوع في الأخطاء عند التقدم للحصول على منح بحثية تمويلية.

إيميلي زون
  • Published online:
عالمة الحفاظ على البيئة إرين جيكوب (جهة اليمين) أثناء إجراء بحث ميدانيّ مع زميل لها في مقاطعة كولومبيا البريطانية بكندا. عام 2018.

عالمة الحفاظ على البيئة إرين جيكوب (جهة اليمين) أثناء إجراء بحث ميدانيّ مع زميل لها في مقاطعة كولومبيا البريطانية بكندا. عام 2018.

Tristan Brand

تتطرّق كايلي بول عادةً في بداية ورشات العمل التي تقدِّمها حول كتابة طلبات الحصول على المنح إلى خبراتها الشخصية مع النجاح والفشل في الحصول على التمويلات على مدار حياتها المهنية.  وتقول، على سبيل المثال: "فلنقل إنني نجحت في اجتذاب مِنَح تمويلية، تزيد قيمتها على 25 مليون دولار، وحظيت بالتمويل في أكثر من 60 منحة تنافسية، لكنّ ضِعْف هذا العدد من المنح التي قدَّمْتُها قوبل بالرفض. وفي أحيان كثيرة.. يجد العديد من الباحثين في مقتبل حياتهم المهنية صعوبةً شديدة في تقبّل ذلك الرفض، لكنني أعتقد أن المرء يتعلم الكثير من المنح المرفوضة".

تُعَد كتابة مقترحات بحثية للحصول على المنح أحد المتطلبات الوظيفية للعلماء الباحثين، الذين يحتاجون إلى تمويل مشروعاتهم عامًا تلو الآخر. ومعظم المقترحات يُرفَض في نهاية المطاف، لكن تلك العثرات تمنح الباحثين فرصةً لتعلم طريقة الحصول على فرص أخرى، وصياغة مقترحات أفضل، والتعامل مع أنظمة تقديم المنح بصورة أفضل. وتقول بول -التي تدير ورشات عمل إلى جانب عملها كعالمة متخصصة في علم السلوك بجامعة ديكن في ميلبورن بأستراليا- إن تكريس وقتٍ للتعلّم من عثرات الآخرين ونجاحاتهم يمكن أن يساعد على تعزيز فرص الحصول على تمويل.  

ادرس متطلبات المنحة بعناية

صارت المنافَسة على المنح محتدمة أكثر من أي وقت مضى، فعلى سبيل المثال.. أًعلَن برنامج «هورايزون 2020» Horizon 2020، التابع للمفوضية الأوروبية -وهو أضخم برنامج للبحوث والابتكار أطلقه الاتحاد الأوروبي، وتقدَّر ميزانيته بقرابة 80 مليار يورو (89 مليار دولار)، خُصصت لتمويل الأبحاث بين عامي 2014، و2020- عن نجاح 14% من المقترحات البحثية في الحصول على منح في أول مائة دعوة أطلقها لتلقِّي هذه المقترحات، بل وكانت نسب النجاح في تقديم المقترحات البحثية تحت بعض الفئات أقل. ونشرت المفوضية الأوروبية أيضًا مقترحها لبرنامج «هورايزون يوروب» Horizon Europe، وهو برنامج بميزانية قدرها 100 مليار يورو، من المقرر أن يخلف برنامج «هورايزون 2020». أما في أستراليا، فقد موَّل المجلس الوطني للصحة والأبحاث الطبية أقل من 20% من المقترحات التي قُدِمَت له منذ عام 2017. وفي العام نفسه، تلقَّت مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية (NSF) 49,415 مقترحًا بحثيًّا، موَّلَت منهم 11,447، أي أقل من 25%. وهذا يعني عشرات الآلاف من المقترحات المرفوضة في عام واحد من مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية وحدها.

