تعليقات

فلنشرب مزيدًا من المياه المُعاد تدويرها

ليس هناك مجالٌ للاشمئزاز في مواجهة أزمة نقص المياه العالمية، الآخِذة في التفاقُم. وهناك ثلاث خطوات يمكنها -بدرجةٍ كبيرة- تحسين الانطباع العام عن المياه المُعاد تدويرها؛ لاستخدامها في الشرب.

سيسيليا تورتاهادا، وبيير فان رينسبِرج
  • Published online:
واحدةٌ من خمس محطات لإعادة تدوير المياه في سنغافورة، توفر معًا للبلاد حوالي 40% من المياه اللازمة للشرب، والاستخدامات الأخرى.

واحدةٌ من خمس محطات لإعادة تدوير المياه في سنغافورة، توفر معًا للبلاد حوالي 40% من المياه اللازمة للشرب، والاستخدامات الأخرى.

 Roslan Rahman/AFP/Getty

تتفاقم مع الوقت أزمة نقص المياه الصالحة للشرب. وعوامل النمو السكاني، والتلوث، والتغير المناخي تضطر مزيدًا من المدن إلى البحث عن موارد مائية غير تقليدية1. وفي عددٍ متزايد من البقاع، أصبح الخيار الأفضل هو شرب مياه الصرف المحلية الخاضعة لمعالجةٍ مكثفة، التي يُطلَق عليها اسم «المياه المُعاد تدويرها». وربما يكون شرب هذه المياه هو الخيار الوحيد في بعض الحالات (انظر: «ما هي المياه المُعاد تدويرها؟»).

غير أنَّ المخاوف بشأن المياه المُعاد تدويرها، التي غالبًا ما تزداد حدتها بسبب التغطية الإعلامية التي تثير ضجة في هذا الصدد، حالت دون تنفيذ مشروعات عدة، إذ يتخوف البعض من احتواء المياه المُعاد تدويرها على قدرٍ أكبر من مسببات الأمراض والمواد الكيميائية، مقارنةً بمياه الشرب المستمدة من البحيرات أو الأنهار، فيما يشعر آخرون بالاشمئزاز من فكرة استهلاك مياهٍ مرت عبر المراحيض والمصارف قبل معالجتها.

ويعيش حاليًّا مليارا شخص تقريبًا في بلدانٍ تعاني "شُحًّا شديدًا في المياه"، يقع معظمها في شمال أفريقيا، وغرب آسيا، ووسطها، وجنوبها2. ونظرًا إلى الزيادة المتوقعة في عدد سكان العالم، من 7.7 مليار شخص حاليًّا إلى عشرة مليارات في عام 2050، حيث تشير التقديرات إلى أنَّ 70% منهم سوف يعيشون في المناطق الحضرية، فمن المتوقع أن يرتفع الطلب على مياه الشرب المأمونة ارتفاعًا شديدًا.

ووفقًا لتقييمٍ أعدّته الأمم المتحدة في عام 2019، فمن المحتمل أن يزداد الطلب على المياه بصورةٍ عامة عن المعدل الحالي، بنسبةٍ تتراوح بين 20%، و30%، بدءًا من الوقت الحالي إلى عام 2050 3.

وبالتالي، يُعَد الحفاظ على المياه شديد الأهمية. ولذا.. هناك حاجة إلى تطوير البِنْية التحتية لإمداد المياه، وإدارتها على نحوٍ أفضل، وذلك عبر طرقٍ عديدة، تشمل استخدام أجهزة الاستشعار الذكية، وغيرها من التقنيات. ويمكن أيضًا للوسائل الاقتصادية تعزيز الاستخدام الرشيد للمياه، مثل تحديد السعر المناسب للماء. كما ينبغي تطبيق تشريعات؛ للحدّ من التلوث. ويجب أيضًا توعية جميع القطاعات -العامة منها، والخاصة- بأهمية توفير المياه، وكذلك توعية المجتمع على نطاقٍ أوسع.

ومن الأهمية بمكان بذل جهود لدراسة فوائد شرب المياه المُعاد تدويرها، ومخاطره، بما في ذلك الوسائل الممكنة لجعله مقبولًا أكثر لدى المستهلكين.

الانطباع العام

على مدار العقدين الماضيين، أدّت معارضة المواطنين إلى توقف عدة مشروعات، كانت تهدف إلى تزويد الناس بمياه الشرب المُعاد تدويرها.

