تحقيقات

مواد فائقة البرودة تبعث بالحرارة إلى الفضاء

من الممكن تصميم الدهانات والمواد البلاستيكية، وحتى الأخشاب، بحيث تحتفظ ببرودتها تحت ضوء الشمس المباشر، لكنَّ الغموض ما زال يكتنف دور تلك المواد في حل محلّ مكيّفات الهواء المستهلِكة للطاقة.

شياوجي ليم
  • Published online:
صورة حرارية للوحٍ مُغطَّى بطبقة من مادة »فائقة البرودة« خارج جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك.

صورة حرارية للوحٍ مُغطَّى بطبقة من مادة »فائقة البرودة« خارج جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك.

 Jyotirmoy Mandal

حين كُلّف رجل الأعمال هاورد بيسلا بإنقاذ متجرٍ محلي من الإفلاس، كانت مسألة تحقيق الكفاءة في استهلاك الطاقة ضمن أول اهتماماته؛ فتواصَل في شهر يونيو من عام 2018 مع الشركة التي توفر له خدمات الكهرباء في مدينة ساكرامنتو بولاية كاليفورنيا، وذلك بغرض تجديد المصابيح، لكنَّ الشركة اقترحت عليه فكرةً أخرى، وهي أن تتولى تركيب نظام تبريد تجريبي له، يتكون من ألواح يمكنها أن تظل أبرد من محيطها، دون استهلاك الطاقة، حتى تحت أشعة الشمس الحارقة.

وتستقر حاليًّا على سقف المتجر هذه الألواح المُدعَّمة من أسفل بمادة الألومنيوم، التي تتسم بسطوح عاكسة مغطاة بغشاء تبريد رقيق، وموجهة نحو السماء. وتُبرِّد هذه الألواح سائلًا يجري في الأنابيب الموجودة أسفلها، التي تمتد داخل المتجر، وقد أسهمت مع المصابيح الجديدة في خفض قيمة فواتير الكهرباء بحوالي 15%. وعنها يقول بيسلا: "لم تكن تسخن حتى في الأيام الحارة".

طُوِّرَت هذه الألواح بناءً على اكتشافٍ تَحقَّق في جامعة ستانفورد بولاية كاليفورنيا. ففي عام 2014، أعلن باحثون في الجامعة أنَّهم ابتكروا مادةً تظل أبرد من محيطها في ضوء الشمس المباشر1، ثم أّسَّس عضوان من هذا الفريق البحثي -هما: شانهوي فان، وأسواث رامان- مع زميلهما إيلاي جولدستاين شركةً ناشئة، تُعرف باسم «سكاي كول سيستمز» SkyCool Systems، وصنَّعوا تلك الألواح التي استخدمها بيسلا. ومنذ ذلك الحين، تمكنوا وغيرهم من الباحثين من تطوير مجموعةٍ كبيرة من المواد التي تحتفظ ببرودتها في الأجواء الحارة، تتضمن أغشيةً، وطلاءات قابلة للرش، وأخشابًا مُعالَجة.

ويَعتمد جميع هذه المواد على تعزيز تأثيرٍ طبيعي للإشعاعٍ الحراري، يُعرف باسم «التبريد الإشعاعي السلبي».. فكل شخص، وكل بناية، بل كل كائن على كوكب الأرض تنبعث منه حرارة، لكنَّ الغلاف الجوي المحيط بالكوكب، الذي يشبه الغطاء، يمتص معظم هذه الحرارة، ويشعّها باتجاه الأرض مرةً أخرى. هذا.. باستثناء الأشعة تحت الحمراء التي تتراوح أطوالها الموجية بين 8، و13 ميكرومترًا، فهذه لا يمتصها الغلاف الجوي، وتغادر الأرض لتنفذ إلى الفضاء الخارجي البارد. ومنذ الستينيات، سعى العلماء لتسخير هذه الظاهرة في تطبيقاتٍ عملية، لكنَّ تأثير التبريد الإشعاعي السلبي لا يلاحَظ سوى في الليل، ففي النهار تغمرنا أشعة الشمس بطاقةٍ حرارية أكبر بكثير مما يمكننا إرساله إلى الفضاء.