وحتى كون المرء عالِمًا مشهورًا لا يضمن قبول مقترحه البحثي. ففي اليوم نفسه الذي فازت فيه عالمة البيولوجيا الجزيئية كارول جرايدر بجائزة نوبل لعام 2009، علمت أن مقترحها الذي كانت قد قدمَته -في وقت قريب- للحصول على منحة قد قوبل بالرفض. وفي كلمتها التي ألقتها في حفل تخرُّج دفعة عام 2017 من مختبر «كولد سبرينج هاربور» في نيويورك قالت: "حتى في اليوم الذي تفوز فيه بجائزة نوبل، قد يتشكك البعض فيما إذا كنت تعرف حقًّا ما تفعله، أم لا".

ولزيادة فرص النجاح في الحصول على تمويل، يقترح العلماء إجراء بحث مكثف حول المنح المتاحة، وملاحظة الفروق في أنواع المشروعات التي تموِّلها مؤسسات التمويل المختلفة. وعلى سبيل المثال.. تميل المؤسسات الحكومية -مثل مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية- إلى الاهتمام بالعلوم الأساسية التي تتناول أسئلة مفاهيمية كبيرة، حسبما تقول ليزلي ريسلر، التي تعمل مديرة برامج منح في قسم البيولوجيا البيئية، التابع لمؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية بمدينة أليكساندريا في ولاية فيرجينيا. ومن ناحية أخرى.. فالمؤسسات الخاصة قد تُعطي أولوية لمشروعات توجِّه التغيّر الاجتماعي، أو ذات فوائد  عملية تتسق مع إحدى المهام المحددة لها.

الترويج للمقترح البحثي

تصفحت بول مؤخرًا أكثر من مائتي صفحة من المحتوى على الإنترنت، قبل أن تبدأ كتابة مقترح بحثي لها. وهي تنصح بقراءة المواصفات والإرشادات الخاصة بالمنحة التمويلية بعناية، قبل الشروع في تقديم طلب التمويل، فهذا المجهود قد يوفر وقتًا في نهاية المطاف؛ إذ يساعد الباحثين على اكتشاف المنح التي تناسبهم، وتلك التي لا تناسبهم. وتقول بول: "إذا لم تكن مستوفيًا تمامًا لما يبحث عنه مقدمو المنحة، فقد تكون كتابة طلب الحصول على المنحة مضيعة لوقتك".

ويقترح العلماء المخضرمون دراسة مقترحات جرى قبولها، يمكن الحصول عليها -في العادة- من الزملاء والمشرفين محل الثقة، وكذلك من مكتبات الجامعات، وقواعد البيانات الموجودة على الإنترنت. وعلى سبيل المثال.. يحتوي موقع إلكتروني يُسمَّى «أوبن جرانتس» Open Grants على أكثر من مائتي طلب حصول على منحة، بعضها نجح، والبعض الآخر لم يحقق نجاحًا، وهي متاحة للمطالعة المجانية.

Dr Louisa Wood

وتنصح أماندا ستانلي، المديرة التنفيذية لمنظمة «كومباس» COMPASS –وهي منظمة داعمة لعلماء البيئة، وغير هادفة إلى الربح، يقع مقرها في بورتلاند– كاتبي طلبات الحصول على منح بألّا يخشوا التواصل مع وكالات المنح، سواء عبر البريد الإلكتروني، أم الهاتف؛ لمناقشة اهتمامهم المحتمَل بأحد المشروعات. ومن الجدير بالذكر أن ستانلي عملت لستة أعوام مسؤولة برامج لدى مؤسسة «ويلبورفورس» Wilburforce في سياتل بواشنطن، وهي مؤسسة تدعم علوم الحفاظ على البيئة. وفي تلك المؤسسة، وفي مؤسسات خاصة أخرى، تبدأ عادةً عملية التقدم بطلب للحصول على منحة بـ«عرض مُقْنِع بسيط»، يستعرض بإيجاز المشروع. ويجب أن تغطي عملية العرض هذه عدة نقاط أساسية. تقول ستانلي: "عليك أن تطرح غايتك مما تحاول القيام به، وأهميته، ونبذة عنك، وعن الأشخاص الذين تتعاون معهم، وأن تفتح الباب لمزيد من التواصل". وتنوِّه ستانلي إلى أن المقترح الناجح يجب أن يتسق مع الأهداف الاستراتيجية للمؤسسة.