ففي عام 2000 مثلًا، نشرت صحيفة «لوس أنجيليس ديلي نيوز» Los Angeles Daily News مقالًا بعنوان «استغلال مياه المرحاض»، حول مشروع »إعادة تدوير مياه الوادي الشرقي« East Valley Water Recycling project، الذي كان قد بدأ في وادي سان فرناندو بمدينة لوس أنجيليس في ولاية كاليفورنيا في عام 1995، فساورت سكان المنطقة مخاوف إزاء مدى أمان تلك المياه المعاد تدويرها، التي اعتقدوا أنَّها ستُخصَّص فقط لمَن يعيشون في المناطق منخفضة الدخل. وقد سيَّس المرشحون لمنصب العمدة ذلك المشروع. وفي نهاية المطاف، قررت إدارة المياه والطاقة في لوس أنجيليس -التي اقترحت المشروع- عدم تنفيذه. ومنذ ذلك الحين، تُستخدم المياه المُعاد تدويرها فقط لأغراض الري والصناعة4.

وفي مدينة كوينزلاند بأستراليا، نجح السكان في وقف مشروعٍ لإعادة استخدام المياه في مدينة توومبا في عام 2006، ومشروعٍ آخر كان يُعرف باسم «مشروع المرفأ الغربي لإعادة تدوير المياه» Western Corridor Recycled Water Scheme في جنوب شرق كوينزلاند في عام 2009، حتى حينما كانت البلاد تعاني أشد حالات الجفاف منذ بدء تسجيل بيانات المناخ.

ففي توومبا، صوَّت 62% من بين حوالي 95 ألف شخصٍ برفض المشروع، ورجع ذلك الموقف -بدرجة كبيرة- إلى المخاوف المتعلقة بمدى أمان المياه، والخوف من الأثر الضار المحتمَل للمشروع على الصناعات بالمنطقة، بما فيها السياحة، وتصنيع الأغذية، ومبيعات العقارات5. وقد بلغت تكلفة »مشروع المرفأ الغربي لإعادة تدوير المياه« 2.4 مليار دولار أسترالي (1.6 مليار دولار أمريكي). وكان المشروع يهدف إلى إنتاج ما يصل إلى 230 ألف متر مكعب من المياه يوميًّا، لتوفير حوالي 30% من احتياجات جنوب شرق كوينزلاند من إمدادات المياه، بيد أنه في عام 2009، بعد الضغط السياسي وانفراج أزمة الجفاف، تقرَّر ألَّا ينتج المشروع مياهًا مُعاد تدويرها صالحة للشرب، سوى عند انخفاض مخزون البحيرة الاصطناعية (التي كانت ستُخزَّن فيها المياه المُعاد تدويرها) إلى أقل من 40% من سعته الإجمالية6.

وهذا الشك الذي يساور الرأي العام تجاه أمان المياه له ما يبرره نوعًا ما. فعلى سبيل المثال.. ما زالت هناك مجتمعاتٌ في الولايات المتحدة وكندا تفتقر إلى مياه الشرب الآمنة، أغلبها من ذوي الدخل المنخفض والأقليات العرقية7. وفي عدة حالات، تبيَّن أنَّ مياه الشرب غير آمنة ليستخدمها السكان، كما حدث في مدينة فلينت بولاية ميشيجان في عام 2014، وفي عدة مدن بكندا في ذلك العام. وفي كل هذه الحالات، وُجِدَ أنَّ المياه تحتوي على تركيزاتٍ من مادة الرصاص أعلى من الحد الآمن الذي أقرّته السلطات التنظيمية. وفي شهر أكتوبر من العام الماضي، كشفت الاختبارات أنَّ ما يقرب من 300 بئر من آبار مياه الشرب، ومصادر مياه أخرى في كاليفورنيا تحتوي على آثارٍ من مواد كيميائية معروفة باسم «بير فلورو ألكايل»، و«بولي فلورو ألكايل»، تُسمَّى اختصارًا (PFASs)، وتربطها الأبحاث ببعض أنواع السرطان وغيرها من المشكلات الصحية.

هذا.. بينما تخضع مياه الشرب المُعاد تدويرها حاليًّا بالفعل لقواعد تنظيمية، وآليات متابعة وتقييم، وتدقيق أكثر صرامة، مقارنةً بمياه الشرب العادية.

ما هي المياه المُعاد تدويرها؟

المياه «المُعاد تدويرها» هي مياه صرف خاضعة لمعالجةٍ مكثفة.