أمَّا هذه المواد الجديدة، فتعكس طيفًا واسعًا من الضوء، كما تفعل المرايا أو الطلاء الأبيض تمامًا. وفيما يتعلق بذلك الجزء الحيوي من طيف الأشعة تحت الحمراء، الذي تتراوح أطواله الموجية بين 8، و13 ميكرومترًا، فتمتص تلك المواد معظم الإشعاع، ثم تبعثه خارجها. وعندما تُوجَّه تلك المواد إلى السماء، تستطيع الأشعة تحت الحمراء اختراق الغلاف الجوي مباشرةً، والاتجاه إلى الفضاء. ومن ثم، يربط هذا التأثير -من الناحية الفعلية- تلك المواد بحوضٍ دائم لتصريف الحرارة، بحيث يمكنها أن تفرِّغ فيه الحرارة باستمرار، دون أن تعود إليها الحرارة مرةً أخرى. ونتيجةً لذلك.. تستطيع هذه المواد أن تشع قدرًا كافيًا من الحرارة، بحيث تظل درجة حرارتها أقل من الهواء المحيط بعدة درجات. وتشير الأبحاث إلى أنَّ الفروق في درجات الحرارة بينها وبين الهواء المحيط قد تتجاوز 10 درجات مئوية في الأماكن الحارة الجافة2،3. وقد أطلق عليها ديفيد سايلور -مدير مركز أبحاث المناخ الحضري بجامعة ولاية أريزونا في مدينة تمبي- اسم «المواد فائقة البرودة».

ويرى أنصار هذه المواد أنَّ فوائدها المحتملة لا تقتصر على خفض فواتير الكهرباء، بل قد تشمل أيضًا الحد من الزيادة الكبيرة المفاجِئة في الطلب على أجهزة التبريد وأجهزة تكييف الهواء المستهلِكة للطاقة، في ظل الارتفاع المستمر لدرجات الحرارة في العالم. وفي هذا الصدد.. يقول ماتيوس سانتاموريس، الأستاذ بجامعة نيو ساوث ويلز في مدينة سيدني بأستراليا، الذي يعمل أيضًا على تحسين هذه المواد: "أعتقد أنه في غضون أربع إلى خمس سنوات، ستصبح أنظمة التبريد الإشعاعي التي يمكن استخدامها خلال النهار التقنية الأولى في تبريد المباني، فهي أجهزة تكييف الهواء المستقبلية".

رأى بعض الباحثين أيضًا أنَّ تلك المواد يمكن اعتبارها جزءًا من استراتيجيةٍ لهندسة المناخ، لمساعدة كوكب الأرض على التخلص من الحرارة، بغرض مجابهة ارتفاع درجات الحرارة حول العالم. وفي هذا الشأن، يتساءل جيريمي مونداي -عالِم الفيزياء في جامعة كاليفورنيا بمدينة ديفيس- قائلًا: "بدلًا من محاولة صدّ الحرارة القادمة من الشمس، هل يمكننا أن نجعل الأرض تشع قدرًا أكبر منها؟".

هناك علماء كثيرون تساورهم تحفّظات تجاه هذه الأفكار.. فحتى الوقت الراهن، تستند التقديرات النظرية لمقدار الطاقة الكهربائية التي يمكن لتلك المواد توفيرها إلى بياناتٍ مستمَدَّة من عيناتٍ صغيرة، خضعت للاختبار على مدى فتراتٍ زمنية قصيرة. هذا.. بالإضافة إلى أنَّ هناك شكوكًا حول قدرة هذه المواد على أداء وظيفتها في مجموعةٍ كبيرة متنوعة من المناخات والأماكن. فتأثير هذه المواد المُبرِّد يحقق أفضل نتيجةٍ ممكنة في المناطق ذات المناخات الجافة والسماوات الصافية، أما حين يكون الجو غائما أو رطبًا، فإنَّ بخار الماء يمنع الأشعة تحت الحمراء من النفاذ. وقد لا تصمد المواد فائقة البرودة في جميع الظروف الجوية، وقد لا تناسِب جميع المباني.

