افتتاحيات

إحياء لقاحٍ قديم للسل

مع اقتراب مئوية لقاح «بي سي جي»، يمكن لطريقة حقنٍ جديدة أن تمنح المزيد من الحماية من واحدٍ من أشد الأمراض فتكًا بالبشر في العالم. 

  • Published online:

يُعَد مرض السل واحدًا من الأسباب الرئيسة للوفاة على مستوى العالم، ناهيك عن كونه السبب الأبرز للوفاة بين المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية (HIV). ورغم الجهود المبذولة على نطاق واسع لتحسين ممارسات التطعيم والعلاج، يُصاب حوالي 10 ملايين شخص بمرض السل كل عام، وفي عام 2018 تُوفِّيَ حوالي 1.5 مليون شخص من المصابين بالمرض، وفقًا لما ذكرته منظمة الصحة العالمية (WHO). والمذهل أنَّ اللقاح الوحيد المُرخَّص لمرض السل -وهو لقاح «عصية كالْمِيت جيران» Bacillus Calmette– Guérin، المعروف أيضًا بلقاح «بي سي جي»، أو اختصارًا (BCG)، والمصنوع من سلالةٍ موهَنة من بكتيريا المُتَفَطِّرة السُّلِّيّة Mycobacterium tuberculosis المسببة للمرض- لا يزال قيد الاستخدام منذ قرنٍ تقريبًا. ورغم أنَّ هذا اللقاح يتمتع بفاعلية كبيرة في حماية الرضع من الإصابة الجهازية بالمرض، فإنه لا يوفر الحماية ذاتها من مرض الرئة الذي يسببه السل للمراهقين والبالغين.

وصحيح أنه طُوِّرَت أدويةٌ مؤخرًا لعلاج السل، ومزيدٌ من العقاقير واللقاحات تخضع لتجارب إكلينيكية، لكن أقوى عقارين يُستخدمان حاليًّا يفتقران إلى الفعالية ضد سلالات بكتيريا المُتَفَطِّرة السُّلِّيّة المقاومة للعديد من العقاقير.

نجحت دراسةٌ جديدة أُجريت على الرئيسيات غير البشرية (P. A. Darrah et al. Nature 577, 95-102; 2020) أن تنفض غبار الزمن عن لقاح «بي سي جي». ويتمثل التطور الرئيس الذي تفيد به الدراسة في أنَّ حَقْن اللقاح عن طريق الوريد -أي مباشرةً في مجرى الدم- بدلًا من حَقْنه في الجلد أو العضلات قد عزَّز الوقاية من السل، خاصةً في الرئتين. ورغم أنَّ تحويل هذه النتائج إلى تطبيقاتٍ إكلينيكية لا يزال أمامه وقت طويل للدخول في حيز التنفيذ، فإن مردودها قد يكون ضخمًا.

في هذه الدراسة، قارن باحثون في الولايات المتحدة الأمريكية نتائج إعطاء لقاح «بي سي جي» لمجموعاتٍ منفصلة من قرود المكاك Macaca mulatta بثلاث طرقٍ مختلفة: عن طريق الوريد، أو الحقن في الجلد، أو بخاخات الرذاذ. ووجد الفريق البحثي أنَّ الحَقْن الوريدي أنتج المزيد من الخلايا التائية -وهي نوعٌ من الخلايا المناعية- التي تستجيب لبكتيريا المُتَفَطِّرة السُّلِّيّة، مقارنةً بالطريقتين الأخريين. وإضافةً إلى ذلك.. عثر الباحثون على هذه الخلايا التائية في كافة أجزاء رئات الحيوانات.

وبعد ستة أشهر، عُرِّضَ بعض قرود المكاك لبكتيريا المُتَفَطِّرة السُّلِّيّة. وفي مجموعة القرود التي تلقّت اللقاح عن طريق الوريد، تمتعت تسعة قرود -من إجمالي عشرة قرود- بحمايةٍ قوية من المرض، ولم تُظهِر ستةٌ منها أي علاماتٍ قابلة للاكتشاف على إصابتها بالعدوى. وعلى النقيض.. أبدت غالبية قرود المكاك التي تلقّت اللقاح بالطريقتين الأخريين العلامات المُميِّزة للإصابة بالمرض.

مثَّلت تلك النتائج مفاجأةً؛ إذ كان يُعتقد بالفعل أنّ التلقيح عن طريق الوريد ربما يحدّ من شدة المرض، ولكنْ لم يتصور أحدٌ أنَّه قد يمنع الإصابة به تمامًا، لكنْ يبدو أنَّ حَقْن لقاح «بي سي جي» عن طريق الوريد يحفز إنتاج مجموعةٍ من الخلايا التائية في الرئتين، يمكنها سريعًا تحييد بكتيريا المُتَفَطِّرة السُّلِّيّة.