في البلدان متوسطة الدخل وعاليته، تُجمَع -بصورةٍ عامة- مياه الصرف المحلية الناتجة عن استهلاك المنازل، والمتاجر، والشركات، باستثناء المصانع، ثم تُعالَج في محطات معالجة مياه الصرف الصحي، وبعدها تُصرَف في الأنهار والبحيرات، وغيرها من المسطحات المائية الطبيعية، ثم يُجمَع هذا «الماء الخام»، ويُعالَج مرةً أخرى، ليُستخدَم في البلدات والمدن الواقعة عند مصبّات هذه المسطحات المائية لأغراض الشرب، أو الزراعة، أو ريّ المسطحات الخضراء، أو العمليات الصناعية.

وهناك استراتيجيةٌ بديلة، وهي معالجة مياه الصرف المحلية معالجةً أكثر صرامة، بحيث يمكن استخدامها في الشرب. فبعد أن تمر المياه عبر محطة معالجة مياه الصرف الصحي، تُعالَج في محطةٍ ثانية (وأحيانًا ثالثة) باستخدام عمليات معالجة كيميائية وبيولوجية وفيزيائية متقدمة، ثم يُضَخ هذا الماء مباشرةً في نظام إمداد مياه الشرب، أو في النظم المائية الطبيعية (أي في الأنهار، أو البحيرات، أو طبقات المياه الجوفية، أو البحيرات الاصطناعية). وفي هذا السيناريو الأخير، تُسحَب المياه بعدها من النظام الطبيعي، ثم تُعالَج مرةً أخرى، وتُوَفَّر للناس ليستخدموها في الشرب، أو في غيره من الاستخدامات. وفي كلتا الحالتين، يُطلق على المياه الناتجة اسم المياه «المُعاد تدويرها»8.

وفي كثيرٍ من المناطق، تشكل مياه الصرف التي تُعالَج بالطريقة المعتادة (أي مرة واحدة فقط)، ثم تُصرَف في الأنهار نسبة متزايدة من المياه المتدفقة فيها15. ومع ذلك.. ما زالت السلطات تَعتبِر مثل هذه الأنهار "مصادر طبيعية للمياه العذبة". ونظرًا إلى أنَّ وسائل معالجة مياه مجاري تلك الأنهار ربما لا تتناسب مع الجودة الفعلية للماء الخام، فإنَّ هذا يشكل خطرًا صحيًّا متفاقمًا. وبالتالي، فإنَّ معالجة مياه الصرف وفقًا لمعايير أكثر صرامة في بيئةٍ خاضعة للرقابة، ثم إعادة استخدامها لأغراضٍ محددة، قد تكون استراتيجيةً أكثر منطقية، لأسبابٍ اقتصادية وصحية، على حد سواء.

تحسين الانطباع العام

هناك ثلاث خطواتٍ من شأنها تحسين الانطباع العام عن المياه المُعاد تدويرها.

إجراء المزيد من البحوث: تحتوي مياه الصرف على مئات الملوثات الكيميائية ومسببات الأمراض المعروفة، التي إنْ لم تُعالَج كما ينبغي؛ فقد تُسبِّب أمراضًا حادة ومزمنة خطيرة، مثل الكوليرا، أو التيفود. وتُطرَح باستمرار في السوق مواد كيميائية جديدة، فضلًا عن اكتشاف سلالاتٍ جديدة من البكتيريا والفيروسات. من هنا.. ينبغي على الباحثين في الجامعات، والعاملين في شركات مرافق المياه دراسة أي مخاطر ناشئة عن إعادة استخدام تلك المياه، وتقدير تلك المخاطر، والحدّ من آثارها بفاعلية، بالإضافة إلى الاستمرار في تقييم فوائد المياه المُعاد تدويرها، وتكلفة استخدامها فيما يخص صحة البشر، والبيئة.

وينبغي أيضًا إجراء فحوص تتكرر يوميًّا أو أكثر8، لمتابعة نِسَب مسببات الأمراض والمواد الكيميائية في المياه باستمرار، وذلك بغرض حماية الأفراد من أي مشكلاتٍ محتملة9، خاصةً مع تحسُّن دقة تقنيات الكشف عن تلك المواد، وتزايد يُسر تكلفتها، وسهولة الحصول عليها. وكما أنه من المهم رصد المخاطر الشديدة الناتجة عن التعرض للمواد الكيميائية السامة لمرةٍ واحدة فقط10، من المهم أيضًا -بالقدر ذاته- رصد مخاطر الإصابة بالأمراض المزمنة، نتيجة التعرض طويل المدى لمستوياتٍ منخفضة من تلك المواد الكيميائية.

