رؤية كونية

قرار العام الجديد: أسبوعٌ خالٍ من الاجتماعات كل ثلاثة أشهر 

تنصح هايدي ريم الباحثين بتخصيص وقتٍ للتفكير العميق، لما لذلك من أهمية للإنتاجية في عالَمٍ يعجّ بالتفاعل المستمر.

هايدي ريم

  • Published online:

في شهر ديسمبر الماضي، أحصيتُ كَمّ الوقت الذي خصصتُه للاجتماعات والمكالمات الجماعية خلال الأشهر الثلاثة السابقة. وبحذف الأيام التي كنتُ مسافرةً فيها، وتلك التي حضرتُ فيها مؤتمراتٍ واجتماعات خارج  مقر العمل، وجدتُ أنَّني قضيتُ في الاجتماعات والمكالمات الجماعية ما متوسطه 8.5 ساعة يوميًّا. وعليه، عقدت العزم في هذا العام على حفظ وقت العمل، من خلال تحديد أسبوعٍ كل ثلاثة أشهر، غير مسموحٍ خلاله بانعقاد الاجتماعات والمكالمات الجماعية في مجموعتي البحثية. وحتى الآن، انضمت ثماني مجموعاتٍ أخرى إلى هذه الخطة، ونتوقع أن تنضم إلينا مجموعاتٌ أخرى قريبًا، إذ أعرب أكثر من 500 شخصٍ عن دعمهم لدعوتي إلى هذه الفكرة على منصة «تويتر» Twitter.

ينقسم وقتي بين العمل الأكاديمي، والإكلينيكي، حيث أعمل على اكتشاف أسباب الأمراض النادرة، وأطبِّق علوم الجينوم في قطاع الرعاية الصحية، وأبتكرُ أدواتٍ لدعم الطب الجينومي. وعادةً ما أستهلُّ عملي في تمام الساعة السادسة صباحًا، مما يتيح لي ساعتين أستغرِقُ خلالهما في العمل، ويشمل هذا متابعة رسائل البريد الإلكتروني التي تتطلب تركيزًا خاصًا، والإعداد للمحاضرات والاجتماعات، التي تبدأ عادةً في تمام الثامنة صباحًا. وفي المساء، أنكبُّ على رسائل تطبيق «سلاك» Slack، ورسائل البريد الإلكتروني الباقية. أما الكتابة والتحرير، وتحضير العروض التقديمية الجديدة، وغيرها من المشروعات الأخرى المهمة، فأعمل عليها خلال عطلات نهاية الأسبوع، وأثناء الرحلات الجوية. لا يترك ذلك سوى وقت محدود للمشروعات الكبرى، أو كتابة مقترحات المِنَح، أو التفكير في عملي تفكيرًا عميقًا نقديًّا، أو إبداعيًا، وهي أمور أحتاج إلى أسابيع خالية من الاجتماعات لأجْلها.

اكتشفتُ هذه الفكرة بالصدفة.. فقبل عدة سنوات، باءت الخطط التي وضعتُها لإجازةٍ بالفشل، غير أنني لم أُعدِّل جدول أعمالي لتلك الفترة، وهكذا لم أحدد مواعيد أي اجتماعاتٍ فيها. وعندما حلَّ أسبوع الإجازة، اعترفتُ بأنَّني كنت أنوي قضاء الوقت في منزلي مع أولادي، الذين كانوا في إجازةٍ من المدرسة. وفي ظل ذهاب ابني الأصغر لحضور معسكر لكرة السلة حينها، وعزم ابنتي الأكبر على قضاء إجازتها بشكل مستقل عنا، وجدتُ نفسي متفرغةً للاستغراق في العمل دون تشتيتٍ تقريبًا؛ فتمكنتُ من إنهاء القائمة الطويلة للمهام المتأخرة المتراكمة، لا سيما المتعلقة بالكتابة والتحرير. وبحلول نهاية الأسبوع، كنتُ قد اطلعتُ على كافة الرسائل الواردة في بريدي الإلكتروني، وتَوَفَّر لديّ وقتٌ أيضًا لمشاهدة الأفلام مع عائلتي في المساء. كانت تجربةً رائعة!

بدأتُ في تكرار التجربة أسبوعًا على الأقل كل عام. وسرعان ما أدرك أعضاء مختبري ما يحدث، فكففتُ عن التظاهر، وأوضحتُ لهم أيَّ الأسابيع كانت إجازاتٍ فعلية (عندما أكون عادةً خارج نطاق التواصل)، وأيها أعمل فيه بالمنزل، دون اجتماعات. وقد احترموا خطّتي، لأنَّهم كانوا يعلمون أنَّني سأُنجز ما يحتاجونه مِنِّي.

بدأت مجموعاتٌ أخرى في معهد برود بمدينة كامبريدج في ولاية ماساتشوستس -منها مختبر علوم الجينوم، ومختبر علوم البيانات، ومختبر دانيال ماكارثر- في تنفيذ فكرة الأسبوعٍ الخالي من الاجتماعات كل ثلاثة أشهر. وجاءت النتائج طيبة للغاية، إذ أفاد البعض بزيادة إنتاجيتهم، وبأنَّهم تمكنوا من الانخراط في مشروعاتٍ أكبر حجمًا، تتسم بالصعوبة أحيانًا، وتتطلب فتراتٍ أطول من الاهتمام الخالص. ونظرًا إلى أنَّ أكثر من ثلاثة أرباع اجتماعاتي ومكالماتي تُجرَى مع أشخاصٍ من خارج المعهد، ما بَرِحَت تلك الأسابيع تتضمن 30 ساعةً -على الأقل- من الاجتماعات والمكالمات.