وما زال مجهولًا أيضًا تَقَبُّل المستهلكين لهذه الفكرة مِن عدمه. ويُعلِّق سايلور على تلك المسألة قائلًا إنَّ حتى فكرة تغيير السطوح البالية، وعمل سطوح بيضاء عاكسة بدلًا منها لتبريد المنازل –وهذا إجراء بسيط– لم تحظَ بقبولٍ كبير في أوساط مالكي المنازل. ومع ذلك.. تشير نماذجه إلى أنَّ استخدام الطلاءات فائقة البرودة قد يضاعف مقدار التوفير في الطاقة، مقارنةً بالسقوف البيضاء. ويقول عن ذلك: "قد يكون لهذا تأثيرٌ كبير".

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et             dolore magna aliqua.
كبر الصورة

التغلب على حرارة الشمس

في عام 2012، عثر رامان –الذي كان يعمل آنذاك على إتمام دراسة الدكتوراة مع فان حول تطوير مواد قادرة على تجميع طاقة الشمس– بالصدفة على دراساتٍ قديمة عن تأثير التبريد الإشعاعي السلبي، الذي لم يسبق له أن سمع به. ولعلمه أنَّ كيفية استخدام ذلك التأثير تحت أشعة الشمس المباشرة لم تُكتَشف بعد، عكف على دراسة خواص التفاعل مع الضوء، التي ينبغي توفُّرها في أي مادة لتتغلب على حرارة الشمس. وتبيَّن له أنَّ المواد ينبغي أن تعكس أشعة طيف ضوء الشمس، التي تتراوح أطوالها الموجية من 200 نانومتر إلى 2.5 ميكرومتر، وذلك بفعاليةٍ أكبر من الطلاء الأبيض، الذي يعكس بالفعل نسبةً تصل إلى 94% من تلك الأشعة. هذا.. بالإضافة إلى أنَّها ينبغي أن تمتص وتبعث مقدارًا يقارب الحد الأقصى (100%) من الأشعة التي تتراوح أطوالها الموجية بين 8، و13 ميكرومترًا. (انظر شكل: «آلية الاحتفاظ بالبرودة»).

ورأى رامان وفان أنَّ كل ذلك يمكن تحقيقه عن طريق هندسة المواد على المستوى النانوي. فتصميم بِنَى المواد بحيث تكون أصغر من الأطوال الموجية لأشعة الضوء التي تمر عبرها يُفترَض فيه أنْ يعزز قدرتها على امتصاص الأشعة وإطلاقها عند أطوالٍ موجية معينة، ويكبح تلك القدرة عند أطوالٍ موجية أخرى.

وتوصَّل الفريق البحثي إلى فكرة حفر أشكال على سطوح المواد4، ونشر عنها ورقةً بحثية في عام 2013، ثم تقدَّم أعضاء الفريق بمقترحٍ إلى الوكالة الأمريكية للمشروعات البحثية المتقدمة في مجال الطاقة (ARPA-E)، للحصول على تمويلٍ لتصنيع تلك المواد.

ويتذكر هذا المقترح هاورد برانز، الذي كان حينذاك يدير أحد برامج الوكالة في ولاية واشنطن، ويعمل حاليًّا استشاري تقنيات في مدينة بولدر بولاية كولورادو، قائلًا: "قلتُ لنفسي على الفور: مذهل، أودّ حقًّا أن أرى مَن ينفِّذ بالفعل تلك الفكرة". وأضاف: "ظاهرة التبريد الإشعاعي تشع قدرًا كبيرًا من الحرارة أثناء الليل، لكنَّ تحقيقها تحت أشعة الشمس في ذروتها خلال النهار يُعَد مذهلًا للغاية".

