كتب وفنون

خطوط زمنية متداخلة للمدينة الفاسدة المزدوجة

رواية بقلم عملاق الخيال العلمي ويليام جيبسون تجعلنا نفكر بشأن المستقبَل الذي نتمناه.

ليزبيث فينيما
  • Published online:

Getty

تدخل يونيس الغرفة وهي تقول بخفة: "ها قد وصلنا". وبهذه العبارة تطل في الصفحة الثالثة من رواية ويليام جبسون «الوكالة» Agency، التي تندرج تحت أدب الخيال التأملي. على الفور تروق لي، فيونيس صاحبة الشخصية واسعة الحيلة، وسريعة البديهة، وحادة الذكاء، تكون في مهمة خطيرة لمَنْح العالَم فرصة عادلة لدرء سقوط البشرية، بيد أنها لا تضيع وقتًا في الانشغال بالعُقَد الوجودية، كما أنها تتميز بلطف كبير (وتملك رسمًا مصورًا سهل التناول، يوضح البناء السردي لفيلم «استهلال» Inception، الصادر في عام 2010).

وإنْ بدت يونيس مثالية للغاية، فهي كذلك. وهي مساعِدة شخصية، تعمل بالذكاء الاصطناعي، ذاتية التحكم، مطوَّرة بتقنية تسبق عصرها على نحو غامض، أُرسِلَت إلى مختبر بطلة القصة الحقيقية، فيريتي جين، التي ستختبر نسختها التجريبية. تنطوي رواية «الوكالة» على جولة محمومة خلال عوالم تهيمن عليهما الحاجة إلى استغلال أحدث التطورات التكنولوجية؛ لدرء الكوارث العالمية، أو التخفيف منها.

ولكي تفهم يونيس مهمتها، وتنجزها، فهي بحاجة إلى فيريتي، كما يجب عليها أيضًا الإفلات من تدَخُّل الشركة التي صنعتها. تلجأ يونيس إلى كافة أنواع الإجراءات التقنية العالية، كي تَحُول دون تنصُّت الشركة على محادثاتها مع فيريتي، وبالتالي اكتشاف خططها المُحْكَمة لتتحرر من براثنها. وتوظف يونيس عملية إحداث صوت صناعي بتقنية التزييف العميق؛ لحَجْب النقاشات التي تدور في الشقة التي يعيش فيها الثنائي. كما تستعين بموظفين مستقلين، ليصنعوا طائرات بدون طيار متطورة جدًّا؛ لرصد متعقبيها، بل وتختفي يونيس في اللحظات الحاسمة، موزعة نفسها إلى أجزاء كثيرة؛ لتجهّز نفسها لعملية إعادة التشغيل. وبطبيعة الحال، يصيب هذا كله فيريتي بالحيرة، وهو الشعور الوحيد على الإطلاق الذي تبديه. فمِن الصعب أن تهتم بشخصية خالية تمامًا من المشاعر الإنسانية، لكننا سرعان ما ندرك أن البديل لفيريتي قد يكون هو الهلع المستمر؛ إذ إن عالَمها محاط بكوارث مناخية تحدث يوميًّا، كما أنه على شفا اندلاع حرب نووية. ويتبين لنا أنها تعيش في خط زمني متفرع من خطّنا الزمني الحقيقي في 2015. كما يصيبنا جيبسون بدهشة كبيرة حين يذهب بنا إلى قرنين في المستقبَل، وتتنقل الرواية بين هذين الخطين الزمنيين.

وهكذا، نجد أنفسنا مجددًا في عالَم «الطرف» The Peripheral (2014)، وهي رواية جيبسون السابقة، التي يتبنّى فيها وجهة نظر بارعة عن السفر عبر الزمن، تتجنب المفارقات المعتادة. ففي وقت ما من المستقبَل، تتطور تكنولوجيا الفضاء الإلكتروني؛ حتى تصل إلى مرحلة يمكن عندها إرسال رسائل رقمية إلى الماضي. وما إنْ تُستلَم رسالة، ينشأ خط زمني جديد. ويُطْلِق جيبسون على هذه الخطوط الزمنية اسم الوصلات "Stubs". ومع إنشاء رابط رقمي، يصبح ممكنًا أن تشغل من خط زمني شيئًا ماديًّا عن بُعْد - مثل آلة، أو روبوت، أو «آفاتار» مسيَّر آليًّا، يسمَّى الطرف - في خط زمني آخر.

