كتب وفنون

ما مدى الترف في مختبرك؟

كِندال باول تستقصي دراسة تزعم أن الهندسة المعمارية الأنيقة تحفّز الاستكشاف.

كندال باول
  • Published online:
يهدف التصميم الجريء لـ«معهد سولك للدراسات البيولوجية» في لاهويا بولاية كاليفورنيا، إلى اجتذاب كبار العلماء

يهدف التصميم الجريء لـ«معهد سولك للدراسات البيولوجية» في لاهويا بولاية كاليفورنيا، إلى اجتذاب كبار العلماء

Andriy Blokhin/Alamy

بداية من «معهد فرانسيس كريك» في لندن إلى «معهد أوكيناوا للعلوم والتكنولوجيا» في اليابان، قيل الكثير عن تأثير فن العمارة في عمل العلماء. وبعبارة أخرى، كيف تساعد المقاعد التي تسقط عليها أشعة الشمس في الحفاظ على الصحة العقلية للباحثين، وكيف تحفّز مساحات الاسترخاء المريحة التعاون التلقائي بين العاملين، وكيف توازن مسارات المشي ودروس اليوجا نزعات إدمان العمل. في الواقع، يتفق كثيرون ممن يعملون في مجال العلوم الأكاديمية والتجارية على أن وسائل الراحة الداخلية في المباني تُعزّز الإنتاجية.وبما أنني أرَّخت حياة العلماء لحساب دورية Nature وغيرها من وسائل الإعلام لما يقرب من عقدين من الزمان، فقد سمعتُ كثيرًا عن قدرة المكان على تعزيز أو استنزاف قدرات باحثي ما بعد الدكتوراه والباحثين الرئيسيين. لكن، بصفتي متخصصة سابقة في البيولوجيا الخلوية، فإنني أرغب في رؤية البيانات، لذا فقد تلقّيت كتاب «أنماط الحياة المختبرية» Laboratory Lifestyles ببعض الترقب.وقد وجدت أن الكتاب -رغم عدم تميزه في جانب البيانات- يقدّم رحلة مقبولة، بل ومدهشة في بعض الأحيان، عبر تاريخ المختبرات القائمة على نمط الحياة، ونزعات تلك المختبرات؛ بما في ذلك الأحاديث بين العلماء، والميول والتفاعلات، وليس الأجهزة فحسب. تبدأ رحلة الكتاب -الذي حرّره  باحثان متخصصان في فن العمارة يقيمان في أستراليا، وهما ساندرا كاجي أوجريدي، وكريس سميث وراسل هيوز- في خمسينيات وستينيات القرن العشرين في كاليفورنيا، التي كانت -ولا تزال-  مركزًا للعلوم. يعرض أحد الفصول الأولى في الكتاب كيف تسلّل نمط حياة جنوب كاليفورنيا، الذي يُشتَهر بركوب الأمواج والعيش في الهواء الطلق، إلى التصميم المبتكر الذي يحاكي شكل كعكة «الوافل»، لمبنى «مؤسسة راند» RAND Corporation في سانتا مونيكا، والمشاهد الواسعة من المحيط إلى الجبل لـ«مختبرات أبحاث هيوز» في ماليبو. كان كبار المفكرين الذي يعيشون على ساحل كاليفورنيا يطبّقون شعار "العمل باجتهاد، والمرح بصخب" قبل وقت طويل من تأسيس شركة التكنولوجيا الحيوية «جينينتك» Genentech في جنوب سان فرانسيسكو واتّباعها نهج توفير أسباب الرفاهية في أعمالها البحثية.

ابتكار التصميم المفتوح

يُسهب الكتاب في الحديث عن القفزة المعمارية التي صنعها لويس كان في تصميم «معهد سولك للدراسات البيولوجية» الذي أُنشِيء عام 1963 في لاهويا بولاية كاليفورنيا، بواجهاته الخرسانية المهيبة، وتمايزات خشب الساج، والساحة المكسوة برخام الترافرتين الأبيض. كان الهدف من تلك الواجهة الجريئة اجتذاب كبار العلماء، ومحبّي الخير، والشركاء، وجذب الجمهور. ولقد فعل المبنى كل هذا. وعندما كنت طالبة بالدراسات العليا هناك، كانت مشاهد هواة الطيران المظلّي فوق المحيط الهادي ونسائم البحر ترفع من معنوياتي وسط أسوأ الإخفاقات التجريبية. والأمر الذي لم أفهمه آنذاك كان الإنجاز الحقيقي لمعهد «سولك»: مقاعد المختبرات ذات التصميم المفتوح، التي صُنِعَت ببراعة لتشجيع الحوارات وتيسير عمليات إعادة التنظيم مع تطوّر العلم. وسرعان ما اعتُمِد هذا الابتكار في جميع أنحاء العالم. (ولا يتناول الكتاب الجوانب الأكثر إثارة للجدل فيما يتعلق بتصميم معهد «سولك»: فقد تعرّضت سياسة الفصل بين كبار الباحثين وصغارهم، على سبيل المثال، للانتقاد باعتبارها سياسة نخبوية).