وفي البلدان متوسطة الدخل وعاليته، يجب لمياه الشرب، سواءٌ أكانت مياهًا مُعاد تدويرها، أم لا، أن تستوفي المعايير الصحية الوطنية، والإقليمية، والمحلية المتعلقة بنِسَب مسببات الأمراض، والمواد الكيميائية، وأي أنواعٍ أخرى من الملوِّثات⁸ (أو أي معايير أخرى مطبَّقة). وحتى الآن، تمكنت إدارات المياه في المدن التي تَستخدِم المياه المُعاد تدويرها من استيفاء هذه المعايير، من خلال استخدام مقارَبة المعالجة متعددة الحواجز، التي تستهدف جميع الملوثات، من المواد الكيميائية إلى الميكروبية، عبر المتابعة الآنية لنِسَب الميكروبات والكيماويات، فضلًا عن استخدام استراتيجياتٍ مختلفة لإدارة المخاطر طوال مرحلتَي المعالجة، والتوزيع11،12.

تحسين جهود التوعية العامة: ينبغي لشركات مَرافق المياه تطوير استراتيجياتٍ أكثر شمولًا فيما يتعلق بجهود نشر المعلومات، وتقديم الاستشارات العامة، والتثقيف، والمشاركة.

وتجب الإشارة إلى أنَّ المشاركة المجتمعية ليست وسيلةً لإقناع الجمهور بضرورة المضيّ قدمًا في مشروعاتٍ معينة، ولا يجب أن يُنظر إليها أبدًا على أنها كذلك، وإنَّما ينبغي أن يكون هدفها توفير منابر، يمكن من خلالها الاستماع إلى مخاوف الناس؛ ومعالجتها مبكرًا، حتى لو عنى ذلك تعديل خطط المشروعات.

ويمكن لبعض المشروعات الناجحة أن توفر لنا نموذجًا يُحتذى به في هذا الصدد. ففي التسعينيات -على سبيل المثال- خططت مدينة سان دييجو في كاليفورنيا لتنفيذ مشروعٍ لإعادة تدوير المياه، بغرض تقليل اعتمادها على نقل المياه من نهر كولورادو، وغيره من المصادر. وقد حظي المشروع بدعم شعبي في البداية، لكنّ هذا الدعم تَراجَع لأسبابٍ مختلفة، منها التناقضات في المعلومات التي وفَّرَتها لجان الخبراء حول مدى أمان المياه المُعاد تدويرها. ونتيجة استخدام وسائل الإعلام لبعض المصطلحات في تغطيتها للمشروع -مثل «مِن المرحاض إلى الصنبور»، و«مشروب من الصرف الصحي»- بالإضافة إلى الادعاءات بأنَّ المياه المُعاد تدويرها ستُخصَّص فقط للمجتمعات منخفضة الدخل، بلغت المقاومة الشعبية للمشروع درجةً اضطرت مجلس المدينة إلى تحويله إلى مشروعٍ للمياه غير الصالحة للشرب في عام193313.

وظلّت سان دييجو بحاجة إلى المزيد من مياه الشرب. ولذلك.. قررت هيئة المَرافق العامة في عام 2004 وضع استراتيجياتٍ أكثر شمولًا؛ لتوعية السكان وتثقيفهم. وتضمنت مجموعة المقاربات التي انتهجتها الهيئة استطلاعًا للرأي عبر الإنترنت والهاتف، وأبحاثًا شاركت فيها مجموعاتٍ نقاش، فضلًا عن إتاحة الفرص لموظفي المدينة لمناقشة المشروع مع منظمات الخدمات التطوعية في سان دييجو وغيرها، وتخصيص موقعٍ إلكتروني لتوفير المعلومات.

وقد أثمرت هذه الجهود.. ففي عام 2004، وافق 26% فقط ممن شملهم الاستطلاع على إعادة تدوير المياه، لكنْ بحلول عام 2012، زادت نسبة الموافِقِين إلى 73%. ووافقت المدينة في عام 2013 على تنفيذ مشروع «مياه نقية لسان دييجو» Pure Water San Diego14. ومن المتوقع لهذا المشروع أن ينتِج حوالي 114 ألف مترٍ مكعب من مياه الشرب يوميًّا بحلول عام 2023، وأن يوفر ثلث احتياجات المدينة من المياه بحلول عام 2035.