وإذا تكررت تلك النتائج في الدراسات اللاحقة، سيمثل هذا اكتشافًا واعدًا للغاية لمكافحة السل؛ إذ بإمكان لقاح رخيص ومُستخدَم بالفعل على نطاقٍ واسع أن يُكْسِبنا مقاومةً أكبر للمرض، فقط من خلال تغييرٍ بسيط نسبيًّا في طريقة تقديمه، لكنْ ثمة عددٌ من العقبات التي تحتاج إلى التغلب عليها لتحقيق ذلك.

تتمثل العقبة الأولى في مدى أمان طريقة التلقيح. فعلى غرار معظم اللقاحات، يحتوي لقاح «بي سي جي» على بكتيريا حية أضعفها الباحثون، مما يجعلها غير قادرةٍ على إصابة ذوي أجهزة المناعة القوية بالمرض. غير أن مخاطر حَقْن البكتيريا الحية مباشرةً في مجرى الدم، بدلًا من حَقْنها في الجلد، ما زالت غير مفهومةٍ بوضوح. فإذا تلوث اللقاح ببكتيريا أخرى لسببٍ ما، أو كان يحتوى على بكتيريا مُتَفَطِّرة سُّلِّيّة قادرة على الإصابة بالمرض، قد تصبح العدوى فتاكةً سريعًا. وهكذا، يتعين على الباحثين إجراء اختبارات سلامة دقيقة وشاملة، قبل البدء في تجربة هذه الطريقة إكلينيكيًّا على البشر.  

مزيدٌ من العقبات

إذا ثبت أمان هذه الطريقة الجديدة، فمِنْ المحتمل أن يواجه اختبار الحَقْن الوريدي للقاح، ثم تقديمه للبشر، عقباتٍ أخرى. فحَقْن اللقاح عن طريق الوريد أصعب من حقنه عبر وَخْزَةٍ سريعة في الجلد أو العضلات، ولذلك.. سيتطلب الحقن الوريدي مزيدًا من التمويل لتدريب العاملين في المجال الطبي في البلاد التي تعاني فيها بالفعل أنظمة الصحة العامة المفتقِرة إلى التمويل الكافي، من أجل توفير رعايةٍ صحية أولية مناسبة.

هذا النقص في التمويل، وكَوْن السل يصيب –في الأساس- سكان الدول الأفقر، هما أحد أسباب عدم تطوير شركات الأدوية لعلاجاتٍ جديدة، غير أنه ثمة أطراف جدد يطورون مجال اكتشاف العقاقير، ولا سيما المجموعات البحثية غير الهادفة إلى الربح. فعلى سبيل المثال.. نجح لقاحٌ تجريبي واعد، يُعرف باسم M72/AS01E -طوّره تعاوُنٌ بحثي بين منظمة غير هادفة إلى الربح، وشركة أدوية- في حماية البالغين المصابين بعدوى سل كامنةٍ من تطوُّر تلك العدوى إلى عدوى سل نشطة لمدةٍ لا تقل عن ثلاث سنوات (D. R. Tait et al. N. Engl. J. Med. 381, 2429-2439; 2019). وفي الصيف الماضي، وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على عقارٍ طورته أيضًا جهات بحثية غير هادفة إلى الربح، ليُستخدَم كجزءٍ من علاجٍ مركَّب لعلاج نوعٍ حاد من السل المقاوِم للمضادات الحيوية (Nature http://doi.org/dhvs; 2019). وإجمالًا، تقول منظمة الصحة العالمية إنَّه يوجد 23 عقارًا، وعدة علاجات مُركَّبة، و14 لقاحًا تجريبيًّا، جميعها تخضع للتجارب الإكلينيكية حاليًّا.

وثمة محاولاتٌ لتطوير لقاحاتٍ وريدية لأمراضٍ أخرى أيضًا. فمن المقرر هذا العام اختبار لقاحٍ مضاد للملاريا، يُعرف باسم PfSPZ، في تجربةٍ إكلينيكية كبيرة يشارك فيها 2100 شخص في جزيرة بيوكو بغينيا الاستوائية (Nature http://doi.org/gfzjq2; 2019).

لقد أنقذت علاجات السل المتاحة حاليًّا أرواح ما بين 53 مليون إلى 64 مليون شخص بين عامي 2000، و2018، لكنْ أنْ يستمر المرض في إصابة هذا العدد الكبير من الناس هو أمرٌ غير مقبول. وبموجب أهداف التنمية المستدامة التي وضعتها الأمم المتحدة، لا بد من تقليل حالات الوفاة الناجمة عن مرض السل بنسبة 90% بحلول عام 2030، وسوف يكون لقاح «بي سي جي» جزءًا مهمًّا من هذه الجهود. وقد أُوصِيَ بتقديم تطعيم شامل للرضع في أكثر من 150 دولة، منها دولٌ كثيرة في أفريقيا، وجنوب شرق آسيا، اللتين تأثرتا بشدة بمرض السل. واكتشاف وسيلةٍ محتملة لتعزيز فاعلية أحد لقاحات المرض هو أمرٌ يستوجب اهتمام العالَم.