من هنا، منح برانز الباحثين 400 ألف دولار أمريكي، وأمهلهم سنةً لتنفيذ الفكرة. ونظرًا إلى ضيق الوقت، قرر فريق جامعة ستانفورد تبسيط التصميم، وتجربة صف المواد في طبقاتٍ باتباع طرق معروفة أكثر. ولتطوير مادةٍ عاكسة بدرجة كبيرة، وضع الباحثون بالتناوب أربع طبقاتٍ رقيقة من موادٍ تكسر الضوء بزاوية انكسار كبيرة (ثاني أكسيد الهافنيوم)، وأخرى تكسر الضوء بزاوية انكسار صغيرة (مثل ثاني أكسيد السيليكون، أو الزجاج)، وهي فكرة تُستخدم كثيرًا في هندسة البصريات، تكتسب جدواها من الكيفية التي تتداخل بها موجات الضوء أثناء مرورها عبر طبقاتٍ مختلفة. واستخدم الباحثون المبدأ نفسه لتضخيم انبعاثات الأشعة تحت الحمراء، بوضع ثلاث طبقاتٍ أكثر سمْكًا من المواد نفسها بأعلى.

وحين اختبروا موادّهم في الأماكن المفتوحة1، ظلت أبرد بحوالي 5 درجات مئوية، مقارنةً بدرجة حرارة الهواء المحيط، حتى تحت أشعة شمسٍ مباشرة بلغت شدتها حوالي 850 وات لكل متر مربع (في أي يومٍ صافٍ مشرق، تصل شدة أشعة الشمس المباشرة الساقطة عموديًّا عند مستوى سطح البحر إلى نحو ألف وات لكل متر مربع).

وبعد هذا النجاح، موَّلت الوكالة الأمريكية للمشروعات البحثية المتقدمة في مجال الطاقة مقترحاتٍ أخرى لتطوير مواد فائقة البرودة، من بينها فكرةٌ طرحها الباحثان شياوبو يِن، ورونجوي يانج -من جامعة كولورادو بولدر- اللذان أرادا تصنيع تلك المواد على نطاقٍ واسع. ووقع اختيارهما على البلاستيك والزجاج الرخيصين. فالكرات الزجاجية ذات الحجم المناسب، أي التي يبلغ قطرها بضع ميكرومترات، تشع بقوة أشعة الضوء الممتصة، التي تتراوح أطوالها الموجية بين 8، و13 ميكرومترًا. ووضع هذه الكرات في أغشيةٍ سُمْكها 50 ملِّيمترًا من مادة البولي ميثيل بنتين الشفافة –وهي مادة بلاستيكية تُستخدم في بعض معدات المختبرات، وأدوات الطهي– وتدعيمها بالفضة العاكسة كان كافيًا لإنتاج مادةٍ فائقة البرودة5. والأهم من ذلك.. تمكَّن الباحثون من تصنيع هذه الأغشية بتقنية البكرات المتقابلة، التي تُنتِج 5 أمتار من الأغشية في الدقيقة الواحدة.

واتضح أنَّ مواد كثيرة تُظهِر تأثير التبريد الفائق إذا صُممت بِنْيَتها على النحو الصحيح، وليس فقط المواد ذات الخواص الغريبة أو الفريدة. ففي عام 2018، أعلن باحثون من جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك، ومعهم أخرون من مختبر أرجون الوطني في مدينة ليمونت بولاية إلينوي، عن نجاحهم في تطوير طلاءٍ فائق البرودة، يتكون من دهانٍ بوليمري قابل للرش6. فهناك بوليمرات كثيرة قادرة بطبيعتها على إطلاق الأشعة تحت الحمراء، التي تتراوح أطوالها الموجية بين 8، و13 ميكرومترًا، لأنَّ روابطها الكيميائية –مثل تلك الموجودة بين ذرات الكربون وبعضها، أو بين ذرات الكربون والفلور– تُطلِق حِزَمًا من الأشعة تحت الحمراء حين تتمدد وترتخي، وذلك حسبما أوضح عضو الفريق يوان يانج. وكانت الفكرة هنا هي تعزيز قدرة البوليمرات على عكس ضوء الشمس.

من هنا، عكف يوتيرموي ماندال –وهو من طلاب يانج، ويعمل حاليًّا باحثًا في مرحلة دراسات ما بعد الدكتوراة بمختبر رامان في جامعة كاليفورنيا بمدينة لوس أنجيليس– على إذابة مواد بوليمرية أولية، مضافة إليها ذرات فلور في سائل الأسيتون مع كميةٍ صغيرة من الماء. وهذا المزيج يمكن رشه على السطوح، لتغطيتها بطبقةٍ بوليمرية مستوية، تنتشر خلالها قطرات ماء صغيرة، فيجفّ الأسيتون المتطاير أولًا، ثم تعقبه قطرات الماء، مُخلِّفةً وراءها مسام تمتلئ بالهواء. ويقول يانج إنَّ المحصلة النهائية تصبح طلاءً أبيض داخله مسام تعكس ضوء الشمس.