وعليه، في أواخر العام الماضي، وَسَّعْتُ نطاق دعوتي؛ ليشمل مجتمع علوم الجينوم الأوسع. ووضعتُ -بعناية- مقترحًا يتجنب التعارض مع المؤتمرات المهمة لعلوم الجينوم، ويتغير فيه بالتناوب الأسبوع الخالي من الاجتماعات كل شهر، لتجنُّب تعارُض تلك الأسابيع على نحوٍ متكرر مع الاجتماعات الشهرية للمجموعات (go.nature.com/2en531y). ومنذ ذلك الحين، أبلغتني عدة مجموعات بأنَّها تعمل على تطبيق هذه الممارسة في برامجها ومختبراتها.

وأقترِح على الباحثين أن يشغلوا هذه الأسابيع المقترَحة في جداول أعمالهم على الفور، ثم يبدأوا في إلغاء الاجتماعات المقرَّر عقْدها خلال تلك الأسابيع، أو تغيير مواعيدها، إذ يُمكن -على الأرجح- إلغاء الاجتماعات الأسبوعية الدائمة، وعديدٍ من الاجتماعات الشهرية، التي ستتعارض معها تلك الأسابيع مرةً واحدة فقط في السنة. ولا بأس في الإبقاء على الاجتماعات التي يصعب تحديد مواعيدها. فبمجرد حلول تلك الأسابيع الخالية من الاجتماعات، يُسمَح بالاجتماعات الضرورية حسب الحاجة، بناءً على تقدير مدير المجموعة، لكن يُفترَض أن يكون الغرض المحدد من كل هذا هو إنجاز العمل المخطَّط له في الأسبوع الخالي من الاجتماعات.

ورغم أنَّني لم أجد دراساتٍ تقارن المقاربات المتَّبعة لتقليل عدد الاجتماعات، فإن عديدًا من استطلاعات الرأي أشار إلى أنَّها تمثل لنا عبئًا ضخمًا. فقد وجد استطلاعٌ شمل 182 شخصًا من كبار المديرين في عددٍ من الصناعات أنَّ حوالي ثلثيهم شعروا بأنَّ الاجتماعات تعرقل محاولاتهم للتفكير بعمق، وتعطلهم عن إنهاء مهامّهم (L. A. Perlow et al.Harvard Business Rev. 62–69; July–August 2017).

وبالطبع أربعة أسابيع في السنة هي مقدارٌ زهيد من الوقت بالنسبة إلى الأشخاص الذين يتمحور عملهم -في الأساس- حول الابتكار. لذا.. يحتاج الباحثون والمجموعات البحثية وقطاعات العمل المختلفة إلى تبادل النقاش حول أنظمتهم الخاصة، لمنع الاجتماعات من الإضرار بالإنتاجية والدقة والابتكار. فبعض الأشخاص يحددون يومًا دون اجتماعاتٍ كل أسبوع، بينما يحدد آخرون فترةً من الوقت كل يوم. وهناك شركات تنظم وقتًا دون اجتماعاتٍ أو مكالمات على مستوى الشركة كلها. لذا.. أُشجع كل شخصٍ وبرنامج على تحديد نظامٍ مناسب لهما، والالتزام به.

وبالإضافة إلى تقليل وقت الاجتماعات، لاحِظْ العقبات الأخرى التي تعوقك عن الإنتاج، التي ربما تشمل البريد الإلكتروني، أو وسائل التواصل الاجتماعي. حَدِّدْ أوقاتًا خالية من هذه المُلهِيَات، أو توقفْ عن استخدامها أثناء العمل تمامًا، أو خذ إجازةً مدفوعة، إذا كنتَ تحتاج إلى تغيير بيئة العمل.

وبعيدًا عن الاستراتيجيات الشخصية، وفي ظل العدد الكبير من المشروعات البحثية التعاونية الدولية واسعة النطاق في الوقت الحالي، من المنطقي بذْل جهدٍ دولي منسَّق عبر البرامج والمؤسسات، وتحديد أربعة أسابيع كل عام، يتوافق خلالها الوقت الخالي من الاجتماعات على مستوى العالم.

أحث الجميع على الاستمتاع بهذه الفترات الخالية من الاجتماعات كل ثلاثة أشهر. ولنتحدث معًا حول تجاربنا في نهاية العام. ربما ستساعد تلك الفكرة على تعميق العلاقات بين أفراد المجتمع البحثي.

هايدي ريم كبيرة المسؤولين التنفيذيين لتطبيقات علوم الجينوم في مستشفى ماساتشوستس العام، والمديرة الطبية لمختبَر تجارب تعيين التسلسل في الأبحاث الإكلينيكية، التابع لمعهد برود.

البريد الإلكتروني: HREHM@mgh.harvard.edu