تنفيذ المشروعات حيث توجد حاجةٌ ماسَّة إليها: ينبغي لشركات مَرافق المياه المختصةِ البدء في تنفيذ مشروعات إعادة تدوير المياه في الأماكن التي تشتد فيها الحاجة إليها. وستحتاج هذه المشروعات إلى توفُّر القدر الكافي من المعرفة، والخبرات الفنية، والموظفين، والإمكانات المالية، فضلًا عن تنفيذها في المدن التي تطبِّق قواعد صارمة فيما يتعلق بجودة المياه. وبمجرد أن يثبت كلٌّ من أمان هذه المشروعات، وفاعليتها في المناطق عالية المخاطر، سيدعم سكان المناطق الأخرى -على الأرجح- مشروعاتٍ مماثلة.

مفاتيح النجاح

مفتاح نجاح هذه الاستراتيجيات هو إشراك جميع أصحاب المصالح المعنيين باستمرار، من رؤساء بلديات المدن إلى الحكومات الوطنية، ومن الشركات والمجالس الصحية والطبية المحلية إلى المنظمات المجتمعية والبيئية، والزعماء الدينيين، ووسائل الإعلام.

وهناك ما لا يقل عن ثلاثة مراكز اقتصادية مهمة لم تكن لتصل إلى ما هي عليه اليوم، دون استخدام المياه المُعاد تدويرها في الشرب، وهي سنغافورة، ومدينة فيندهوك في ناميبيا، ومقاطعة أورانج كاونتي في ولاية كاليفورنيا الأمريكية (انظر: «ثلاث قصص نجاح»). وفي الواقع، لولا مشروعات إعادة تدوير المياه، التي نفذتها هذه المدن، ربما كانت جهود التنمية الاجتماعية الاقتصادية ستتعرض لضرر جسيم، بسبب الحصص المائية التي كان السكان سيُلزَمون بالتقيد بها على الأرجح. وبالإضافة إلى ذلك.. يمكن للمياه المُعاد تدويرها أن تفيد الجداول، والأنهار، والبحيرات، والأراضي الرطبة، وطبقات المياه الجوفية. ويرجع ذلك -جزئيًّا- إلى أنَّ المياه الزائدة الناتجة عن مثل هذه المشروعات، التي تُعاد إلى النظم الطبيعية، أفضل جودةً من مياه الصرف المُعالَجة العادية⁸.

 

ثلاث قصص نجاح

اضطر سكان سنغافورة، ومدينة فيندهوك في ناميبيا، ومقاطعة أورانج كاونتي في كاليفورنيا للبدء في شرب المياه المُعاد تدويرها.

ويُذكر أنه نظرًا إلى وقوع مدينة فيندهوك في بيئةٍ قاحلة، أو شبه قاحلة، لا يتوفر فيها إلا القليل من الموارد من المسطحات المائية، أصبحت المدينة في عام 1968 أول مدينةٍ تُوفِّر لسكانها مياه شرب من المياه المُعاد تدويرها. وتنتج حاليًّا محطة جوريانجاب لإعادة تدوير المياه حوالي 24% من مياه الشرب في فيندهوك (21 ألف متر مكعب يوميًّا)16. وخلال فترة الجفاف التي عاشتها المدينة من عام 2014 إلى 2016، لم تكن الإمدادات من البحيرات الاصطناعية القريبة تلبي سوى 10% فقط من الطلب على المياه، بدلًا من النسبة المتوقعة التي تصل إلى 75%، فأسهمت حينها المياه المُعاد تدويرها -التي تنتجها محطة جوريانجاب- في توفير نسبةٍ تصل إلى 30% من إجمالي إمدادات المياه في المدينة.

أما نظام مقاطعة أورانج كاونتي لإعادة تغذية طبقات المياه الجوفية بالماء، الذي يُستخدَم منذ عام 2008، فقد أصبح أكبر منشأة لإعادة تدوير المياه في العالم، حيث تنتج 379 ألف متر مكعب من المياه الصالحة للشرب كل يوم. ويحظى المشروع بقبولٍ واسع، ويرجع ذلك -جزئيًّا- إلى أنَّ شركة مَرافق المياه بالمقاطعة، التي تُعرف باسم «مديرية مياه أورانج كاونتي» Orange County Water District، جعلت المشارَكة المجتمعية وإمداد الجمهور بالمعلومات من البداية في صدارة أولوياتها.