وفي شهر مايو الماضي، أعلن فريق جامعة كولورادو تطوير مادةٍ أخرى، وهي خشب تبريد، طَوَّرَه الفريق بالتعاون مع ليانجبينج هو، وتيان لي من جامعة ميريلاند في مدينة كوليدج بارك. وحسب ما قاله لي، فالخشب مثله مثل البوليمرات تمامًا، يحتوي على روابط كيميائية تشع النوع المطلوب من الأشعة تحت الحمراء. ويمكن تحقيق تبريد عام به عن طريق الإزالة الكيميائية لمكوِّنٍ صلب يُسمَّى «اللجنين»، حتى يتحول الخشب إلى مادةٍ عاكسة، بالإضافة إلى ضغط المنتج؛ للمحاذاة بين ألياف السليلوز داخل الخشب، وتضخيم انبعاثات الأشعة تحت الحمراء7.

صورة حرارية للوحٍ مُغطَّى بطبقة من مادة »فائقة البرودة« خارج جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك.

صورة حرارية للوحٍ مُغطَّى بطبقة من مادة »فائقة البرودة« خارج جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك.

 Aaswath Pattabhi Raman

وطوَّر العلماء أيضًا أغشيةً رقيقة فائقة البرودة من مادة «ثنائي ميثيل بولي سيلوكسان»، تُعرف اختصارًا باسم (PDMS)، -وهي مادة سيليكونية موجودة في منتجاتٍ مثل المُزلِقات، وبلسم الشعر، ولعبة المعجون السيليكوني المائع- برشّها على مادة مبطنة عاكسة. وتَحَقَّق اكتشافٌ آخر في وقتٍ قريب للغاية، ففي شهر أغسطس الماضي، اكتشف زونجفو يو -من جامعة ويسكونسن ماديسون- وتشياو تشيانج جان -من جامعة ولاية نيويورك في مدينة بافالو- أنَّه عند تغطية غشاءٍ من الألومنيوم برشِّه بطبقةٍ سُمْكها 100 ميكرومتر من مادة «ثنائي ميثيل بولي سيلوكسان»، ووَضْعه في ساحة انتظار السيارات بإحدى الجامعات في منتصف اليوم2، ظل الغشاء أبرد من الهواء المحيط بإحدى عشرة درجة مئوية.

الاحتفاظ بالبرودة

حصلت هذه الفِرَق البحثية جميعها تقريبًا على براءاتٍ لاختراعاتها، وتسعى في الوقت الحالي لتسويقها. فعلى سبيل المثال.. يعمل جان مع شركاءٍ في قطاع الصناعة، رفض ذكر أسمائهم، وذلك لتحويل غشاء الألومنيوم المغطى بمادة «ثنائي ميثيل بولي سيلوكسان» إلى سلعةٍ تجارية. ومنحت جامعة كولومبيا حق تطوير طلائها فائق البرودة لشركة »ميتا آر إي« MetaRE الناشئة في نيويورك، التي أسسها ماندال ونانفانج يو، الباحث بجامعة كولومبيا، الذي تعاوَن مع يانج. وحسب ما أدلت به أبريل تيان، المديرة التنفيذية للشركة، فإنَّ «ميتا آر إي» تتعاون أيضًا مع قطاع الصناعة؛ لتطوير الطلاء؛ بغرض استخدامه لتغطية السقوف، ووسائل النقل المُبرَّدة، والمخازن، وفي بعض تطبيقات صناعة النسيج. وتضيف تيان أنّ المنتَج سيكون "منافسًا شرسًا" لأنواع الطلاء التقليدية.