إنّ لكل مؤسسة إجراءاتها الخاصة، لكن الخطوات التالية عادة ما تتضمن محادثة هاتفية، وتقديم ملخص مكتوب، وأخيرًا.. دعوة للتقدم بطلب رسمي. تقول ستانلي: "بمجرد أن يوجه إليك مسؤول برنامج المنحة دعوةً للتقدم بمقترح بحثي، تصبح فرصك في الحصول على تمويل قوية جدًّا".

خطوات صياغة مقترح بحثي مكتوب

يجب أن يضع مقدم الطلب نفسه مكان مراجعي طلبات الحصول على منح، الذين قد يتعين عليهم قراءة عشرات الطلبات حول موضوعاتٍ معقدةٍ تقع خارج مجال تخصصهم، مع الموازنة في كثير من الأحيان بين ذلك، وبين العمل على أبحاثهم الشخصية.

تقول شيريل سمايث، مديرة برنامج المنح الدولية بمعهد بابراهام، وهو معهد علوم حياتية بكامبريدج في المملكة المتحدة: "تخيل أنك متعَب، ومتعكر المزاج، وتشعر بالجوع، وعليك مراجعة 50 طلبًا. فَكِّرْ كيف تستطيع، بوصفك مقدِّم طلب، أن تُسَهِّل على المراجعين مهمتهم قدر الإمكان".

يُعَد تنسيق كتابة الطلب عاملًا مهمًّا، حسبما ترى أرين جيكوب، العالمة المُتخصصة في الحفاظ على البيئة في «مبادرة الحفاظ على البيئة من يلوستون إلى يوكون« بكانمور في كندا. فمِنْ شأن استخدام المسافات البيضاء، وكتابة العناوين بخط عريض، وإدراج الرسوم التوضيحية أنْ يجعل المقترحات أسهل في القراءة. وحسبما تقول جيكوب، مُستطردة: "يميل الطلاب إلى حشر أكبر قدر ممكن من المعلومات، وأحيانًا ما يُشجَّعون على فعل ذلك، فيلجأون إلى كل أنواع الحيل للتلاعب بحجم الهامش، أو تصغير حجم الخط قليلًا، كي يتمكنوا من حشر جملة أخيرة ما. وقراءة ذلك مرهقة للمُراجع".

وتنصح بول بتجنب الأمور التي قد تكون سببًا حاسمًا لرفض الطلب، مثل الأخطاء الإملائية، والزلّات النحوية، والمقترحات الطويلة التي تتعدى حد الكلمات المسموح به. وحسبما تقول، فإن ذلك النوع من الأخطاء يمكن أن يلقي بظلال من الشك حول مدى تحري المتقدمين بالطلب للدقة في أبحاثهم. وتضيف بول أن وضع قائمة بالكلمات المفتاحية –الضرورية للفهارس ومحركات البحث– يجب ألا يكون مجرد فكرة ثانوية. وفي مقترح مشروع لبول كان معنيًا بالترويج لممارسة الأنشطة البدنية بين النساء، استخدمت وسم: «النساء»، لتوصيف المقترح البحثي. وكان هذا المصطلح فضفاضًا للغاية، وآل مقترحها إلى مُراجِعٍ، اتضح أن مجال تخصصه كان العلوم الاجتماعية والدراسات القائمة على النوع الاجتماعي، لا التمارين، أو التغذية. ولم يحصل المقترح على درجة جيّدة في جولة المراجعة تلك.

وتقول جيكوب إنّ على المتقدمين استخدام لغة واضحة، بدلًا من المصطلحات المتخصصة المعقدة، كي لا يفقد المُراجِع اهتمامه. وعندما يكون ذِكر التفاصيل الفنية ضروريًّا، أَتْبِع الجملة المعقدة بجملة تلخص الصورة العامة. من هنا، عندما تتأمل جيكوب مقترحاتها الأولى، تتذكر أنها كانت تحشوها بالكلمات، عوضًا عن الدخول مباشرة إلى صلب الموضوع. وتضيف قائلة: "كان هذا أشبه بأن تقول: أكتب هذا المقترح بهدف إجراء دراسة زمانية ومكانية لتَبايُن مساحات الغابات خلال تعافيها عقب عدة اضطرابات، بدلًا من: أريد أن أستكشِف ما يحدث عندما تُقطع الأشجار من الغابات، وتُحرق، وتُزرع، وتنمو مرة أخرى».

