رؤية كونية

في مَدْح مكتشفي الأخطاء

ليكن عام 2020 عامًا نحتفي فيه بجهود أولئك الذين يحفظون للعِلْم قدرته على التصحيح الذاتي.

سيميني فازيري

  • Published online:

GEOFF MACDONALD

تلقيتُ خلال الشهر الماضي رسالةً خاصةً على حسابي على موقع «تويتر» من باحث في مرحلة ما بعد الدكتوراة، كان قد تضرر من الصِّدام بين العِلْم كما هو في الواقع، وما يُفترض فيه أن يكون. وما حدث هو أنّ هذا الباحث كان قد نشر تعليقًا أشار فيه إلى أخطاء وردت في ورقة علميّة لباحث شهير. اتسم نقده بالدقة، والمصداقية، والاتساق، بغية خدمة الحقل العلمي الذي ينتمي إليه، بيد أن هذا النقد جلب عليه المتاعب، إذ عَنَّفه مشرفه، مُخبِرًا إياه أنه قد تطاول بنشره نقدًا كهذا، وأنّ عليه ألّا يكرر فعلته مرة أخرى أبدًا. 

يهرع العلماء إلى قول "إنّ العِلْم يصحح نفسه بنفسه"، بيد أن أولئك الذين يضطلعون بالعمل الضخم الذي يتمخض عن هذه التصحيحات كثيرًا ما يُشار إليهم بأصابع الاتهام، باعتبارهم يدمِّرون مجالاتهم البحثية، بل ويُتَّهَمون بما هو أسوأ من ذلك. وانطباعي الشخصي أن كثيرين من مكتشفي الأخطاء هم باحثون في مستهل حياتهم المهنية، يعثرون بمحض المصادفة على أخطاء يقع فيها علماء مرموقون، ويَعتقِدون -بكل سذاجة- أنهم يقدمون يد العون بتسليطهم الضوء على هذه المشكلات، فإذا بهم يتلقون معاملة سيئة من المجتمع البحثي، نظيرَ فَعْلتهم هذه.

وكم مِن حكايات لعلماء يُبْدُون عَدَاءً غير مبرَّر تجاه مكتشفي الأخطاء! ولهذا.. ينبغي أن يُمارَس النقد -شأنه في ذلك شأن العِلْم- بقَدْر من الحرص، والحيطة، وبوعي شديد بأنه لا عصمة من الخطأ. وخليق بمكتشفي الأخطاء إبقاء نقاشاتهم مرتكِزة على الحقائق الملموسة، والانفتاح على وجود تفسيرات معتدلة للمشكلات الظاهرة.

ومع ذلك، حتى في حال توجيه النقد بطريقة سليمة، كثيرًا ما يتعرض مكتشفو الأخطاء إلى هجمات  شخصية، فإذ بالعلماء المبتدئين يجدون أنفسهم متَّهَمين بالتنمر على العلماء الكبار. وفي واقعة من الوقائع، أشار عدد من الباحثين في مستهل حياتهم المهنية إلى أن عالِمًا مشهورًا قد بالغ في الاستشهاد بمؤلفاته، حتى إنه أعاد تدوير مؤلفاته، فما كان من ذلك إلا أن جلب عليهم اللوم بأنهم نصبوا أنفسهم حراسًا للعلوم، وبأنهم يهاجمون الأفكار غير المألوفة. وفي واقعة أخرى، اتُّهم علماء وجدوا عيوبًا في بحث رفيع المستوى في مجال التغذية -حتى إنه كان يستوجب سَحْبه- بممارسة التنمر عبر الإنترنت. والأكثر غرابة، أنهم يحملون ضغينة تجاه برامج الغداء المدرسي. وليست هذه سوى بعض الوقائع التي خرجت إلى العلن.

كثيرًا ما يُحَذَّر الباحثون من الإشارة إلى الأخطاء –أحيانًا بحجة أنهم ينبغي أن يتحلوا بالكياسة واللطف- كما  يُطالَبون بالتركيز على الارتقاء بمستوى أبحاثهم الخاصة، أو الاكتفاء بالحديث عن الجوانب الإيجابية في أبحاث الآخرين، أي: "لتقل خيرًا، أو لتصمت".

إنّ هذه الحجج تنطوي على مشكلات عديدة.. فأولًا: نحن العلماء نُقدّم أنفسنا بوصفنا مجتمعًا يلتزم أفراده بالتدقيق فيما يفعله كلُّ واحد منهم. تقول مؤرخة العلوم ناومي أوريسكيس، في معرض حثها الأشخاص غير المشتغلين بالعلم على الوثوق به: "إنّ العلماء يملكون نوعًا من ثقافة انعدام الثقة الجَمْعية". فلا يمكننا أن نطالب الناس بأنْ يثقوا بنا لأننا نراقب بعضنا بعضًا، ثم نطالب بمَنْع هذه المراقبة، متذرعين باللطف ودماثة الخلق.