وسلطت شركاتٌ ناشئة أخرى الضوءَ على مقدار الكهرباء الذي يمكن أن توفره منتجاتها. فعلى سبيل المثال.. طَّور فان ورامان نظام ألواح شركة «سكاي كول سيستمز» الحصري. وتوقعا في عام 2017 أنَّ النظام يمكنه خفض مقدار الكهرباء التي يستهلكها المبنى في عملية التبريد بنسبة 21% أثناء فصل الصيف في مدينة لاس فيجاس الحارة والجافة بولاية نيفادا8. ويقول رامان إنَّ الألواح بإمكانها توفير تكاليفها كاملةً خلال فترة تتراوح من ثلاث إلى خمس سنوات. وأسس يِن ورونجوي يانج شركةً في مدينة بولدر، أطلقا عليها اسم «رادي كول» Radi-Cool، وذلك لتحويل البلاستيك المُطعَّم بالزجاج إلى سلعةٍ تجارية. وأفادا في شهر يناير من عام 2019 بأنَّ هذه المادة قد تقلل من استهلاك الكهرباء في عمليات التبريد في الصيف بنسبة تتراوح من 32 إلى 45%، في حال استخدامها مع مبردات المياه في المباني التجارية بمدينة فينيكس في ولاية أريزونا، ومدينة ميامي في ولاية فلوريدا، ومدينة هيوستن في ولاية تكساس9. أمَّا ليانجبينج هو، فمنح حق تصنيع الخشب فائق البرودة لشركةٍ في مدينة ميريلاند، شارك في تأسيسها، تُعرف باسم «إنفنت وود» InventWood، ويتوقع أنْ توفِّر هذه المادة من 20 إلى 35% من الطاقة المستهلكة لأغراض التبريد في 16 مدينة أمريكية7.

وتحذِّر ديانا أورجه فورساتز -عالمة البيئة بالجامعة الأوروبية المركزية في بودابست، المتخصصة في الحد من آثار التغير المناخي- من كون هذه التقديرات مستنِدة إلى تجارب ونماذج محدودة للغاية، وبالتالي لا يمكن تعميمها على مبانٍ كاملة في المدن. وأضاف يِن قائلًا إنّ المقدار الحقيقي لما ستوفره المواد فائقة البرودة من طاقة، والسرعة التي ستوفر بها تكاليفها كافة، يتوقفان على هيكل المبنى، وموقعه، وظروف الطقس.

والموقع هو أكبر تلك العقبات. وعن هذا.. يقول جيمس كلاوسنر، وهو مهندس ميكانيكا في جامعة ولاية ميشيجان بمدينة إيست لانسنج، عمل مديرًا لبرامج في الوكالة الأمريكية للمشروعات البحثية المتقدمة في مجال الطاقة بعد رحيل برانز، وموَّل بعض المقترحات في مجال المواد فائقة البرودة: "هناك مناطق جغرافية معينة لن تُجدِي فيها هذه المواد نفعًا، لأنَّ جَوّها ليس جافًّا بما فيه الكفاية"، لكنَّه أضاف أنَّ هذا لا يعني صرف النظر تمامًا عن استخدام تلك المواد، لأنَّ المناطق التي يتحقق فيها تأثير التبريد بشكل جيد هي مناطق قاحلة، مثل جنوب غرب الولايات المتحدة، أو الشرق الأوسط، وهي مناطق يرتفع فيها الطلب على أجهزة تكييف الهواء.

ويكمن تحدٍّ آخر في أنَّ أنظمة التبريد الإشعاعي قد تزيد من تكاليف التدفئة في فصل الشتاء. ولحل هذه المشكلة، يحاول سانتاموريس وضْع طبقةٍ سائلة أعلى المواد فائقة البرودة، تتجمد حين تنخفض درجة الحرارة بقدرٍ كاف. وفور أن يتجمد السائل، لن يستطيع الإشعاع الإفلات إلى الفضاء، وبالتالي يتوقف تأثير التبريد. وفي شهر أكتوبر الماضي، أعلن ماندال ويانج أنَّهما قد توصلا إلى طريقةٍ أخرى لإيقاف فرط التبريد10، وهي ملء مسام الدهان البوليمري بمادة الأيزوبروبانول، إذ يبدأ حينها الدهان بحبس الحرارة، بدلًا من بثها إلى الفضاء. ويمكن عكس ذلك التأثير عن طريق نفخ الهواء داخل المسام؛ لتجفيفها.