وتضيف ريسلر أنه يُسمح للمقترحات البحثية المقدَّمة للحصول على المنح أن تتضمن مساحة استعراض أكبر للذات، وأن تعتمد على التخمينات بشكل أكبر، مقارنة بالأوراق البحثية. فعلى حد قولها: "تتمحور المنافسة في المنح حول إقناع لجنة التحكيم بأنّ أفكارك مثيرة للاهتمام، وجديرة بالحصول على المنحة. وبإمكانك إطلاق تعميمات مطْلَقة حول الكيفية التي قد تُفيد بها أفكارك المُقترَحة العِلْمَ والمجتمع على المدى الطويل. أما الورقة البحثية، فتتسم بقواعد أكثر صرامة بكثير فيما يخص ما يمكنك أن تذكره، وما يجب عليك أن تذكره".

وتقول ستانلي إنّ الحصول على تدريب في مجال نشر العلوم يمكن أن يكون استراتيجية مجدية لتقوية مهارات كتابة مقترحات الحصول على منح. وتتذكر أنها عندما كانت تُراجِع خطابات لعرض جدوى بعض المقترحات البحثية المقدمة لدى مؤسسة خاصة، لم يتمكن العديد من العلماء من شرح أهمية أبحاثهم على أكمل وجه، لكنْ عندما تلقَّت مقترحات بحثية واضحة ومقْنِعة، كانت أكثر رغبةً في مساعدة أصحابها من العلماء في طرح أفكارهم على وكالات تمويل أخرى يمكن التقدّم إليها، إذا كانت مؤسستها غير مناسبة لهم. والعلماء الذين أرسلوا بطلبات حصول على المنح تتسم بقوة العرض -حتى وإنْ كانت غير ناجحة- كانت فرصهم أكبر في أنْ تموِّل المؤسسة مشروعاتهم التالية.

فن عرض المقترحات البحثية

لتحسين عرض المشروعات ومقترحاتها البحثية، توصي ستانلي بأنْ يَستخدِم العلماء أداة تَواصُل تتيحها منظمة «كومباس» بالمجان، تسمى «ماسيج بوكس وُورْكبُوك» Message Box Workbook، من شأنها أن تساعد على تحديد النقاط الأساسية، والإجابة عن سؤال جوهري بالنسبة لأي مُراجِع، وهو: «فماذا بعد؟». وبالإضافة إلى ذلك.. تقدِّم المؤتمرات العلمية غالبًا ندواتٍ أو جلساتٍ يحضرها الممولون، وتُقدَّم فيها نصائح مفيدة لصياغة طلبات الحصول على المنح. وقد يقدم مسؤولو استراتيجيات التطوير في المعاهد المساعَدة للعلماء في التواصل مع الممولين. وعن ذلك.. تقول ستانلي: "مسؤول استراتيجيات التطوير الماهر يساوي وزنه ذهبًا؛ فاحرص على أن تكسبه في صفّك".

تلقّت جيكوب تدريبًا في مجال نشر العلوم من خلال منظمة «كومباس»، ومنظمة «ذا ستوري كولايدر» The Story Collider (وهي مؤسسة مختصة بسرد الأنباء العلمية)، وكذلك من العديد من المؤسسات المشابِهة. وتعلمت كيف تتحدث عن عملها، كما لو كانت تحكي قصة. وأصبحت تذكر الآن تفاصيل شخصية في مقترحاتها ومقابلاتها (عندما تكون هذه التفاصيل ذات صلة)، حيث تشرح هذه التفاصيل المشكلات التي تريد أن تتطرق إليها، وسبب اختيارها التعبير عن آرائها بصراحة بخصوص موضوع الحفاظ على البيئة، وهو مثال على نوع الصراع، والحل، اللذين يُشكّلان قصة جيدة. وتشعر جيكوب أن ذلك النهج يلقى صدى في النفوس، فتقول: "من منظوري كمراجِعة، إذا كانت لديَّ كومة من المقترحات، أود أن أجد من بينها واحدًا يستهويني، فإنّ مثل هذا المقترح البحثي يعلق بالذهن بدرجة أكبر".