وهناك أيضًا سنغافورة، إذ أمضى البلد الآسيوي عقودًا يخطط لمشروعٍ لإعادة استخدام المياه، يُطلق عليه الآن اسم «إن إي ووتر» NEWater. وبحلول وقت إطلاق المشروع في عام 2003، كانت قد بُذلت بالفعل جهودٌ إعلامية إرشادية شاملة لتثقيف الأفراد بشأن أمان المياه، وإمكانية الاعتماد عليها على المدى الطويل، شاركت فيها الحكومة، وصناع القرار الآخرون. واليوم، يوفر مشروع «إن إي ووتر» حوالي 40% من المياه الصالحة للشرب، وغير الصالحة للشرب في سنغافورة. وإذا سارت الأمور وفق الخطة الموضوعة، فسوف يلبي المشروع بحلول عام 2060 نسبة قوامها 55% من احتياجات المدينة من المياه17. ويدرك معظم سكان سنغافورة أنَّ دولتهم المستقلة -الواقعة على جزيرةٍ تعاني نقصًا في المياه- هي أصغر مِنْ أن تخزِّن الأمطار التي تسقط عليها. وهم يُقدِّرون أهمية مشروع «إن إي ووتر». وفي العيد الوطني لسنغافورة كل عام (يوم 9 أغسطس)، يُمنح آلافٌ من حاضري الاحتفالات بالعيد زجاجاتٍ من مياه مشروع «إن إي ووتر»، ويشربونها دون قلق.

References

  1. World Health Organization. Potable Reuse: Guidance for Producing Safe Drinking-Water (WHO, 2017).  | article
  2. United Nations. Sustainable Development Goal 6: Synthesis Report 2018 on Water and Sanitation (United Nations, 2018). | article
  3. UNESCO. Leaving No One Behind: The United Nations World Water Development Report 2019 (UNESCO, 2019). | article
  4. US Bureau of Reclamation. Recycled Water Project Implementation Strategies. Technical Memorandum (US Department of the Interior & CH2MHILL, 2004). | article
  5. Hurlimann, A. & Dolnicar, S. Water Res. 44, 287–297 (2010). | article
  6. Australian Academy of Technological Sciences and Engineering. Drinking Water Through Recycling: The Benefits and Costs of Supplying Direct to the Distribution System (ATSE, 2013). | article
  7. Patel, A. I. & Schmidt, L. A. Am. J. Public Health 107, 1354–1356 (2017).. | article
  8. US Environmental Protection Agency & CDM Smith. 2017 Potable Reuse Compendium [EPA-CDM CRADA 844-15] (EPA, 2017). | article
  9. US Environmental Protection Agency Office of Water. Draft Framework for a Water Reuse Action Plan (EPA, 2019). | article
  10. US National Research Council. Water Reuse: Potential for Expanding the Nation’s Water Supply through Reuse of Municipal Wastewater (National Academy of Sciences, 2012). | article
  11. Water Research Foundation. Assessment of Techniques to Evaluate and Demonstrate the Safety of Water from Direct Potable Reuse Treatment Facilities [Web Report #4508] (Water Research Foundation, 2016). | article
  12. WateReuse Research Foundation. Framework for Direct Potable Reuse (WateReuse Research Foundation, 2015). | article
  13. Brouwer, S., Maas, T., Smith, H. & Frinjs, J. D5.2 Trust in Water Reuse: Review Report on International Experiences in Public Involvement and Stakeholder Collaboration [DEMOWARE Project D5.2] (KWR Watercycle Research Institute, 2015). | article
  14. The City of San Diego. Report to the City Council (City of San Diego, 2013). | article
  15. Rice, J., Wutich, A. & Westerhoff, P. Environ. Sci. Technol. 47, 11099–11105 (2013). | article

  16. van Rensburg, P. Int. J. Water Resour. D 32, 622–636 (2016).| article
  17. Tortajada, C. & Nambiar, S. Water 11, 251 (2019).| article

سيسيليا تورتاهادا باحثة وزميلة أولى في معهد السياسات المائية بكلية لي كوان يو للسياسات العامة في جامعة سنغافورة الوطنية بسنغافورة. وبيير فان رينسبِرج هو المدير التنفيذي الاستراتيجي للتخطيط العمراني وتخطيط النقل في إدارة التخطيط العمراني وتخطيط النقل بمدينة فيندهوك في ناميبيا.

البريد الإلكتروني لكل منهما:

 cecilia.tortajada@nus.edu.sg

pierre.vanrensburg@windhoekcc.org.na