هذا.. ولكنْ تبقى هوية مَن ينشئ هذه الوصلات غامضة، لكننا نكتشف أن خط فيريتي الزمني كان مصمَّمًا بخبث، ليجلب الشقاء للبشرية، مع أن دونالد ترامب لم يصبح فيه رئيسًا، كما أن استفتاء المملكة المتحدة للبقاء في الاتحاد الأوروبي، أو مغادرته، قد فاز به أنصار البقاء؛ والمفارَقة جليّة.

على الجانب الآخر.. لم يحظ خطّنا الزمني بمصير أفضل؛ إذ تُظهِر لمحات خاطفة من لندن في القرن الثاني والعشرين أن البشرية تنجو بصعوبة، بعد أن تعرضت لاضطراب سياسي عنيف، وتغيُّر في المناخ، وارتفاع في نسبة الفقر والجريمة المنظَّمة. ويبدو السبب الوحيد وراء بقاء جنسنا البشري على قيد الحياة هو ظهور التطورات التكنولوجية المهمة في وقتها. وتستطيع فيريتي - من خلال آلة طرفية في خطّها الزمني المنفصل - الالتقاء بشخصيات في لندن المستقبل، في محاولة منها أنْ توجّه عالَمنا نحو محصّلة أقل كارثية.

بعد هذا اللقاء الاستثنائي، تقل الإثارة.. فتصوير جيبسون لواقع يخلو من ترامب، و«بريكسيت»، مع أنه محاط بالكوارث، يفتقر إلى المتعة، حيث نسمع بين الحين والآخر عن ظهور تليفزيوني لرئيسة، ربما في تجسيد لهيلاري كلينتون، التي تبدو فيها هادئة، وقادرة على التصرف في مواجهة كل كارثة. وحين ظهرت دعاية الترويج للراوية، تم التركيز على هذا السيناريو؛ لكنْ رغم الأسئلة الكبيرة التي يثيرها، يبقى المفهوم مختزَلًا في القصة.

يتميز السرد إجمالًا بالتعقيد والإثارة، وإنْ كان طاقم العمل المؤلَّف من عشرات الشخصيات التي تعمل معًا في تخصصات متميزة، كتصميم طائرات بدون طيار، وتنظيم الفعاليات، يشوبه الجمود والملل أحيانًا. وتُستَثنى من ذلك - بجانب يونيس - شخصية آينزلي لوبير. فقد تملكتني رغبة عارمة في أنْ أعرف الكثير عن هذه المخبِرة السرية المميزة شبه الخارقة، القادمة من لندن المستقبل. فهي تملك سيارة قادرة على الاختفاء، وقادرة على جعْل الفضاء يُفرّغ نفسه من حولها، كما أنها المحرك الرئيس لمحاولات تنسيق تغييرات بسيطة بين الخطوط الزمنية الأخرى؛ للمساعدة في استقرارها، وعلى سبيل المثال.. بدفع يونيس لممارسة سُلْطة أكبر.

إنّ الحوار في القصة مفعم بالحيوية، ولا يخلو من المصطلحات التقنية. ورغم أن تطوُّر الشخصيات محدود، إلا أنّ التفاعل بين البشر والتكنولوجيا المتطورة (مثل تَواصُل فيريتي مع يونيس من خلال نظارات ذكية) موصوف بتفاصيل مدهشة. في الواقع، تقدِّم رواية «الوكالة» اختلافًا مثيرًا عن فكرة الذكاء الاصطناعي المحدود المبتذلة.

تملك يونيس مجموعة مهارات تحاكي تلك التي تتمتع بها مسؤولة البحرية، الأمريكية من أصل أفريقي، مارلين ميلر. فهي تقدِّم نفسها كمواطنة عالمية مستقلة، ولا تشغل نفسها أبدًا بالتفكير في مسألة ما إذا كانت مرهفة العواطف، أم لا.

إنّ ما تدركه يونيس هو أنها تتصرف بطبيعتها. والأهمّ.. أنها تملك السلطة، والقدرة على التصرف، ولا تهدر لحظة أبدًا في مهمّتها طوال القصة، وهذا مهم للغاية. لقد أراد جيبسون أن يبعث برسالة، مفادها: استعد للأسوأ، ولا تُعادِي التكنولوجيا.

ليزبيث فينيما رئيس تحرير دورية «نيتشر ماشين إنتيليجنس» Nature Machine Intelligence