وتضيف بول أنّ التركيز بوضوح على نقاط بعينها قد يساعد على دفع المقترح البحثي إلى صدارة كومة المقترحات التي يختار من بينها المُراجِع. ففي واحدة من أُولَى المنح التمويلية الضخمة التي تقدمت للحصول عليها، عرضت مقترحًا بحثيًّا بجَمْع المعلومات حول العوامل الأساسية التي تمنع زيادة الوزن، وبتصميم برنامج لمحاربة السمنة، وتنفيذه. وعندما تسترجع تلك اللحظة، فإنها ترى أنها بالغت في عدد المقترحات التي قدمَتْها، نسبةً إلى الإطار الزمني الذي حددته المنحة، وهو عامان فقط. من هنا، لم تحصل على التمويل، وكان مفاد الآراء التي تلقّتها من المراجعين هو أن ذلك المقترح كان ليحقق نتائج أفضل في حال تقديمه في هيئة مقترحَين منفصلين. وعن ذلك.. تقول بول: "مِن المغري أنْ يرغب المرء في ادّعاء قدرته على حل تلك المشكلات الضخمة والصعبة والمعقدة في مشروع واحد، لكنْ من الناحية الواقعية لا يحدث هذا عادة".

إنّ التعاون مع آخرين قد يعزز بدوره من فرص نجاح طلب التمويل. ففي وقت سابق من هذا العام، حصلت بول على تمويلٍ لدراسة اقترحتها بالتعاون مع اختصاصيي تجارب إكلينيكية في مستشفى. وقدَّم التمويل برنامج أستراليا لأبحاث مرض السكري. وقد هدفت الدراسة إلى مساعدة المعوزين من مصابي مرض السكري من النوع الثاني على اتباع نظام غذائي صحي. أما في مقتبل مشوارها المهني، فكانت بول تصيغ طلبات الحصول على المنح، بناءً على أفكارها الشخصية، لا على مقترحات اختصاصيي التجارب الإكلينيكية، أو الشركاء الآخرين غير الأكاديميين، لكنها تقول إنها ركزت في دراستها تلك المرة على احتياجات العالَم الفعلية، بدلًا من التركيز على أفكارها هي. وبدلًا من توسيع نطاق دراستها، أبقت نطاقها صغيرًا وبسيطًا، وهو ما سمح لها باختبار صحة منهجيتها، قبل محاولة الحصول على تمويل يغطي التجارب الأضخم.

 وتضيف جيكوب أنّ الإقرار بأوجه قصور الدراسة، بدلًا من محاولة الوفاء بتوقعات موضوعة سلفًا يُعَد مقبولًا، بل يُنصح به أيضًا. ففي عام 2016، رُفض مقترَح بحثي لها حول دراسة التخطيط المكاني لتوزيع السكان والأنشطة البشرية على الساحل الغربي لكندا. وكانت الدراسة ستعتمد بشكل أساسي على معارف مجتمعات السكان الأصليين، بوصفها مصدرًا للمعلومات. وقد أعادت تقديم المقترح نفسه في العام التالي للمراجعين أنفسهم، لكنْ بمقاربة تنمّ عن ثقة وشفافية أكبر، إذ كانت صريحة بشأن رغبتها في أن تسلك مسارًا مختلفًا عن نوع الأبحاث التي جرَّب الباحثون إجراءها قبلًا. وتلك المرة، أوضحت أنها تريد أن تسمع لسكان المنطقة الأصليين، والاستدلال بأولوياتهم في بحثها. من هنا، حصلت على التمويل. وتستطرد جيكوب قائلة في ذلك الصدد: "رأيت أنني لو غيّرت مقترحي ليتماشى مع ما اعتقدت أن الممولين سيحبذونه، فقد لا يعبِّر هذا بدقة عن بحثي. أردتُ فحسب أن أكون واضحة للغاية بشأن ما أنا عليه، وبشأن ما أود فعله حقًّا، مع نفسي، ومع مَن يُجْرُون معي المقابلة".

