أخبار

ازدهار محاولات استخدام أداة التحرير الجيني "كريسبر" لمكافحة الأمراض 

علماء يتطلعون إلى استخدام أداة «كريسبر» في تطبيقاتٍ طبية أكثر تطورًا مع تتابُع ظهور نتائج التجارب الإكلينيكية.

هايدي ليدفورد

  • Published online:
يتسم مرض فقر الدم المنجلي بخلايا دم حمراء مشوهة.

يتسم مرض فقر الدم المنجلي بخلايا دم حمراء مشوهة.

EYE OF SCIENCE/SPL

يبدو أنَّ إمكانية استخدام أداة تحرير الجينوم الشهيرة «كريسبر»  CRISPR في علاج مجموعةٍ من الأمراض البشرية تقترب من التحوُّل إلى حقيقة.

ففي حقل التطبيقات الطبية، حظي نظام «كريسبر-كاس9» CRISPR–Cas9 بعامٍ رائع سنة 2019، إذ تتابع ظهور النتائج الأولى من التجارب التي أخضعت النظام للاختبار في مجموعةٍ من الأشخاص،  وانطلقت تجارب جديدة تستخدمه. وفي السنوات المقبلة، يتطلع الباحثون إلى استخدام أداة «كريسبر» للتحرير الجينومي في تطبيقاتٍ أكثر تطوُّرًا، يُمكن أن تُرسيَ الأساس لعلاج مجموعةٍ من الأمراض، بدءًا من اضطرابات الدم إلى العمى الوراثي.

ومع أنَّ نتائج التجارب الإكلينيكية للتحرير الجينومي باستخدام أداة «كريسبر» قد جاءت مُبشِّرة حتى الآن، يقول الباحثون إنَّ من السابق لأوانه معرفة ما إذا كان استخدام الأداة على المرضى سيكون آمنًا أو فعالًا، أم لا. ففي هذا الشأن، يقول إدوارد ستاتماور، المتخصص في علم الأورام في جامعة بنسلفانيا بولاية فيلادلفيا الأمريكية: "كان هناك الكثير من التحفظات التي لها ما يوجبها فيما يتعلق باستخدام هذه الأداة في علاج الإنسان، لكنني أعتقد أننا بدأنا نرى بعض ثمارها".

مرّت سبعة أعوام فحسب، منذ أن اكتشف الباحثون إمكان استخدام نظام «كريسبر-كاس9» -وهو  نظام دفاعي جزيئي، تستخدمه الكائنات الحية الدقيقة لصد الفيروسات وغيرها من الغازيات- في تحرير الجينات البشرية. ومنذ ذلك الحين.. جذب تحرير الجينات الانتباه لقدرته على تعديل الأجِنَّة، وهو استخدام محفوف بمخاوف أخلاقية وقانونية، إذا ما كان من المقرر لهذه الأجنة أن تصير بَشرًا، لكنْ بالتوازي مع ذلك، أخذ العلماء يختبرون قدرة أداة «كريسبر» -الأقل إثارةً للجدل بكثير- على تعطيل الجينات المُسبِّبة للمشكلات في الخلايا الأخرى، أو تصحيحها، من أجل علاج مجموعةٍ من الأمراض.

وفي عام 2016، أعلن باحثون صينيون أنَّهم عالجوا أول شخص باستخدام نظام «كريسبر-كاس 9» مصمَّم لمحاربة السرطان، إذ عطَّل الباحثون في الخلايا المستخلصة من دم الشخص المُشارِك الجين الذي يُشفّر بروتين PD-1. وهو بروتين يضبط عمل الجهاز المناعي، لكنَّه قد يحمي بعض الخلايا السرطانية أثناء ذلك، ثم أعادوا حقن الخلايا في جسم المشارك.

وبحلول أواخر العام الماضي 2019، كانت قاعدة بيانات موقع ClinicalTrials.gov، التابعة للحكومة الأمريكية، قد أدرجت أكثر من اثنتي عشرة دراسةً جارية، تختبر استخدام أداة «كريسبر-كاس9» كعلاج لمجموعةٍ من الحالات المَرَضية، من بينها السرطان، وفيروس نقص المناعة البشرية، واضطرابات الدم، بيد أنه حتى الآن، لم يُعالَج في هذه التجارب سوى عددٍ قليل للغاية من الأشخاص، وهو عدد غير كافٍ للتوصُّل إلى أي استنتاجاتٍ مؤكَّدة بشأن أمان استخدام العلاجات القائمة على أداة «كريسبر-كاس9»، أو مدى فاعليتها. ففي تجربتين -جرى في إحداهما زرع بعض خلايا الدم المُحررة جينيًا في رجلٍ لعلاج عدوى نقص المناعة البشرية، وفي الأخرى زُرعت الخلايا في ثلاثة أشخاص لعلاج السرطان- لم تظهر النتائج الأولية أي علامات على التحسُّن الإكلينيكي.

ورغم أنَّ الخلايا المزروعة في كلتا التجربتين نَمَت مزدهرة في النخاع العظمي لمتلقِّي العلاج، بدون أي مشكلات خطيرة متعلقة بالسلامة، فهي لم تُظهِر أي فائدةٍ طبية ملموسة. ففي تجربة علاج نقص المناعة البشرية، حاول الباحثون استخدام أداة «كريسبر» لتعطيل بروتين تستخدمه سلالاتٌ كثيرة من الفيروس المسبِّب للمرض لدخول الخلايا، لكنَّ 5% فقط من الخلايا المزروعة كانت مُحرَّرة، وهذه نسبة غير كافية لعلاج المرض، حسب ما ذكره الباحثون في شهر سبتمبر الماضي (L. Xu et al. N. Engl. J. Med.381, 1240–1247; 2019). وفي ذلك الصدد.. يقول هونجكوي دِنج -وهو باحث في الخلايا الجذعية في جامعة بكين في العاصمة الصينية بكين، والمؤلِّف الرئيس للدراسة- إنَّ الدراسة مُعلَّقة إلى أنْ يَستكشِف الباحثون سُبُلًا لزيادة هذه النسبة.