وهناك مشكلةٌ أخرى، وهي أنَّ هذه المواد لا تحقِّق تأثير التبريد الفائق إلا إذا استطاعت بث إشعاعاتها مباشرةً إلى حوض التصريف الحراري البارد في الفضاء الخارجي. وفي المناطق الحضرية، قد تعوق المباني والأشخاص والأجسام الأخرى تلك العملية، وتمتص الحرارة، وتعيد بثّها. وجديرٌ بالذكر أنَّ أفضل المواد أداءً تبدد الحرارة حاليًّا بنسبة تبلغ حوالي 100 وات لكل متر مربع. ويأمل جان ويو في مضاعفة هذه النسبة، عن طريق وضع الأغشية التي ابتكروها عموديًّا على سقوف المباني، بحيث يمكن للانبعاثات النفاذ من كلا سطحَي الغشاء، بيد أنَّ هذا سيتطلب إحاطة الأغشية بمواد يمكنها عكس الانبعاثات جهة السماء.

ويدرس الباحثون طرقًا أخرى لزيادة قدرة المواد على التبريد. ففي شهر أكتوبر الماضي، أفادت الباحثة إيفيلين وانج -من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في مدينة كامبريدج- وزملاؤها بأنَّ تغطية غشاء تبريدٍ إشعاعي بهلامٍ غازي خفيف عازل قد جعل المبنى أبرد من محيطه بثلاث عشرة درجة مئوية، وذلك في وقت الظهيرة بصحراء أتاكاما الجافة في تشيلي، مقارنةً بفارقٍ بلغ 1.7 درجة مئوية فقط في حال عدم استخدام الهلام الغازي3. وترى إيفلين أنَّ فكرة الهلام الغازي يمكن استخدامها مع مواد أخرى فائقة البرودة.

إنّ أحلام استخدام المواد فائقة البرودة في هندسة المناخ للحدّ من الاحتباس الحراري تبدو بعيدة المنال، ومستبعَد تحقيقها من المنظور العملي. ففي شهر سبتمبر الماضي، أجرى مونداي حساباتٍ تقريبية؛ للإشارة إلى أنَّه من الممكن خفض درجات الحرارة الحالية الآخِذة في الارتفاع، عن طريق تغطية نسبة تتراوح من 1 إلى 2% من سطح الأرض بالمواد المطوَّرة حاليًّا، التي تولد قوة تبريد تصل إلى حوالي 100 وات لكل متر مربع أثناء النهار11، لكنَّ مارك لورانس -عالِم المناخ بمعهد دراسات الاستدامة المتقدمة في مدينة بوتسدام الألمانية- يعتقد أنَّه من المستحيل لتلك التقنية الناشئة أن تحقق ذلك الانتشار بالسرعة الكافية، لتصبح مفيدةً في مواجهة أزمة المناخ، فحتى الألواح الشمسية لم تصل بعد إلى هذا المستوى من الانتشار، رغم مرور عشرات السنين على تطويرها. وكما هو الحال مع أيّ مقترَحٍ من مقترحات هندسة المناخ، يُقِرّ مونداي باحتمالية الخروج بنتائج غير مقصودة لاستخدام تلك التقنية، تتعلق بإحداث اضطرابٍ في أنماط تَساقُط الأمطار، والمناخات المحلية، وهو ما تتفق أورجه فورساتز على كونه مشكلةً محتمَلة قد تَنْتُج عن استخدام تلك المواد.

ومع ذلك.. يرى رامان أنَّ تأثير التبريد الإشعاعي السلبي ربما تكون له فوائد عديدة (انظر الشكل: «كهرباء بالليل، ومياه بالنهار»). فقد يساعد مثلًا في منع تدني كفاءة الألواح الشمسية مع ارتفاع درجات الحرارة. ويضيف يِن قائلًا إنه بينما تُنتِج جميع عمليات توليد الكهرباء وتحويلها حرارةً مهدرة، حتى إنْ كانت تَعتمِد على الطاقة المتجددة، بدلًا من الوقود الأحفوري، فإنَّ هذه المواد "هي التكنولوجيا الوحيدة التي تستفيد من كل هذه الحرارة المهدَرة، وتُفرِّغها في الفضاء".