ما يجب عليك تجنُّبه

تُعد صياغة مقترح بحثي مهمة صعبة، وكاتبو المقترحات البحثية المخضرمون يوصون بتخصيص كثير من الوقت لهذه المهمة، حيث توصي سمايث بتخصيص أسبوعٍ لكل صفحة من المقترح، منوهةً إلى أن بعض طلبات الحصول على المنح يتطلب عددًا قليلًا من الصفحات فحسب، في حين أن المقترحات التعاوُنية الضخمة للمشروعات التي تستغرق عدة سنوات يمكن أن تمتد لأكثر من مائة صفحة. تقول سمايث: "قد يستغرق الانتهاء من صياغة أحد هذه المقترحات شهورًا".

وحسبما ينصح الخبراء، فمن الضروري أن يتضمن الجدول الزمني لإعداد المقترح البحثي وقتًا لإعادة الصياغة والتنقيح والقراءة من قِبَل آخرين، مثل الأصدقاء، والزملاء، وأفراد العائلة. والعمل على المقترح حتى قبيل الموعد النهائي قد يُضيع أسابيع، أو حتى شهورًا من العمل الشاق. وعلى سبيل المثال.. ذات مرة، سلَّمَت جيكوب في اللحظة الأخيرة مسودةً مبدئيةً بطريق الخطأ، بدلًا من النسخة النهائية. وقد تضمنت أقسامًا مكتوبة بالخط العريض، ومميزة بالألوان، ضمت تعليقات مثل: "ملاحظة لنفسي: حَسِّني صياغة ذلك الجزء". وعليه، لم تحصل على تمويل لذلك المقترح، لكنها لم تكرر ذلك الخطأ مرة أخرى.

كما يجب إفساح مجال من الوقت قبل المنحة، تحسُّبًا للأعطال التقنية، على حد قول سمايث، التي تحكي أنها تلقّت ذات مرة مكالمةً من عالِم ينتمي إلى مؤسسة أخرى، تَمَلَّكه الذعر لأنّ حاسوبه قد تعطل، بينما كان يحاول تسليم مقترح بحثي للحصول على منحة قبل الموعد النهائي بنصف ساعة. وبالفعل، قَدَّمَت هي المقترح البحثي نيابةً عنه قبل الموعد النهائي بـ23 ثانية. وعن ذلك.. تقول: "كانت يدي ترتعش". ولم ينجح ذلك المقترَح في الحصول على منحة، ومع ذلك.. أرسل إليها العالِم زجاجة فاخرة من الشمبانيا بعدها.

إنّ صياغة مقترَح بحثي للحصول على إحدى المنح لا تنتهي بالضرورة عند تسليم هذا المقترح. فقد يستلم المتقدمون طلباتٍ بإعادة صياغة المقترح، أو بمعلومات إضافية. وقد يأتي الرفض أيضًا مصحوبًا بإفادة بالرأي. وإنْ لم يحدث ذلك، فبإمكان المتقدمين طلبه.

لويز نونيز دي أوليفيرا عالِم فيزياء بجامعة ساو باولو في البرازيل، ويعمل أيضًا منسق برامج مِنَح في مؤسسة ساو باولو البحثية، ويقابل أحيانًا أثناء عمله بذلك المنصب متقدمين يريدون معرفة المزيد من المعلومات حول مقترحاتهم المرفوضة. وعن ذلك، يقول: "نعكف على التحقق من سيرهم الذاتية، وحينها ندرك أنه كان لديهم الكثير من الأمور المثيرة للاهتمام ليقولوها عن أنفسهم، ولم يحظوا بفرصة قولها"، مضيفًا: "كل ما يتطلبه الأمر هو كتابة رسالة بريد إلكتروني، تطلب فيها مقابلة ]مع الجهة الممولة]".