ويأخذنا المؤلفان المشاركان في الكتاب، كاثلين براندت وبرايان لونسواي، إلى أوائل سبعينيات القرن العشرين، حيث قاعة مؤتمرات مركز أبحاث بالو ألتو التابع لشركة زيروكس (والمعروف اختصارًا ابسم «بارك» PARC)، وهي عبارة عن ملاذ مجهّز بمقاعد مريحة من القماش المحشو -والتي كانت جديدة آنذاك- بدلًا من طاولة مؤتمرات. كانت نتائج أبحاث مركز أبحاث «بارك»، المقام في وادي السليكون -الذي كان حديث النشأة آنذاك- تُعزى إلى ثقافة المركز بقدر ما تُعزى إلى المواهب التي يجتذبها. ومنذ ذلك الحين أُعيد إنتاج المناخ «الخلّاق» للمركز -باستثمارات كبيرة- في شركات تتراوح ما بين جوجل إلى الشركة الصاعدة في مجال التكنولوجيا الحيوية «مودرنا ثيرابيوتكس» Moderna Therapeutics في كامبريدج بولاية ماساتشوستس. لكن هل ساعدت أكياس القماش المحشوة على تعزيز الإنتاجية؟ كتب المؤلفان يقولان إنه "من المستحيل إثبات وجود علاقة سببية". ولما كان إثبات العلاقات السببية أساس عمل العلماء، فإن الافتقار إلى دليل على أن الجماليات القائمة على الموضة تؤدّي في الواقع إلى اجتذاب الباحثين المبتكرين، أو الاحتفاظ بهم، أو تحفيزهم، أمر مثير للقلق.

في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أنشأ معماريون بارزون مباني مختبرية لشركتين في بازل بسويسرا -هما «أكتليون» Actelion (من تصميم هيرتزوج ودي ميرون) و«نوفارتس» Novartis (من تصميم فرانك جيري وآخرون)- إلى جانب مجمع مركز العلوم في سنغافورة المسمى «وان نورث» One-North (من تصميم المعمارية الراحلة زها حديد). تحتل الواجهات غير التقليدية المضيئة مركز الصدارة في هذه الأبنية الضخمة في محاولة لجذب رؤوس الأموال المغامرة وتشجيع الإنجازات الكبرى.

تجربة اجتماعية

يرى المؤلفان أن تلك النزعة نحو بناء «مختبرات فارهة» تجربة اجتماعية كبرى، يمثل العلماء فيها فئران التجارب. يعرج المؤلفان في الكتاب على دراسة إثنوجرافية عن الباحثين وعلاقاتهم بهذه المباني والمساحات المخصصة للراحة، من خلال استراق السمع إلى حواراتهم في أثناء تناول الغداء. وكثيرًا ما يستشهد مؤلفا الكتاب بكتاب «حياة المختبر» Laboratory Life الصادر عام 1979 لعالمي الاجتماع، برونو لاتور وستيف وولجار -اللذين لازما الباحثين في معهد «سولك» كما لو كانا عالمي أنثروبولوجيا- وزعما أن التفاعلات الاجتماعية للعلماء هي التي تحدد اتجاهات البحث التي يتبعونها في نهاية المطاف.

يحتوي مبنى «بليزارد بيلدينج» بجامعة كوين ماري في لندن على مختبرات في مستوى أدنى وحجرات اجتماعات عالية.

يحتوي مبنى «بليزارد بيلدينج» بجامعة كوين ماري في لندن على مختبرات في مستوى أدنى وحجرات اجتماعات عالية.