يمكن الاستفادة من المواد التي تُفرِّغ الحرارة من الأرض إلى الفضاء في تطبيقاتٍ غير متوقعة، منها -على سبيل المثال- تسهيل استخلاص المياه من الغلاف الجوي أثناء النهار. ففي الليل يتكثف بخار الماء، متحولًا إلى ندى على السطوح التي تشع حرارتها  باتجاه سماء الليل الصافية، وهو تأثيرٌ سخره البشر لقرون؛ لاستخلاص المياه. وقد توصَّل زونجفو يو -من جامعة ويسكونسن ماديسون- وتشياو تشيانج جان -من جامعة ولاية نيويورك بمدينة بافالو- إلى أنَّ تغطية غشاءٍ من الألومنيوم بمادة «ثنائي ميثيل بولي سيلوكسان» لا تبقيه باردًا فحسب، بل تعزِّز أيضًا تكثُّف بخار الماء عليه خلال النهار12. ومِن هنا، أنشأ الباحثان شركة «صني كلين ووتر»  Sunny Clean Water في مدينة بافالو، لتحويل هذا الجهاز إلى سلعةٍ تجارية.

يمكن أيضًا استخدام فرق درجات الحرارة بين المادة فائقة البرودة ومحيطها في توليد الكهرباء بالليل، على عكس الألواح الشمسية التي لا تعمل سوى خلال النهار. ففي شهر سبتمبر الماضي، تمكَّن كلٌّ من أسواث رامان، وشانهوي فان، ووي لي -من جامعة ستانفورد بولاية كاليفورنيا- من إنتاج تيارٍ كهربائي ضعيف متقطع من هذا الجهاز الليلي13، تقع شدته في نطاق الملِّي وات لكل متر مربع. وهذا يدل على إمكانية توفير قدرٍ من الكهرباء خلال الليل يكفي -على الأقل- لتشغيل مصباح صغير من المصابيح ذات الصمام الثنائي الباعث للضوء (LED). ويرى هاورد برانز -وهو استشاري تقنيات في مدينة بولدر في ولاية كولورادو- أنَّ هذا دليلٌ مثير للاهتمام على جدوى الفكرة، لكنَّ الكهرباء الناتجة من الألواح الشمسية يمكن تخزينها في بطارياتٍ؛ لتوليد تياراتٍ كهربية أشد. ولذلك.. لم يتضح بعد ما إذا كانت تلك الفكرة ستحقق نفعًا، أم لا.

References

  1. Raman, A. P., Anoma, M. A., Zhu, L., Rephaeli, E. & Fan, S. Nature 515, 540–544 (2014).| article

  2. Zhou, L. et al. Nature Sustain. 2, 718–724 (2019).| article
  3. Leroy, A. et al. Sci. Adv. 5, eeat9480 (2019).| article
  4. Rephaeli, E., Raman, A. & Fan, S. Nano Lett. 13, 1457–1461 (2013).| article
  5. Zhai, Y. et al. Science 355, 1062–1066 (2017).| article
  6. Mandal, J. et al. Science 362, 315–319 (2018).| article
  7. Li, T. et al. Science 364, 760–763 (2019). | article
  8. Goldstein, E. A., Raman, A. P. & Fan, S. Nature Energy 2, 17143 (2017).| article
  9. Zhao, D. et al. Joule 3, 111–123 (2019).| article
  10. Mandal, J. et al. Joule https://doi.org/10.1016/j.joule.2019.09.016 (2019). | article
  11. Munday, J. N. Joule 3, 2057–2060 (2019).| article
  12. Zhou, M. et al. Preprint at https://arxiv.org/abs/1804.10736 (2018).
  13. Raman, A. P., Li, W. & Fan, S. Joule 3, 2679–2686 (2019). | article

شياوجي ليم كاتبة حرة، مقيمة في مدينة ناتيك بولاية ماساتشوستس.