وتوصي جيكوب بالانتباه إلى إفادات الرأي تلك، لصياغة مقترحات بحثية أفضل مستقبلًا. وقد قدمَتْ طلبًا للحصول على منحة من مجلس بحوث العلوم الطبيعية والهندسة الكندي (NSERC)، لتمويل برنامجها للحصول على الماجستير، بيد أنها لم تحصل عليها من المحاولة الأولى. وبعد أن بعثت رسالة بريد إلكتروني تطلب فيها إفادة بالرأي (أرسلتها إلى عنوان بريد إلكتروني مذكور في مكان غير واضح بالموقع الإلكتروني لمجلس بحوث العلوم الطبيعية والهندسة الكندي)، تمكنت من الاطلاع على نتائجها مصنفة حسب الفئة، وأظهرت أن بعض الدرجات السيئة التي حصلت عليها أثناء الدراسة في برنامج دراستها الجامعية كان العائق الذي حال دون حصولها على المنحة.

لم يكن هناك ما يمكنها فعله بشأن ماضيها، لكنّ معرفة تلك المعلومة دفعتها للعمل بجد أكبر على جوانب أخرى من طلبها. وبعد أن اكتسبت خبرة بحثية وميدانية أكبر، وأسهمت في تأليف ورقة بحثية، وأسست علاقات مع زملاء أكثر خبرةَ، بإمكانهم أن يضمنوا كفاءتها لو طُلب رأيهم، نجحت أخيرًا في الحصول على تمويل من مجلس بحوث العلوم الطبيعية والهندسة الكندي في ثالث محاولة لها، بعد عامين من أول رفْض حصلت عليه.

في ذلك الصدد.. تضيف ريسلر أنّ الإفادة بالرأي السلبي قد تكون إحدى أفضل تجارب التعلم. وقد احتفَظَت بأسوأ تقييم حصلت عليه، وهو نقد لاذع لمقترح بحثي بالحصول على منحة، قدمته إلى مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية في عام 2003، عندما كانت باحثة في مرحلة ما بعد الدكتوراة، تدرس جغرافيا الأنساب المُقارِنة. وهي تقول إن قراءة ذلك النقد كانت مؤلمة، إذ تَضَمَّن تعليقات تذكر أنّ طلبها غير مفهوم، ومليء بالتفاهات.

وبعد تلقِّي ريسلر لتلك الرسالة، التي تحتفظ بها مُكرمَشة على مكتبها، كي تُوَرِّثها للأجيال القادمة، اتصلت بأحد مسؤولي البرنامج القائم على المنحة؛ كي تعرف منه سبب سماحهم لها بالاطلاع على مثل ذلك النقد السلبي العنيف. وقيل لها إنّ كاتب تلك التعليقات النقدية كان حالة استثنائية، وإنّ اللجنة استقرت على التوصية بأنْ ينال مشروعها المنحة، التي حصلت عليها في نهاية الأمر. وعن ذلك.. تقول ريسلر، التي تقدِّم المساعدة الآن في اتخاذ القرارات النهائية بشأن تمويل علماء آخرين: "تعلمتُ أنّ على المرء أن يكون قويّ التحمل". وهي تشدد على أنه برغم تبايُن آراء المراجعين، إلا أن جميع المقترحات تخضع لمراجعة خبراء مستقلين، وتَتْبعها مناقشات لأعضاء اللجنة، وإشراف إضافي من مديري برنامج المنحة.

وعادةً ما تثير صياغة طلب الحصول على منحةٍالقلقَ بين العلماء في بداية حيواتهم المهنية، لكن الفرص متاحة لأولئك الذين يملكون استعدادًا لاستثمار الوقت في الابتكار، وتجاوز حالات الرفض والنقدالسلبي. تقول ريسلر: "لا يمكننا مراجعة مقترحات لم نستلمهامن الأصل".
إيميلي زون صحفية حرة، تقيم في مينيابوليس بولاية مينيسوتا.