وثمة بوادر مُبشِّرة بأنْ تحظى تجربةٌ أخرى بنجاحٍ أكبر، إذ عالجت شركة «كريسبر ثيرابيوتكس» CRISPER Therapeutics، في مدينة كامبريدج بولاية ماساتشوستس الأمريكية، وشركة «فيرتِكس فارماسيوتيكالز »في مدينة بوسطن بولاية ماساتشوستس الأمريكية، شخصين مصابين باضطرابين وراثيين، هما: فقر الدم المنجلي، وبيتا ثلاسيميا، وفيهما تُستنفَد جزيئات الهيموجلوبين القادرة على حمل الأكسجين في الدم. وتكمن فكرة هذا العلاج في استخدام أداة «كريسبر« لتعطيل جينٍ يوقِف إنتاج شكلٍ آخر من الهيموجلوبين. وتشير النتائج الأوَّلية إلى أنَّ هذا العلاج ربما يكون قد خفَّف بعض أعراض هذين الاضطرابين.

ويتطلَّع باحثون آخرون بشدة إلى تجاوُز مرحلة تحرير الجينات في الأطباق المختبرية، غير أنَّ التحدِّي يكمن في إيجاد طريقةٍ لنقل أدوات تحرير الجينات إلى الأماكن التي تحتاج إليها داخل الجسم، حسبما يقول جون ليونارد الرئيس التنفيذي لشركة «إنتيليا ثيرابيوتكس» Intellia Therapeutics، وهي شركةٌ للتكنولوجيا الحيوية في مدينة كامبريدج في ولاية ماساتشوستس الأمريكية، تركز جهودها على استخدام أداة «كريسبر-كاس9« للتحرير الجينومي.

من هنا، وفي يوليو الماضي، أطلقت كل من شركة «إديتاس ميديسين» Editas Medicine  للأدوية في مدينة كامبريدج في ولاية ماساتشوستس، وشركة «أليرجان» Allergan للأدوية في دبلن تجربةً قائمة على تحرير بعض خلايا العين؛ لعلاج النوع العاشر من مرض «كُمنة ليبر الخلقية»، وهو اختلالٌ وراثي يُمكن أن يُسبِّب العمى، حيث من المقرر أن يحقن الباحثون العين بفيروس يحتوى على حمضٍ نووي يُشفِّر أدوات تحرير الجينوم «كريسبر-كاس9«، متجاوزين بذلك الحاجة إلى توجيه أدوات التحرير الجينومي عبر مجرى الدم إلى الأنسجة المطلوبة، إذ سيكون هذا الفيروس مسؤولًا عن نقل أدوات تحرير الجينوم إلى داخل الخلايا. وتُعَد هذه أول تجربة تحاول تحرير الجينات بأداة «كريسبر-كاس9» داخل الجسم، ومن المحتمل أن يُبلَّغ عن نتائجها الأوليّة خلال هذا العام.

ومن جانبه، يقول تشارلز جيرسبَخ –وهو مهندسٌ بيولوجي في جامعة ديوك بمدينة دورهام في ولاية كارولينا الشمالية الأمريكية– إنَّ هذه ستكون لحظةً فارقة لهذا المجال، لكنَّه ومجموعة من العلماء الآخرين يأملون في أن يتخلى الباحثون -في نهاية المطاف- عن استخدام الفيروسات لنقل أدوات تحرير الجينوم إلى داخل الخلايا، إذ يُمكن أن تثير الفيروسات المُعطَّلة استجاباتٍ مناعية، فضلًا عن أنها لا تحمل سوى كميةٍ محدودة من الحمض النووي.

والأهم من ذلك.. أنَّ بعض أدوات تحرير الجينات كبير جدًّا إلى حد يمنع إدخالها في فيروسات العلاج الجيني شائعة الاستخدام، وفقًا لما يقوله أندرو أنزالون، المتخصص في البيولوجيا الكيميائية في معهد برود، التابع لكلٍّ من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة هارفارد بمدينة كامبريدج في ولاية ماساتشوستس. ومن بين هذه الأدوات: أنظمة «كريسبر» المُحسَّنة، التي تُدعى محررات الجينات الأولية، والتي نُشر أول تقرير عنها في العام الماضي 2019 (A. V. Anzalone et al.Nature 576, 149–157; 2019).

لذا.. تبحث شركة «إنتيليا ثيرابيوتكس» عن طريقةٍ أخرى غير استخدام الفيروسات. وقد أبرمت مشارَكة مع شركة «نوفارتس» Novartis السويسرية العملاقة للأدوية، بهدف تطوير جسيماتٍ نانوية دهنية، يُمكنها حماية جزيئات تحرير الجينوم في أثناء انتقالها عبر مجرى الدم، بل وتستطيع كذلك المرور عبر أغشية الخلايا المُستهدَفة. 

يقول جيرسبَخ إنّ جميع التقنيات التي تُختَبَر حاليًّا ليس من بينها أي تقنية تمثل ما يتوقعه الباحثون لتقنيات تحرير الجينوم على المدى الطويل، مُضيفًا بقوله: "الأساليب التي يتبعها الباحثون هي المتاحة لدينا حاليًّا، لكنَّها ليست الأساليب التي قد نستخدمها لتصميم الدواء المثالي".