Richard Brine-VIEW/Alamy

إلا أن العلماء بشر عاديون في النهاية، فهل يحتاجون حقًا إلى بيئة مترفة أو أثاث غير تقليدي لتحفيز النقاشات الفكرية؟

لا شكّ أن مصممي مبنى «بليزارد بيلدينج» -الذي يمثل مركز الطب الحيوي التابع لجامعة كوين ماري في لندن- كانوا يعتقدون ذلك. تتضمَّن العناصر المعمارية الخيالية للمبنى حجيرات على شكل «فطر»، و«سحاب»، و«عناقيد»، تشكّل قاعات الاجتماعات والاستراحات "فوق مختبرات توجد بالأسفل تحت الأرض". مقاعد المختبر عادية، ولكنها غائرة في مستويات أدنى. ويمكنني أن أتصور انزعاج الباحثين وهم يصعدون سلمًا من أجل الوصول إلى مكاتبهم القريبة، أو وهم يتساءلون عن قاعات الاجتماعات غريبة الشكل، بينما كان يمكن لبضع طاولات بمحاذاة النوافذ الكبيرة أن تؤدّي الغرض.

أين الدليل؟

من الجيد للغاية لعلماء الفيزياء في «معهد بريمِتر» في ووترلو بكندا أن يشعروا أن بمقدورهم الكتابة على النوافذ الواسعة، لكن المواقع التي تجري فيها التجارب لا بدَّ أن تكون عملية وهادفة للمنفعة. ويمكن أن يحدث التأمل في أي مكان؛ في أثناء الاستحمام، أو في أثناء رحلة الذهاب إلى العمل والعودة منه، أو في أثناء النزهات الطويلة سيرًا على الأقدام (يدرك «معهد سانتا في» في نيو مكسيكو، المُقام وسط التلال وبرك المياه الحارة، ذلك تمامًا). وحتى الآن، لم يبحث أحد فيما إذا كان مهندسو شركة جوجل، الذين يتحركون في الأنحاء على دراجات صغيرة من طراز «ريزور» إلى مراكز بناء مكعبات الليجو، يبدعون بحرية أكبر من نظرائهم الذين يعملون في شركات أكثر تقليدية ومحافظة.

بوجه عام، يبدو أن ثمة افتقار ملحوظ للتشاور بين المهندسين المعماريين والأشخاص الذين سوف يعملون في مبانٍ من إبداعهم. وأحد الاستثناءات من ذلك مبنى «معهد الجرافين الوطني» (NGI) الذي أُنشِئ عام 2015 في حرم جامعة مانشستر بالمملكة المتحدة؛ فقد تعاون المصممون مع باحثي المعهد لإنشاء مبنى جميل وعملي ذي غرف نظيفة قابلة للتعديل بسهولة، وقاعات مختبرات أخرى محاطة بالزجاج الذي يسمح بدخول الضوء ويوفّر الشفافية في المختبر. وتخلُص ألبينا يانيفا وستيليوس زافوس -اللذان شاركا في هذا الإنجاز- إلى أن مختبرات «معهد الجرافين الوطني» تعمل بفاعلية على صياغة وتنظيم بيئة البحث العلمي، ومن ثمَّ تعزّز "بيئات الإبداع"، و"التحالفات الجديدة بين العلم والمجتمع والصناعة".

لكن الصور التي وضعها المؤلّفان تظهر قاعات غير مسقوفة والكثير من الأرائك الخالية من البشر (على الرغم من أنها قد تشكّل أماكن جيدة لإغفاءة قصيرة في وسط النهار لباحثي ما بعد الدكتوراه المرهّقين). ودون وجود دليل، سيكون من المبالغة القول إن تصميم المبنى يحقق هذه الأهداف الكبرى.

وددتُ حقًا أن أرى دراسة منضبطة عن العلاقة بين البيئة المعمارية والإنتاجية البحثية. ما مدى صعوبة مقارنة النتائج التي يتوصل إليها الباحثون في «معهد الجرافين الوطني» الأنيق مع نتائج مختبر قديم بمانشستر؟ أو معرفة ما إذا كان علماء معهد «سولك» في لاهويا المشمسة قد حققوا إنجازات أكبر من نظرائهم في مختبرات الطابق السفلي الكئيبة في «مايو كلينك» في روتشِستر بولاية مينيسوتا؟

أما الشيء الأغرب حقًا فهو التأكيد في نهاية كتاب «أنماط الحياة المختبرية» أن فجر «عصر البيتابايت» للبيانات الضخمة سيجعل العلماء وفرضياتهم -وربما المختبرات نفسها- شيئًا عفا عليه الزمان. هل يشكّل هذا الكتاب استكشافًا للمختبرات أم تنبؤًا بزوالها؟ وعلى أي حال، يُلقي الكتاب بظلال كبيرة من الشك على معرفة المهندسين المعماريين البارزين الذين يصمّمون المختبرات وفهمهم بالضبط للمشاعر التي تجعل الباحثين في المختبر يبدعون.
كِندال باول صحفية علمية مستقلة تقييم في لافاييت بولاية كولورادو.بريد إلكتروني:kendallpowellsciwriting@gmail.com