 

ثانيًا: حين نَصِم أولئك الذين يعملون على اكتشاف الأخطاء وتصحيحها بأنهم أفظاظ، فإننا نحن الأفظاظ في واقع الأمر. تخيَّلْ نفسك متدربًا، وتشعر بأنّ العِلْم يُقَدِّر التصحيح الذاتي، وأنّ هذا لا يمس ذات أي شخص بعينه، وإنما يتعلق بالحافز الجَمْعي؛ للوصول إلى معرفة جديدة، والتحقق من كل شيء ثلاث مرات، أو أكثر، بغية استبعاد الفرضيات الزائفة، ومن ثم الاقتراب أكثر من الحقيقة. وهكذا، عندما تكتشف وجود خطأ ما، تكون متيقنًا أنه لا ضير في الإشارة إليه، فإذ بِكَ تجد نفسك متهمًا بأنك باحث مخرّب، ومنافق من الدرجة الثانية، وكل هذا لأنك طبّقْتَ ما تعلمته مِن «قِيَم علمية».

أجل، يمكن لمكتشفي الأخطاء أن يقضُّوا مضاجع الباحثين، لكنه نوع من الإزعاج النافع والبَنّاء. وحَرِيّ بنا أن ندرك مسؤوليتنا تجاه تقليل الأخطاء في عملنا إلى الحد الأدنى، وأن نشعر بالقلق من أنه ربما يكون بعضها قد أُغفِل.

لذلك.. حَذارِ مِن الخلط بين النقد العلمي، والتنمر، فليس من الإنصاف لضحايا التنمر الحقيقي أن نستخدم هذا المصطلح على هذا النحو الفضفاض وغير الملائم، بل إننا بحاجة إلى آليّات لحماية لأولئك المنخرطين في النقد العلمي. فهذه الآليات من شأنها أن تجعل العِلْم أكثر نزاهة وشمولية. وبإمكان المشرفين أن يفلتوا من العقاب على ما يقترفونه من تصرفات شنيعة –من تنمر، وتحرش، وغيرها من أشكال إساءة استخدام السلطة– نظرًا إلى أن المتدربين تحت إشرافهم يعتمدون عليهم بشدة فيما يتعلق بالتمويل، والتوصيات، وغيرها من الفرص. ومن ثم، يتعين على الجامعات وكبار أعضاء هيئات التدريس تحمل مسؤولية منع السلوكيات المسيئة، بما في ذلك التنمر على مكتشفي الأخطاء، وترهيبهم.

وخليق بنا بَذْل  مزيد من الجهد؛ لجعل النقد جزءًا راسخًا من العلم. ويتعين على الجامعات وَضْع سياسات لتقييم ردود الأفعال غير الملائمة للنقد. وينبغي أن تشمل التدريبات البحثية الفعالة جلسات لطرق تقييم ما إذا كانت أوجه الخلل الظاهرة هي مشكلات جوهرية، أم لا، وكذلك كيفية الإبلاغ عن مناحي القلق، وطرق الاستجابة عندما تثار المشكلات. أما الممولون، ومسؤولو لجان تقييم الأبحاث، فعليهم إيجاد السبل اللازمة لدعم كل ما يتطلبه اكتشاف الأخطاء، والإشادة به.

وإضافة إلى ذلك.. ينبغي للدوريات أن تجعل التزامها بالتصحيح الذاتي أكثر وضوحًا وصرامة. فمِن وجهة نظري، هي التي تقع على عاتقها مسؤولية الإفصاح عن محاولات تكرار نتائج التجارب الخاصة بالأعمال التي ينشرونها، بما في ذلك وضع معايير واضحة تُمَكِّن مِنْ نَشْر تكرارات عالية الجودة. ولنأخذ مثلًا «مشروع تكرار العلوم الاجتماعية«، (C. F. Camerer et al. Nature Hum. Behav. 2, 637–644; 2018)، الذي ركَّز على تكرار 21 تجربة نُشرت في دورية »ساينس« Science، ودورية Nature، تكرارًا منهجيًّا. فقد كان مؤلِّفٌ ما -وليس أيٌّ من الدوريّتين- هو مَن قال إنّ كلتا الدوريتين قد رفضتا البحث، وأعلن الأسباب الواردة لهذا الرفض. وخلال عملي في السابق رئيسة تحرير دورية «سوشيال سايكولوجيكال آند بيرسوناليتي ساينس»Social Psychological and Personality Science، كانت تصدمني السهولة التي يُمكن بها رَفْض النقد المُوَجَّه إلى العملية التحريرية، أو إخفاؤه. ومِن المفترَض أن يكون هناك قَدْر أكبر من الشفافية وغيرها من إجراءات المساءلة للمحررين، وكبار الكُتاب، والمراجعين.

لقد حان الوقت لكي نكون أكثر لطفًامع أولئك الذين يمارسون عملية النقد، ومطالبة مَن هُم في مواقع السلطة بمزيد من التواضع، والخضوع للمساءلة. وبدلًا من معاقبة مَن يُسَلِّطون الضوء على الأخطاء، ينبغي أن نتسابق لتوظيفهم، ومَنْحهم الجوائز والمِنح بما يساعدهم على مواصلة الارتقاء بالعِلْم. وأَقَلّ ما يمكننا فعله هو أن نوفر للنقد المستنِد إلى الحقائقمساحةً آمنةً تحميه من الترهيب والانتقام،إذ إنه بفضل وجود مكتشفي الأخطاء فقط، يمكننا الزعم بأن العِلْم يصحح نفسه بنفسه.

سيمين فازير أستاذة علم النفس بجامعة كاليفورنيا في دافيس. 

البريد الإلكتروني: simine@gmail.com